الاتحاد

الملحق الثقافي

ميشال تورنييه: هذه علامة الحب!

ميشال تورنييه

ميشال تورنييه

ترجمة - أحمد عثمان
ها نحن ذا في شوازيل، ضيعة صغيرة في وادي شيفروز. في ظل كنيسة صغيرة حيث يقبع بيت ميشال تورنييه الذي كان بيتاً لراعي الكنيسة. «سوء التفاهم يتأتى من أن الناس يبحثون عن الراعي في بيته!»، هكذا صرح الكاتب وهو يستقبلني. ميشال تورنييه كاتب الفلسفة الشعرية الفرنسي. عرف في العام 1967، جمهوراً كبيراً بسبب روايته الأولى «فوندرودي – جُمعة أو ضفاف المحيط الهادي»، وهي إعادة كتابة لرواية (دانيال ديفو) روبنسون كروزو التي تدور عن اللقاء بين الإنسان الأبيض المتمدن والمتوحش. عكس تورنييه الأحداث بترقية فوندرودي، ليصبح الهندي السعيد الذي يحيا في تناغم مع الطبيعة على جزيرته، سبيرينزا. حازت تلك الرواية نجاحاً كبيراً، إذ تجاوز حجم مبيعاتها سبعة ملايين نسخة.
في شوازيل، كتب تورنييه كثيراً، هنا حرر كل كتبه. في دراسته «نثر قصير»، قارن بيته بجسده «بيتي هو أنا». على الحائط، صور، لوحات ملونة وبعض التماثيل. يجلس ميشال تورنييه على أريكته ويقترح عليَّ الجلوس على المقعد الهزاز قبالته.
.رجل الآداب، مشهور بحصوله على جائزة غونكور، تلميذ كلود- ليفي شتراوس. فيلسوف مقرب لجيل دولوز. مصور فوتوغرافي. صحافي ومحكم في أكاديمية غونكور. ميشال تورنييه متعدد الأنشطة الكتابية. كثير الكلام. يكشف لنا بخبث عن نظرته إلى الأدب الحالي، والموضوعات التي يحبها وأيضاً عن الفلسفة.
مكتب المعلم، حيث كتب كل أعماله، يقبع تحت نافذة كبيرة، تطل على حديقة شوازيل. في آخر الأرض، من الممكن أن نميز شاهدة قبر والدته. مثل «طفل مرتب الشعر»، حكيم، باح تورنييه بأنه لا يمكنه أن ينفصل عن أمه. تسهر عليه مثل كل التماثيل المسيحية التي تزين الفضاء. تورنييه ساحر. حوَّل النظريات الفلسفية الكبيرة إلى قطع سحرية أو «أشياء رائعة»، التي اختارها مثلما اختار عنوان كتابه القادم. في «قطع نثرية قصيرة»، حقق تجربة أسلوبية رائعة، وقال في تحرير رثائه: «أحببتك، أهديتني كل شيء أضعافاً مضاعفة. شكراً أيتها الحياة!».

مع الآخر
* رأيت الأعمال الكاملة لكانط؟
** أنا أحد القلائل في العالم الذين يمتلكون أعمال كانط الكاملة، حتى في ألمانيا. ربما تندهش إذا قلت لك إنني فشلت في الحصول على شهادة التبريز في الفلسفة، وحين أعرف الموضوعات التي يدرسها طلبة البكالوريا في الفلسفة – وأنا حساس تجاهها – أجد أن لا علاقة تربطها بالفلسفة. الفلسفة، بالنسبة لي، موضوع بسيط: في بادئ الأمر لا بد من أسماء: أفلاطون، أرسطو، سان توماس ديكارت، مالبرانش، هيغل، هؤلاء رجال فكر معتبرون.. لا بد أيضاً من دراسة اليونانية، واللاتينية، والألمانية.

* تتبدى فلسفتك في نتاجك...
** بالتأكيد، وبصورة خاصة في حكاياتي للأطفال. رواية «فوندرودي أو الحياة المتوحشة» (1971) تتعرض لمشكلة الآخر، الذي هو ظرف الوجود. (دائماً كان هذا المشكل قائماً، لكن لو قال لي أحدهم، قبل سنوات، أن غياب الآخر سيجعلني أشك ذات يوم في وجودي، لضحكت هازئاً (...). حتى أنا نفسي لا أوجد إلا بالهروب من نفسي متجهاً إلى الآخر) (1). بالإضافة إلى مشكلة الكولونيالية والعنصرية، فكما تعلمين يجب أن يتوفر الموضوع لكي نكتب، أعني «موضوع كبير»، مثلاً، في كتابي «النيازك»، هناك موضوعان: التوأمان وعلم الأرصاد. وهما موضوعان كبيران عالجتهما، بعد أن قمت بالبحث فيهما، وقابلت توائم.

* أتلك صورك؟
** لا! إذا قمت بتحقيق صور مثل هاتين الصورتين، أكون مصوراً كبيراً. إنهما من شغل إدوار بوبا، أحد أكبر المصورين الفوتوغرافيين وصديقي المقرب...
* ولكنك تحب التصوير الفوتوغرافي!
** انشغلت كثيراً بالتصوير الفوتوغرافي، وأنشأت «لقاءات آرل»، وحققت مئات الحلقات التلفازية عن الصورة تحت اسم «غرفة معتمة». التصوير شيء ما ذاتي للغاية. لا أصور إلا من أحبهم. شيء مثل إعلان الحب.

أكتب لأُقرأ
* أنت كاتب كبير. لماذا تكتب؟
** بالنسبة لفنان مثلي، تتمثل السعادة في الكتابة، وخلق شيء من التعاسة الخيالية، الروايات، التراجيديات. الحديث عن «التفريغ» الانفعالي يثير تقززي. أكتب لكي أُقرأ، إذا لم يكن لدي قراء لن أكتب. أظن أن كتابي سيكون قد كتب حقاً حين أراه يصدر في طبعة «الجيب». بالنسبة لي، الطبعة تبدأ من 50 ألف نسخة، وهذا ما جرى حينما حزت جائزة غونكور، فهي تعني 400 ألف نسخة مبيعة. بالتأكيد، ليس هناك 400 ألف قارئ جيد، فضلاً عن ذلك، جائزة غونكور ليست مقروءة وإنما ممنوحة. إنها هدية «نوبل» المثالية. الأطفال هم انتصاري، لقد حقق أكبر إصدار لي، «فوندرودي أو الحياة المتوحشة» سبعة ونصف مليون نسخة! لا يجب أن نُخدع، الغالبية العظمى من الناس لا يقرؤون أي شيء، ولكن من يقرؤون أكثر سعادة من الذين لا يقرؤون، حتى المكتبة التي تقع بجانبي، لا يعرفني أحد بها! ممارسة الإبداع بهجة، متعة، ولكن الإبداع هو الطفل. بيد أنني أصاب بالهلع من إعادة قراءة أعمالي. في كل مرة، أقول لنفسي ربما يتحسن الوضع... (إلى جانبه تقبع أنطولوجيا الشعر الفرنسي لجورج بومبيدو. قرأ منه بعض الأجزاء وعلق: هل تعرفين كيف حدث أول لقاء لي مع الشعر؟
كانت الفتاة التي تربت معي حينما كنت طفلاً، تكرر أغنية: «حينما أحلم، قلبي يتمدد، مثل الإسفنجة، التي نغمسها، في الهاوية، الملآنة بالكبريت، حيث نعاني، من الدوامات، الكبيرة، الكبيرة التي نحلم بها، قلبي يتمدد...». ثم، كان هناك بول فاليري.. صمت لفترة ثم قال: «الشيخوخة شيء قبيح، لا أقول إنني أحذركم، وإنما أعدوا أنفسكم للأسوأ...»

* أنت حزين...
** ثمة شيء أساسي يراه المرء حينما ينظر إلى حياته، إنه الأحداث التاريخية، التي خضع لها أو رآها وعايشها. حينما كنت في الرابعة عشرة من عمري اندلعت الحرب، لكنني كنت صغيراً لكي أفهم ما يجري.. في مراهقتي عايشت مرحلة التحرير، لكنها ليست السعادة.. ثم حرب الجزائر، وكنت محظوظاً لأنني لم أرتدِ الزي العسكري ولم أحمل سلاحاً طوال حياتي.. واليوم هناك مشكلة، لا شيء يحدث. مع ذلك، لا بد من التمتع بالحياة. لا توجد أحداث سيئة. الشعب السعيد هو من لا تاريخ له. «ما الذي يجري لديك؟ لا شيء. أنت محظوظ!». الحياة طيبة لأن لا يحدث شيء في الحياة. الراهن هو الحرب. كارثة الإنسانية. صورة الجندي. السعادة شيء مقلق تافه للغاية. لحسن الحظ، هناك مرض صغير للغاية. (ضحك).

* ويومياتك؟
** (مستعيراً هذا المفهوم من أندريه جيد، بين ميشال تورنييه أفكاره حول العالم الخارجي بإهماله للحميمية. في الواقع، يستخدم الكاتب الخارج للتعبير عن ذاته. هذا الاكتشاف للأنا يتحقق من خلال ملاحظة الكون. هذه اليوميات عبارة عن ملاحظات، أفكار، طرف...). كلها هنا. أدوِّن كل شيء. سأقرأ عليكم بعض الأجزاء:
«هل تعرفون ما الفرق بين الحب والصداقة؟ من الممكن أن نحب شخصاً ما رغم أننا نحتقره. أنت سيئ، ولكنني أحبك». هذه الجملة تصور «قطع نثرية قصيرة»: «هناك علامة مؤكدة تتبدى حينما نحب أحداً ما حباً كبيراً، بالتالي يلهمنا وجهه أكثر من الرغبة في أي جزء آخر من جسده».
..........................................
(1) مجتزأ من فوندرودي أو حدود المحيط الهادي.
Marie Gicquel، Entretien avec Michel Tournier، Zone Critique، vendredi، 11 avril 2014.

شيء عن تورنييه
* ولد تورنييه العام 1924 في باريس.
* حاز الإجازة في الفلسفة من جامعة «توبينغن» الألمانية.
* مؤسس مهرجان التصوير الفوتوغرافي «لقاء آرل».
* 1970؛ حققت روايته الأولى «جُمعة» نجاحاً لافتاً على المستوين النقدي والجماهيري.
* 1971؛ نال جائزة الأكاديمية الفرنسية للرواية عن روايته «جمعة» المستوحاة من رواية دانيال ديفو الشهيرة «روبنسون كروزو».
* حاز جائزة «غونكور» عن روايته «ملك شجرة جار الماء». وهو الكاتب الوحيد الذي نال هذه الجائزة العريقة بالإجماع.
* أدرج اسمه عدة مرات في لوائح المرشحين للفوز بجائزة نوبل للآداب.
* من أهم رواياته: «جمعة أو ضفاف المحيط الهادي» التي أحرزت الجائزة الكبرى للرواية التي تمنحها الأكاديمية الفرنسية، و«ملك مقاييس ذراع» التي حازت على جائزة «غونكور».

اقرأ أيضا