الاتحاد

عربي ودولي

فوبيا الإخوان المسلمون ·· منذ ستين عاماً


القاهرة - حلمي النمنم:
'الاخوان المسلمون في الميزان' كتاب صدرت طبعته الجديدة مؤخرا وكانت الطبعة الاولى قد صدرت قبل ستين عاما وتحمل اسم محمد حسن احمد مؤلفا ويبدو انه اسم حركي، والاسم الحقيقي توصل اليه د·وحيد عبدالمجيد في تقديمه للطبعة الجديدة وهو عبدالرحمن الناصر -المعيد آنذاك في قسم الكيمياء بكلية العلوم- وكما هو واضح في الكتاب كان يساريا ينتمي الى الحركة الوطنية وربما لم يكن بعيدا عن الافكار الماركسية وكان مع مجموعة من زملائه مثل رشدي سعيد يتخوفون من صعود جماعة الاخوان·
ويرى د· وحيد عبدالمجيد ان المؤلف أخفى اسمه خوفا من التنظيم السري للجماعة والذي مارس بعض أعمال العنف تجاه الخصوم ويبدو ان هذه المخاوف لم تكن بلا أساس او من فراغ لكن هناك عنصرا آخر يتعلق بتوقيت اصدار الكتاب عام 1946 كانت الحرب العالمية قد انتهت وكان الصراع في الحياة السياسية المصرية على أشده بين مختلف التيارات وكان الملك فاروق قد مضى في طريق الانهيار والنظام الملكي يتهاوى وكانت القوى الجديدة تصعد متمثلة في جماعة الاخوان ومصر الفتاة والتنظيمات الماركسية·
ويبدو ان الوضع المتراجع للنظام الملكي وللملك شخصيا وللاحزاب القديمة كالوفد والأحرار الدستوريين، أغرى التيارات الجديدة وتصور كل منها انه قاب قوسين أو أدنى من حكم مصر وكان طبيعيا ان يرى كل منها في الاخر منافسا بل عدوا وفي ذلك العام وقعت أحداث كوبري عباس التي راح ضحيتها عدد من طلاب جامعة القاهرة وكان التنسيق قد بدأ بين العمال والطلبة من أجل القضية الوطنية أي الاستقلال وطرد الانجليز ولم يشارك الاخوان في هذه الحركة اليسارية الطابع بل تحفظوا عليها وربما يكون ذلك احد اسباب ازدياد رفض المؤلف للجماعة·
واليوم هناك أوجه شبه بعام 1946 هناك صعود لتيار الاخوان المسلمين تمثل في دخولهم البرلمان المصري بنسبة 20 في المئة من الاعضاء وهي نسبة لم تحققها بقية الاحزاب باستثناء الحزب الوطني الحاكم وهناك أيضا مجموعة من الأزمات الاجتماعية وظهرت مخاوف لدى عدد من التيارات والقطاعات داخل المجتمع المصري من ان يشكل الاخوان الأغلبية في البرلمان خلال سنوات ويقوى نفوذهم حتى ان د· ميلاد حنا أعلن انه سيغادر البلاد لو حكم الاخوان المسلمون وهو موقف غريب منه لكنه يكشف عن حجم القلق داخله كقبطي مصري وكما كان الحال في عام 1946 هناك مخاوف عديدة ولا تبدو في الأفق بوادر استقرار حقيقي، وكل التناقضات قائمة·
كتاب هجاء
ومن يقرأ الكتاب يشعر بان المؤلف كان لابد ان يخفي اسمه فبرغم العنوان فان الكتاب يمثل نموذجا هجائيا للاخوان كجماعة وفكر وسلوك ونفى عنها أي ميزة وطنية أو دينية·
الفصل الأول من الكتاب خصصه المؤلف لرصد صفات الفاشية من التركيز على الزعامة والزعيم وانها تظهر في أوقات الأزمات التي تمر بها البلاد وتراجع الاقتصاد وازدياد معدلات البطالة فتأتي الفاشية لتقنعهم أو توهمهم بانها سوف تحل لهم كل الأزمات، ويحاول المؤلف ان يطبق هذه السمات على جماعة الاخوان بتفصيل ممل ليصل في النهاية إلى نتيجة ان الاخوان جماعة فاشية!
وفي فصل آخر يتوقف المؤلف عند القضية الوطنية في مصر وكذلك القضية الفلسطينية ويقارن موقف الاخوان منها بموقف تيارات أخرى، وفي هذا الفصل يتوقف تحديدا امام كلمات وأفكار المرشد العام المؤسس للجماعة حسن البنا، ليصل إلى ان الاستقلال ليس هدفا اساسيا لدى الجماعة وكانت الحكومة قد منعت بعض الاجتماعات التي دعا إليها الشباب الوطنيون للمطالبة بالاستقلال بينما سمحت بعقد المؤتمر العام للاخوان· ومن المهم ان نذكر ان الجماعة آنذاك كانت مشهرة لدى وزارة الشؤون الاجتماعية ولم تكن محظورة بل كانت معلنة وشرعية وربما كان ذلك هو السبب في سماح الحكومة لمؤتمرها بالانعقاد لكن المؤلف فهم الأمر بشكل آخر ويقول ان السبب غاية في البساطة ويرجع إلى طبيعة هذه الجماعة الممالئة للاستعمار والخادعة لجماهير الشعب والمضللة لها بشتى الوسائل والأساليب إذ لو كان قادة الاخوان يحاربون الاستعمار بجد واخلاص لحاربهم المستعمر، وألغت الحكومة اجتماعاتهم، وصادرتها كما فعلت مع باقي الهيئات·
ويأخذ على المرشد المؤسس انه في حديثه عن المطالب الوطنية قال: التذكير بالحقوق الوطنية لوادي النيل وللعالم الاسلامي ولم يتحدث عن مصر صراحة وضرورة طرد البريطانيين منها وهكذا·
وفي المشكلة الفلسطينية وكانت مثارة وقتها تحدث الشيخ حسن البنا قائلا: فصداقة المسلمين والعرب في كفة ومطامع اليهود في الكفة الاخرى· ويأخذ عليه المؤلف عدة أمور منها عدم التفرقة بين اليهود والصهاينة فالمشكلة ليست مع عموم اليهود، لكنها مع الحركة الصهيونية والاسرائيلية، وعموما فان الكثيرين منا ليست لديهم هذه التفرقة إلى اليوم·
ويأخذ عليه انه لم يتحدث عن فلسطين صراحة والاستعمار الانجليزي بها الذي يمكن للصهاينة وقد مكن لهم بالفعل واقيمت دولة إسرائيل· وفي هذه الفصول يشعر القارئ بقدر من التعسف، خاصة حين راح المؤلف يقارن بين الاخوان والفاشية وبين مؤسسي الجماعة وزعيم النازية الألماني هتلر ولعل هذا ما دفع وحيد عبدالمجيد إلى القول: ان جماعة الاخوان لم تكن فاشية في أي وقت ولكن هذا لا ينفي ان بعض ممارساتها لا تخلو من اساليب تستخدمها تنظيمات فاشية مثل المراتب التنظيمية في العضوية أخ مساعد وأخ منتسب وأخ عامل والدور المميز للتدريبات الرياضية وفرق الكشافة وما شابه من روح شبه ميلشاوية رأيناها عندما خرجت مجموعات من شباب الاخوان إلى انتخابات 2005 البرلمانية وكأنهم خارجون للحرب وليس للتنافس السلمي·
ويمكن ان نختلف مع الكاتب في الكثير من أفكاره، فهو لم يقدم بحثا ولا دراسة علمية ولكن اراد ان يقدم صرخة فيها الطابع الايديولوجي، ولم يحاول ان يفهم الجماعة بمنطقها نفسه، قبل ان يعلن اختلافه معها، فالجماعة حين تأسست كان الحديث فيها عن مشاكل وهموم العالم الاسلامي وليس مصر فقط، وكان مؤسسها يستعمل مفردات اسلامية تقليدية، بالتأكيد لن يرضى عنها مثقف يساري يستعمل مفردات محددة فالأساس لدى الجماعة هو مفهوم الأمة ولكن لدى اليساري هو الطبقة وهكذا·
وهناك بعض الامور في الكتاب جاءت الاحداث فيما بعد لتنفيه بالمرة، مثل اتهام الجماعة بموالاه الاستعمار الانجليزي وعدم الاهتمام بما يجري في فلسطين فحين تطوع الفدائيون العرب للدفاع عن فلسطين بعد صدور قرار التقسيم، كانت هناك اعداد من شباب ورجال الجماعة قاموا باعمال بطولية حقيقية، وحين اشتد النضال المسلح في القناة ضد قوات الانجليز كان اعضاء وفرق من الجماعة في هذه العمليات وكان بينهم فدائيون· والطريف ان المؤلف هاجم النقراشي باشا واعتبره متساهلا مع الاخوان يوافق لهم على المؤتمر العام ويمنع مؤتمرات الاخرين، وجاءت الأيام فيما بعد بعكس ذلك والنقراشي هو الذي أصدر قرارا بحل الجماعة وردت الجماعة باغتياله·
استقالات
ويختتم المؤلف بنداء مطول إلى شباب الاخوان بان يتركوا الجماعة ويحذرهم منها 'واعلموا ان ترككم للأخوان ليس معناه ترك الدين بل على العكس فان جماعة الاخوان تستغل الدين، استغلالا سيئا، فالدين يبرأ من هذه الجماعة وليس أدل على سوء استغلالهم للدين من تشبيه دولة صدقي باشا بالنبي اسماعيل·· وضعوا نصب اعينكم ان الدين لله والوطن للجميع'· وكانت الجماعة قد أشادت بـ'إسماعيل صدقي باشا'، واستشهدوا بالآية القرآنية الكريمة في نبي الله اسماعيل ووصف الله تعالى له بأنه كان صدّيقا·· ويقول أيضا: ان وصول هذه الهيئة إلى الحكم معناه تفريق صفوف الأمة أو ارتماء الاقليات في أحضان المستعمر الذي يجد منهم الذريعة للتدخل في شؤوننا الداخلية، وقد اتضح من خلال نصوصهم أنهم يضطهدون الأقليات بصراحة فينادون بعدم التعامل معهم، وقصر خيرات البلاد واستثمار منابع ثرواتها على المسلمين·· أي في حفنة من كبار الملاك وأصحاب الشركات·
ويضيف المؤلف ملحقا، ضم نصوص مجموعة من الاستقالات داخل جماعة الاخوان في القاهرة وفي الاسماعيلية ذاتها وفي غيرها بعضها احتجاج على سلوك الجماعة وبعضها احتجاج على المرشد ذاته، كانت استقالات الإسماعيلية لسبب بسيط: عندما انحرفت الدعوة وأصبح القائمون بها يعملون لحساب الحزبية والأحزاب السياسية تقدمنا باستقالاتنا، ولنفس السبب استقالت لجنة الاخوان بالزقازيق: سرعان ما انكشف القناع وظهرت نواياكم الحزبية التي اتقنتموها كل الاتقان بالامس القريب كنتم تعلنون ان ليس لجمعيتكم أي دخل في السياسة· أما شعبة الحلمية فقد حلت نفسها احتجاجا على المرشد: رأينا من اتجاه سياسة الاخوان المسلمين انحرافا عما أفهموه للشعب من انها جمعية دينية تتوخى تعاليم القرآن الكريم وان تلك المحاولات الجديدة الواضحة التي تقومون بها يا فضيلة المرشد لتتعارض مع مبدأ الجمعية ودستورها فقد اخذتم من الدعوة وسيلة للظهور لا للاصلاح الاجتماعي وانكم لتقضون على مصالح الطلاب بتلك الاجتماعات التي تعقدونها معهم لتلقنوهم مذاهبكم السياسية الملتوية التي لم تستقر مرة واحدة ولهذه الاسباب ولغيرها قرر مجلس إدارة شعبة الحلمية للاخوان المسلمين الاستقالة وتكوين ناد رياضي باسم 'نادي الحلمية الرياضي' وقد لا يعرف كثيرون ان هذا النادي قائم إلى اليوم، يمارس نشاطه الرياضي·

اقرأ أيضا

مقتل 9 مدنيين بهجوم إرهابي في بوركينا فاسو