صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

غواية العنف الثوري

الإرهاب ليس له جنسية (امرأة من الجنسية الآسيوية)

الإرهاب ليس له جنسية (امرأة من الجنسية الآسيوية)

في تقرير صادر باللغة الإيطالية بعنوان «النساء والكفاح المسلح» (2017)، ربط بشكل صريح بين النسوية والإرهاب «Femminismo e terrorismo»، تتبّع فيه معدّوه الخلفيةَ الاجتماعيةَ الثقافية للمنضويات في التنظيمات العنيفة، ليخلص التقرير إلى أن المرأة تلاحق التساوي بالرجل عبر شتى السبل، ولا تتوانى في محاكاة مساوئه وإتيان خطاياه، ذلك ما يلوح بيّناً حين نتملى انجراف بعض النساء نحو اقتراف الأعمال الإرهابية. فقد تطورت ظاهرة العنف النسوي في العقود الأخيرة، ليس في الشرق وحده، كما تلحّ وسائل الإعلام، بل في الغرب أيضا، وربما كانت الأوساط الغربية المسرح الحافل بانجرار المرأة للعنف. ويبدو انخراطها في هذه الدوامة، أيا كان شكلها وأيا كانت مبرراتها، منافيا لطبيعتها الأمومية الخلاقة، ولكن التحول الذي دبّ في سلوكيات المرأة حتى طبعها بالبأس والقسوة، جعل منها تتطلع بشكل مهووس للتساوي مع الذّكَر حتى في آثامه، ولا تدّخر جهدا في اقتراف أعمال عدوانية لأجل بلوغ أهداف منشودة.

استند التقرير بالقول بتقليد العنف الذكوري إلى انتفاء تشكّل جماعات أو كتائب أو عصابات، تتبنى العنف الثوري أو الترهيب المتطرف، تقلّدت فيها المرأة زمام القيادة؛ بل في جلّ الحالات المرصودة كانت المرأة تابعة أو مقلِّدة أو مغرَّر بها. فالعنف الثوري في هذا السياق عادة ما كان من صنع الرجل، لتلتحق به المرأة في مرحلة تالية تقليداً أو تغريراً بها. لكن المرأة الغربية التي تلاحق الرجل في كل شيء، تبدو أسيرة وهْم نفسي حافزه الاستحواذ على كل ما يأتيه الرجل تحقيقاً لذاتها، فتنجرف في ذلك التهويم إلى العنف ضمن انجذاب قاهر.
والملاحظ في ما هو حاصل من عنف إرهابي، على ما يرصد التقرير المذكور، وجود غوايتين لاقتراف العنف النسوي:
غواية معنوية، حيث تأتي المرأة أعمال العنف بدافع عقيدة دينية أو إيديولوجيا سياسية، تتماهى معها حتى ترى فيها ومن خلالها حياتها ووجودها، فيكون الدفاع الشرس عن تلك العقيدة أمراً مصيرياً وحيويا، إيمانا بأن في تواري ذلك المعتقد الذاتي واندثاره كارثة ينبغي صدّها.
غواية مصلحية، حيث تقترف المرأة العنف بدافع غنائمي مصلحي، وهو عنف يصل حدّ إزهاق النفس عبر المغامرة والمقامرة بالذات وإلحاق الضرر بالخصوم. في هذا المسلك، عادة ما تشكّل المرأة عنصراً من عناصر شبكة ذات طابع مافيوزي تعمل بشكل متناسق ومتلاحم لتحقيق مآرب آنية.

إيطاليا والعنف النسوي
في التاريخ الإيطالي المعاصر تفشّت ظاهرة العنف النسوي على النحو المشار إليه سلفا، مع جماعات سياسية، يمينية ويسارية، عرفت بنعت «الإيريديشيبيلي» أو (اللواتي لا تنثنين). مثَّل انخراط اليسارية مارا كاغول في تنظيم الألوية الحمراء، وتولّيها مهام قيادية في صنع الرعب وتنفيذه عنواناً بارزاً في هذا المسار. كذلك انخراط فرانشيسكا مامبرو (المتهمة بتدبير تفجير محطة القطارات بمدينة بولونيا في الثاني من أغسطس 1980) ضمن التنظيم اليميني المتطرف «النواتاة الثورية المسلحة» (Nuclei Armati Rivoluzionari)، دليل على أن الانسياق للعنف هو قاسم مشترك بين الحركات المتطرفة. لكن الملاحظ أن نزوع المرأة إلى العنف في الوسط الإيطالي غالباً ما كان بفعل أوضاع صراعية حادة، بلغ فيها العمل السياسي إلى أفق مسدود. والجلي في إصرار العنصر النسوي على تبنّي التغيير العنيف، أنه يأتي نتاجا لبلوغ المرأة إلى نوع من القناعة تماثل قناعة نيرون القاهرة بحرق روما، بقصد بلوغ الهدف المنشود مهما كلّف من تضحيات وخسائر. حيث تنشد المرأة تغيير بنى اجتماعية سائدة وثابتة في ظرف تاريخي وجيز، تنتهي فيها إلى الاصطدام بالاستحالة، فترتدّ نحو شكل عدواني ضد ذاتها وضد المجتمع. بالفعل ذلك ما عاشته إيطاليا مع تنظيمات «الألوية الحمراء» و«الصفّ الأول» و«النواتاة الثورية المسلحة»، فقد كان انخراط نساء في تلك التنظيمات مطارَدة لوهْم جارف، تطلعت فيه المتحمّسات إلى تشييد المجتمع الطوباوي هنا وفي الحين. في الواقع يستحوذ على الذات الحالمة ما يشبه الحماس الصوفي، ينزع عن المرء قدرات التعقل والنظر للأمور برصانة وتدبّر، ولا تراعي فيه المرأة قدراتها وإمكاناتها الفعلية، فتثور على دور الأمومة «السلبي» وتبحث عن دور نضالي بديل، لتعانق أفقا من التهويمات يجرّها إلى قعر الردى.

قوة اللاعنف
ربما من عناصر القوة الفاعلة التي بحوزة المرأة، ولا يضاهيها فيها الرجل، ولا يقدر أن يتفوق فيها عليها وهي قوة اللاعنف، حيث بوسعها أن تحقق أهدافها وأن تبلغ مناها بتوظيفها هذه القوة الناعمة. لكن يبقى للتعكرات النفسية دور كبير في طمس هذه القوة والاستعاضة عنها بقوة جارحة. إذ تنجرّ المرأة إلى العنف الجارح حين تعاني ذروة في الكبت الجنسي المبكر، لينفجر عدوانية قاتلة في فترة الشباب، وبتراجع القوة الجنسية للمرأة يتراجع جموحها للعنف. الأمر الذي دفع بالعديد من علماء النفس إلى اعتبار الإشباع الجنسي عاملا من عوامل التطهير للأنا، والتنفيس للكبت، والتخلص من تلك التوترات القهرية. ضمن هذا الإطار يلوح العنف الأنثوي نتاج حالات انقباض طفلية وشبابية لدى المرأة.
ضمن ما يلاحَظ في العمل الثوري النسوي عامة، أن مهمة المرأة عادة ما تنحصر في ضرب أهداف اقتصادية أو قطاعات حساسة أو تولي مهام لوجيستية، في حين يتولى الذكور مهام شبه عسكرية محورية. لكن مع تنفيذ عمليات كاميكاز من قِبل نساء في بعض الحركات الثورية جرى التحول بالدور النسوي إلى أعلى مستوياته، كما تفسر مِيَا بلوم أستاذة علم الإجرام في جامعة جورجيا الأميركية. وعادة ما تتصرف المرأة في هذه الحالة بدافع ثأري من الخصم السياسي جراء قتل رفيق أو زوج أو إلحاق ضرر بالأبناء أو الإخوة. وتبينُ خبيرة أخرى بعلم الجريمة، ميراندا أليزون من جامعة وارنيك، أن نمور التاميل كانوا هم من طوروا إعطاء المرأة ذلك الدور المتقدم في ممارسة العنف الثوري. فقد كان الجناح النسوي في النمور السود هو من تولى اغتيال الوزير الأول الهندي راجيف غاندي في الواحد والعشرين من مايو 1991.

ماهية العنف
يبرز عالم الاجتماع الإيطالي إنزو باتشي أن اقتراف العنف في التنظيمات الإرهابية يشكل عنصرا حيويا لبقاء الجماعة ورص اللحمة بين أفرادها، فعادة ما تستمد التنظيمات العنيفة وجودها من بثّ الرعب وفي غيابه يتراجع تماسكها. لذلك شكّل اللجوء للعنف في بعض التشكيلات الاجتماعية الدينية الوجهَ البارز في تماسك بنية التنظيم. وغالبا ما يتمّ التعبير عن العنف بعدة أشكال، يمكن حصرها في شكلين محدّدين: إزهاق أرواح الآخرين وتضحية بالذات، أي القضاء المبرم على من لا ينتمي للتنظيم الديني أو كذلك إماتة من ينتمي للتنظيم. ففي الحالة الأولى نحن أمام مختلف أنواع الأصوليات العنيفة، التي تقترف العنف لفرض مبدأ ديني بالقوة، تقدّر أنه مهدّد من عدوّ خارجي؛ وفي الحالة الثانية ندنو من حالة التحمّس للاستشهاد الفردي والجماعي، وهو بمثابة شكل لاختبار عمق الإيمان والانتماء.
وفي كلتا الحالتين يرتهن الالتجاء للعنف، ليس فقط لحوافز إيديولوجية، متولّدة عن رؤية لاهوتية أو دينية مميزة للعالم، بل أيضا لقاعدة تنظيمية بسيطة، ذلك أن قتل الذات أو تصفية الآخرين، له وظيفة تمتين اللّحمة الداخلية لجماعة الانتماء. وليس اقتراف العنف نحو الآخرين أو نحو الذات عملاً عفوياً، بل يتطلّب انقلاباً عميقاً ومكثّفا، ينضُجُ في أعقابه الاختيار الطوعي للقيام بعملية القتل، وهو ما يعني تخطّي عتبة سيكولوجية، واجتياز حدّ أقصى، يمكن أن يكون مبرَّراً في عيني المؤمن، باعتباره الاختبار الأسمى لصدق الإيمان، أو لليقين بإجحاف «العالم» في حق إيمان المؤمن، وهو ما لا يقبل به.
أمام هذا الاختيار ينغمس المؤمن بالعنف، فردا كان أم جماعة، في عالم رمزي، تعرّف فيه الحدود بين الحياة والممات، بين الفرد والعالم، بين ما هو صواب وما هو ضلال، على أساس معيار الانتماء غير القابل للتشكيك. فحين يصرّ تشكيل عنيف أنّه على سواء السبيل وأن دربه درب الخلاص، وهو الممسك بناصية الحقيقة المطلقة مقابل عالم خارجي يُعدّ بمثابة مملكة الشرّ، والتهديد الخطير للطهر والحقّ، فإن احتمالات تفجّر بذور العنف وتطوره تصير عالية. فيغدو العنف بذلك الشكل مَعيناً جماعيا، ومؤونةً في خدمة وحدة المجموعة، ووسيلةً للتحريك الداخلي للتنظيم قبل أن يكون تعبيرا عن روح عدوانية تجاه الخارج.
توضيحا لهذه العناصر المتداخلة، يُبيّن الأنثروبولوجي الفرنسي رينيه جيرار في كتابه: «المقدّس والعنف»، أن الأضحية محوريةٌ في المخيال البشري، فبواسطتها تنقل الجماعات العنفَ المختزَن بالداخل، بين أفراد الفئة المختارة، إلى مجال المقدّس وتفرغه على قربان أضحية. وآلة العنف لدى المرأة تتغذى من رغبة المحاكاة: ولعُ تقليد النظير والرفيق، سيما لما تتطلّع إلى أن تكون نظيره أو تفُوقه. فمن خلال إعادة قراءة فرويد، يخلص جيرار إلى أن الكائن البشري بوصفه حيوانا مقلّدا بامتياز، كما سبق وأن قال أرسطو، فإن التنافس في كافة درجاته هو مستبطَن بسريرة الإنسان. وعلى ذلك النحو يضحى العنف رائجا. فإذا ما رغب شخصان في الشيء ذاته، من المرجَّح أن يتفجّر صراع بينهما؛ وفي حال عدم اقتصار العملية على أنفار وامتدّت إلى جماعات أوسع، فمن المرجَّح أن يقع التوجه بالعنف الذي لا يتيسر تفريغه في خصمٍ يشاركه الرغبة ذاتها، إلى طرف ثالث، كبش فداء إنه العدو والنقيض ضمن عملية التصعيد النفسي.
لقد كانت استراتيجية ضمّ النساء إلى التنظيمات العنيفة مدفوعة في غالب الأحيان بعوامل نفسية مركبة، تهدف أساسا إلى خلق بروباغندا دعائية خدمةً للتنظيم لا إلى بلوغ هدف حقيقي وإلحاق ضرر بالخصم فحسب. لذلك تعمل العديد من التنظيمات على ترويج صور نساء يمتشقن السلاح، يتمتّعنَ بقدر من الوسامة والصلابة، في مشاهد استعراضية تشبه المشاهد السينمائية أحيانا. وهي بروباغندا مقصودة تهدف في الآن إلى الإغراء والإغواء، بقصد كسب أنصار جدد للقضية ولإعطاء صورة عن مظلومية الحركة التي بلغت عدالة قضيتها أن تبنّتها النساء. بالنهاية يبدو العنف النسوي هدرا وإتلافا لرأسمال اللاعنف الذي بحوزة المرأة، إذ كلما تآكلت تلك الثروة إلا ودخلت المرأة في حالة من اللاتوازن المريع الذي يتطلب علاجاً بنيوياً مركّباً.

عنف حيوي
يبرز عالم الاجتماع الإيطالي إنزو باتشي، أن اقتراف العنف في التنظيمات الإرهابية يشكل عنصراً حيوياً لبقاء الجماعة ورص اللحمة بين أفرادها، فعادة ما تستمد التنظيمات العنيفة وجودها من بثّ الرعب وفي غيابه يتراجع تماسكها. لذلك شكّل اللجوء للعنف في بعض التشكيلات الاجتماعية الدينية الوجهَ البارز في تماسك بنية التنظيم. وغالبا ما يتمّ التعبير عن العنف بعدة أشكال، يمكن حصرها في شكلين محدّدين: إزهاق أرواح الآخرين وتضحية بالذات، أي القضاء المبرم على من لا ينتمي للتنظيم الديني، أو كذلك إماتة من ينتمي للتنظيم.