صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

بريطانيا تتوسل.. والصين والملاذات الضريبية ورقتا ضغط

لندن (د ب أ)

أسعدت رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي، الجناح اليميني في حزب المحافظين، الذي تقوده، وحزب استقلال المملكة المتحدة المناوئ للاتحاد الأوروبي، عندما تعهدت بإخراج بريطانيا من السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي. ورحب حزب استقلال المملكة المتحدة بحرارة بخطاب ماي عن الخروج من الاتحاد الأوروبي الذي ألقتة في العاشر من شهر يناير الجاري، والذي يعكس تحول الحكومة نحو اليمين، منذ استقالة رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون في أعقاب فشل حملته لإقناع البريطانيين بالتصويت لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي في الاستفتاء الشعبي الذي أجري يوم 23 يونيو الماضي.
وقال نيجل فاراج، الزعيم السابق لحزب استقلال المملكة المتحدة، الذي كان رأس الحربة في الحملة المنادية بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي «أجد صعوبة في تصديق أن رئيسة الوزراء تستخدم الآن العبارات والجمل التي تعرضت للسخرية بسبب ترديدها على مدى سنوات». ووصف ما حدث بأنه «تغيير حقيقي». في المقابل، وفي إشارة إلى الغضب المتصاعد بين السياسيين من معسكر يسار الوسط في بريطانيا، سخر عضو مجلس العموم عن حزب العمال ديفيد لامي من موقف رئيسة الوزراء ماي باعتباره مساومة للاتحاد الأوروبي على أساس إما «إعطاؤنا ما نريد أو سنحول بريطانيا إلى ملاذ ضريبي عملاق».
وأضاف أن بريطانيا تنتظرها «أوقات حالكة السواد»، في حين قال زعيم حزب العمال المعارض جيرمي كوربين، يبدو أن ماي «عازمة على استخدام الخروج من الاتحاد الأوروبي لتحويل بريطانيا إلى ملاذ ضريبي آمن». كانت ماي قد قالت إن بريطانيا ستظل قادرة على التجارة مع أوروبا من خارج السوق الموحدة «لكننا سوف نتمتع بحرية عقد اتفاقيات تجارية مع مختلف دول العالم».
وأضافت «سيكون لدينا الحرية لكي نتبنى معدلات ضريبة تنافسية وسياسات سوف تجذب أكبر شركات العالم وأكبر المستثمرين إلى بريطانيا»، مشيرة إلى الحكومة «ستكون لديها الحرية في تغيير أساس النموذج الاقتصادي لبريطانيا». وأشارت ماي إلى أن دولا، مثل الصين والبرازيل ودول الخليج، أعربت عن اهتمامها بعقد اتفاقيات تجارية ثنائية مع بريطانيا، في حين بدأت المناقشات بالفعل حول مستقبل العلاقات التجارية مع أستراليا ونيوزيلندا والهند.
وقالت رئيسة وزراء بريطانيا إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قال إن بريطانيا «على الخط الأول» بالنسبة لأي اتفاق تجاري مع الولايات المتحدة. ومن المنتظر أن تواجه ماي معركة صعبة لكي تتوصل إلى اتفاق تجاري مناسب مع الاتحاد الأوروبي بعد خروج بريطانيا منه. ويقول المحللون إن المفاوضات مع الولايات المتحدة والصين، وهما أكبر اقتصادين في العالم، يمكن أن تكون أصعب مما تتوقعه ماي، وبخاصة في ظل وجود ترامب، الذي يصعب التنبؤ بمواقفه، والذي يهدد بقلب الأوضاع في التجارة العالمية.
وكتب كيري براون، خبير السياسات الصينية والعلاقات الصينية البريطانية في كلية «كينجز كوليدج» في لندن، في مجلة «الدبلوماسي» البريطانية إن «بريطانيا الآن في موقف المتوسل، فهي تحتاج المساعدة والرعاية». وقال براون «الحديث العفوي وغير المسؤول من جانب بعض القادة البريطانيين عن التوصل بسرعة إلى عقد اتفاقيات تجارة حرة مع الصينيين، بمجرد التحرر مع قيود الاتحاد الأوروبي، يظهر حالة انفصال عن الواقع ميؤوس منها.. الخروج من الاتحاد الأوروبي سيجعل بريطانيا الشريك الأضعف في العلاقة مع الصين ودولة ضعيفة وتعتمد على الآخرين». في الوقت نفسه، فإن التحديات التي ستواجهها ماي في الداخل أشد صعوبة، وبخاصة في أيرلندا الشمالية، التي تواجه بالفعل أزمة بشأن تقاسم السلطة السياسية، وفي إسكتلندا أيضا. يقول جون أودود، المتحدث باسم ملف خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في حزب شين فين الجمهوري في أيرلندا الشمالية، إن حديث تيريزا ماي «يظهر بوضوح أنها تتجاهل رؤية الشعب» في أيرلندا الشمالية.
وأضاف «أودود» أن حزب «شين فين» يخشى إقامة «حدود صعبة» بين جمهورية أيرلندا وأيرلندا الشمالية، رغم إصرار ماي على أنها ستسعى إلى ضمان استمرار حرية حركة السلع والأفراد عبر الحدود بين بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي. وقال «أودود» إن «أيرلندا الشمالية تحتاج إلى منحها وضعا خاصا داخل الاتحاد الأوروبي». ويقول حزب شين فين إنه سيجعل من قضية الوضع الخاص لأيرلندا الشمالية في الاتحاد الأوروبي، قضية أساسية في حملة انتخابات الجمعية الوطنية الأيرلندية (البرلمان الإقليمي) المقررة يوم 2 مارس المقبل.
أما الوزيرة الأولى في إسكتلندا نيكولا ستورجون فتقول إن إسكتلندا «لم تصوت لصالح الاتجاه الذي جاء في خطاب رئيسة الوزراء، وهذا الاتجاه لا يخدم مصالحنا الوطنية». وقالت ستورجون «رغم كل كلمات رئيسة الوزراء الدافئة، فقد اتضح الآن أن بريطانيا تتجه نحو خروج صعب من الاتحاد الأوروبي مما يهدد بكارثة اقتصادية». ومن المتوقع أن تحاول تيريزا ماي التخفيف من شدة ضربة الخروج من الاتحاد الأوروبي، من خلال منح السلطات الإقليمية في إسكتلندا المزيد من الصلاحيات المالية والإدارية، لكن من غير المحتمل أن يرضي هذا الحزب القومي الإسكتلندي الذي تنتمي إليه ستورجون وأنصاره. وهددت ستورجين بالدعوة إلى استفتاء ثان على استقلال إسكتلندا عن بريطانيا، إذا تم إجبار الشعب الإسكتلندي «على الخروج من الاتحاد الأوروبي على عكس إرادتنا». وأضافت «يمكن القول إن رئيسة الوزراء نجحت، من خلال خطابها فقط، في جعل هذا خيار الدعوة إلى استفتاء ثان على الاستقلال أكثر احتمالا».

شركات ألمانية قلقة
برلين (د ب أ)

أعربت شركات ألمانية عن قلقها بعد قرار المحكمة العليا في بريطانيا. وقال مدير قطاع التجارة الخارجية بالغرفة الألمانية للصناعة والتجارة فولكر تراير، في بيان أمس: «بسبب عدم الوضوح والقدرة على التنبؤ بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ستحجم الأوساط الاقتصادية عن الاستثمارات على نحو أقوى مما هو قائم حتى الآن». وأضاف أنه يتم مواجهة علامات استفهام جديدة حالياً في الطريق نحو الخروج المخطط له لبريطانيا من الاتحاد الأوروبي بسبب هذا الحكم، مؤكداً بقوله: «كان من المهم للغاية بالنسبة للأوساط الاقتصادية على كلا جانبي القناة تعريف الحكومة البريطانية حتى شهر مارس المقبل بما ترغب فيه».

اتفاقات تجارية
فاليتا (رويترز)

قال فرانس تيمرمانس، نائب رئيس المفوضية الأوروبية، الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي، أمس، إن بريطانيا يمكنها مناقشة اتفاقيات تجارية ثنائية خلال الفترة المتبقية لها في عضوية الاتحاد، ولكن دون توقيعها. وأثارت كلمات فرانس تيمرمانس احتمالاً بأن تواجه بريطانيا عقبات وتأخيرات في خطتها الرامية لإبرام اتفاقات تجارية مع الولايات المتحدة ودول أخرى مع استعداداها للخروج من الاتحاد الأوروبي.
وقال تيمرمانس «بمقدور الجميع التحدث مع أي طرف آخر، لكنك لا يمكن توقيع اتفاقية تجارية مع دولة ثالثة إلا بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي. ولا يمكن قبل ذلك». وتبدو تصريحات تيمرمانس أكثر مرونة من تلك التي أدلى بها رئيس المفوضية جان كلود يونكر، الذي قال العام الماضي، إنه لا تروق له فكرة تفاوض بريطانيا على اتفاقيات تجارية قبل الانتهاء من عملية الخروج.