الاتحاد

ثقافة

دريك كان اسمه جينوبيبو بالومو

مضى جينوبيبو لينجب مثله تماماً أبناء من البحر معاً وُلدا من بحّار مجهول

مضى جينوبيبو لينجب مثله تماماً أبناء من البحر معاً وُلدا من بحّار مجهول

فرناندو كروث كرونفلي
ترجمة: المهدي اخريف

كان دريك يمشي برأس منحرف طوال الوقْت مثل إوزّة، وكان يَضَع بُرْنيطة مشبَّعة باليُود وبطبقات مِن الملح بإمكانها أَنْ تُتَبِّل إناءَ طاقَمَ مَلَّاحي بأكمله. كان لديه جُرْح رَتَّقُوهُ له بخياطةٍ غليظة في القفا تسبَّبت في تغضين الجهة اليمنى من ذقنه. كل من عَرَفه كان يعتقد أن استخدامه المُعْوجَّ للرأس إِنَّمَا سَبَبُه تِلْكَ الخياطة. كان دائماً بحاجةٍ إلى اتّساع مِتْرين حتّى يتمكَّن من المشي. لمَّا عاد من مغامرته البعيدة في السفينة العتيقة الراسية على الرصيف، كان يمشي وكأنَّه يحمل دَرَابزيناتٍ وأسلاكاً بحرية مُتخيّلة في شوارع الميناء، نافثاً الدّخان مِنْ منخرِيه ومن فَمه، لأنّه اختار أَنْ يُدلّي منْ أسنانه غليوناً شَماليّاً ما لَبِث دخانه الأوَّل أن أحرق لسانه وهو ما نَفَعه في التّخلّي عن الدخان فيما بعد. لذلك ظل محتفظاً في حالات الضحك أو نوبات الغضب بما يُشبه الجُذُور الصفراء المرسومة بتبغ مبروم والموشومة بعلاماتٍ مِنْ زمن قديم.
لَمَّا تَسلَّق دريك، قبل سنوات عديدة، أول مركب في حياته كان اسْمُه جينوبيبو بالومو (Genovevo Palomo)، حينئذ لم يكن يمشي برأسٍ منحرف إلى اليمين؛ كان يضَعُ بيريه وليس بُرْنيطة رجل بحري.
ولم يكن يُبلِّل صَمْتَه أو كلامَه بدُخان الغليون ساحباً إياهُ صوب الدَّاخل أو الخارج، كما لم يكن يَحْمل ذلك الجرح في ثنيّة عُنُقِه. لقد كان باختصار الشاب جِينُوبيبو المتهيِّب، لكنْ، المتلهف إلى رجال البحر ومغامراتهم.
ذات يوم من شهر أكتوبر رأى جينوبيبو بالُومو الشيخ الشهير باسم القبطان هوبر يوستاك (Hoover Yostak) للمرَّة الأولى، وهو الرجل الذي وصل - وحسب الأقوال – إلى أقْصى الجهات وكان عَلَى اسْتِعْداد للإبحار باتّجاه جهات أبعد؛ حينئذ عَقَد جينوبيبو العزم على نفض غبار جزمته بطرف خرقةِ تنظيف طوال الاثنا عشر يوما والاثنتا عشرة ليلة، وهي المدَّةُ التي أمضاها الجسر العوّام مَرْبُوطاً إلى رصيف الرُّسوّ. لَقَد دُهشَ لِكميَّات الأرزّ المُلْتهَمَة وحَسَكات السمك المتروكة على شرشف مائدة الزاوية؛ كانت أمُّه ميناندرا تُرْسِلُهُ من المطبخ بينما هُوبر يوستاك يضاعف الضوضاء بأصوات احتسائه الشوربة ومصِّ الأصابع تَلمُّظاً، مُتَجشّئاً النبيذَ أو الجُعّةَ، كما لو كَانَ يَنْوي رواية حكايةٍ مُرَّةٍ كانت تنفلت من العمق المُعْتِم لأحشائه أو لِلَيَاليه المبدَّدة أو المغتنَمة. لقد أُعْجِبَ الفتى بذلك الرجل وبتينك العينين الساحرتين، وبالوشم المرسوم على منطقة الذّراع بِمدَادِ مُلوّن، بَل وأحسَّ حتَّى بمَا يُشبه الغيرة مِنَ عدم ظهور علامات المسافاتِ القصيّة على وَجْهه، تلك التي عادةً ما يمنحها الإبحار المتواصل في أعالي البحار، والتي أخْمَدت عَيْنَي القبطان هوبر.
وهكذا أَتَى جِينوبيبُو، ذات يوم، واضعاً يَدَيْه على خَاصِرَته، بَعدما اتّخذ قَراره النهائي بأن يجرِّب حَظَّه، وقال:
- أيها القبطان! ما رأيك فيّ كمُقّدم لوجبات الطعام في السفينة؟
ثم فتح عينيه وأضاف:
- أستطيع غسل الثياب، واستلام وتسليم الطُّرود البريدية والقيام بكل ما يُطلب منّي القيام به من خدمات.
هُوبر يوسْتاك عَلّق مُركّزاً نظرة على جينوبيبو:
- أُفضِّل أمَّكَ ميناندرا عَلَيْك. لم أطلب منها بعد أن ترحل معي.
كان هوبر يوستاك سكراناً، إذْ مَا لَبِث أن أَلْقَى بِرَأسه على حافّة المائدة، ثم أَطْلَق صفيراً رتيباً كما لو أنَّ سَراطين البحر التي انتهى مِن التهامها عَشِيّةً لم تَكُفَّ عن الزعيق داخل بَطنه.
جينوبيبو أَمْضَى الليلةَ بتمامها واقفاً أمام مرآة متعدّدة الأوجه متخيِّلاً، وقد ضاق ذرعاً بالقبطان هوبر، بُرنيطةً سوداء مثبّتةً على رأسه، وبين شفتيه يرتعش غليون لم يُبْرَمْ تبغُه كذاك الذي يستعمله هُوبر، حتّى إنّه رسم على ذراعه بِرِيقه وبفحم المَوْقِد خطّاً بطرف مكنسة ليُؤكد أن الأَمْرَ يتعلّق، وإن بالتفكير المحض، بنخلة على شاطئ مكشوف، ولو أن أطراف الرسم آلَمَتْه كثيراً فظلَّ يتكلَّم بأصوات شتّى حتى آخر ساعات الليل.
لمَّا عاد هوبر يوستاك ليتخذ مجلسه على مقعده وهو يجول بعينيه يمنةً ويسرة، كان جينوبيبو مذهول اللبِّ، مُنهمكاً في كَنْس بقايا الأطعمة التي فَضَلَتْ مِنْ لَيْلةِ الأمس، مغنيّاً ومتلفّظاً، علاوةً على ذلك، بكلمات الغَزَل للفَضَلاتِ آخذاً كل حيطته مِنْ أَلَّا يُولي الاحترام الواجب لكراسي الخشب وللطاولات العتيقة ذات الألواح الفاقدة البريق؛ وأثناء ذلك الصّخب التلقائي قال القبطان العجوز مُقطّباً حاجبيه حتّى يستعيد الروح المشتّتة ما بين الأثاث والصور الفوتوغرافية على الجدران، مستخدماً هذه المرّة صَوْتاً خفيّاً لمْ يَسْمعه أَحَد سواه:
- هذا الفتى يملك موهبةَ معايشة الأشياء بحبّ. مَسحَ رغوة البيرة عن فمه ثم أنهى كلامه:
- سوف تذهب معي.

منذ ذلك الوقت الذي سبق الرحيل الكبير بقليل، أصرّ هوبر يوستاك عَلى أنَّ جينوبيبو مُؤهّل تأهيلاً روحياً لغسل الثياب المُتَّسخة بالصابون في أعالي البحار، ولتنظيف الأرضية الخشبيّة بالفرشة... وهكذا كُتِب لِابْن صاحبة حَانِ ومطعم «جولة حول العالم» أَن يُمرِّنَ جفنيه على طريقةِ النَّظر البعيد للقباطنة. هكذا وضع برنيطةَ وَرَقٍ مقوّى على رأسه، رَبَط أطراف القميص عند مستوى السُّرَّة ثُمَّ رَحَل في النهاية مع هوبر يوستاك، تَارِكَيْن «ميناندرا» ممسكةً بقاعدة درابزين الرصيف كما لو أنّها هي التي كانت تمضي ممتطية صِقَالات بخار أَرْضيٍّ وهي ترى ابنها يَرْحل. أَسْرَعَتْ إلى نفض الغبار عن مخزون ذاكرتها البعيد. تذكّرت وليدها وهو يلعب بمراكب ورقية في البرك السوداء في شارع «طرافابال» خلال المهرجانات المطريّة صحبة رفيقه شِيُو مورون «Cheo Moron» لَمَحَتْه أيضاً وهو صغير جداً يلعب لعبة الأبواق متسلقاً الكراسي أو سارحاً بين طاولات المتجر، بعد ذلك تذكرته مُسْتنداً إلى درابزينات الرصيف، كما لو كَانَ يحلم بجهات بعيدة. فكَرتْ أنّ تلك كانت إحدى نزوات المراهقة التي اسْتَهْوَته. أخيراً تخَيَّلَتْ حقيقة كون الزمن غالباً ما يجيء مبقّعاً بالأسفار فوق جُثَث الهالكين، مثل طلاء بألف شَكْل وَلَوْن. حينئذٍ ظَلَّتْ متشبّثةً بالدرابزينات مستشعرةً في العينين رفرفة البرنيطة التي كان القبطان هوبر يوستاك يُديرها على رأسه من أعماق المحيط، بينما يَدُه الأخرى على كتف جينوبيبو الذي لم يَكُن يُحرِّك أيَّ قُبَّعة مِنْ أيِّ شَكْل، لكنْ بيَدَيْن مرفوعتين إلى أَعْلَى مع نظرة تستبْصر ما لا تراه. وَلَمَّا لم تعُد السفينة تظهر للعين، أَحَسَّت ميناندرا بأن مشاعرها صارت تكتسي مرارةً لا تُقاوَم لأنَّها كانت تَعْلَم تماما أَنَّ البَحْر يُجوّف قُلُوب الرجال ويُحَجِّر أرواحهم مع كل إبحار بعيد، إلى غير رجعة.
وما إن غاب جينوبيبو مرة واحدة، متابِعاً طرق البحر المتجعدة محشوراً في ذلك الصندوق الخشبي الذي يقوده القبطان هوبر حتى حسمت الموقف قائلة:
لقد مضى لينجب مثله تماما أبناء من البحر، معا وُلدا من بحّار مجهول.
ثم عادت تزاول مهامها وهي تمسح دمعتها الأخيرة.

سيرة قصيرة
فرناندو كروث كرونفلي (Fernando Cruz Kronfly) ولد في بوغوتا عام 1943، تخرّج محامياً بعد دراسته القانون في جامعة كولومبيا الكبرى.
من أبرز أعماله القصصية: «المدائح والمكائد» «مؤلّف الحلْم» «رَمَاد المحرّر» «طقس العزلة».

اقرأ أيضا

اليوم.. آخر محطات المرحلة الثانية من «أمير الشعراء»