صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

انتظروا بدائل داعش

يمثل كتاب «النساء والإرهاب» للباحثة الاجتماعية التونسية د. آمال قرامي قفزة نوعيّة في مجال الكتابة حول ظاهرة الإرهاب النسوي وتوسّعه، خصوصاً وأنه الأول من نوعه على مستوى قراءة هذه الظاهرة الشاذة من منظور جندري (النوع الاجتماعي)، يتولى النبش في طبيعة اللواتي التحقن بالمنظمات الإرهابية والدواعي التي حفزتهن على الانخراط المباشر في هذا العالم الأسود وممارسة أبشع أساليب الإجرام فيه، حتى بالمقارنة مع ممارسات الرجال الأكثر تطرفاً وإجراماً في الدائرة البغيضة نفسها.
وما شجّع أستاذة علم الاجتماع في جامعة منوبة في تونس على تأليف الكتاب المذكور، هو تزايد أعداد المنتسبات إلى «داعش» من طرف نساء مغاربيّات بشكل عام وتونسيات منهنّ بشكل خاص. أما أسباب ذلك فتعود، بحسب الباحثة قرامي، إلى أن «جهاز المناعة» لم يعد فعّالاً في البيئة الاجتماعية التونسية، فلا التنشئة الأسرية قادرة على حماية الأبناء، ولا مختلف المؤسّسات الثقافية والإعلامية وغيرها بإمكانها أن توفّر الزاد المعرفي في مواجهة التحديات، فضلاً عن انحدار مستوى التعليم وصعوبة إحداث إصلاحات جوهرية، وانهيار الطبقة الوسطى التونسية التي كان يُعوّل عليها في ترجمة أي حراك سياسي ومجتمعي مفصلي، وكذلك في تغيير البنى الذهنية للأفراد والجماعات وبلورة التطور الفعلي لا الشكلي في البلاد.
هنا حوار مع د. آمال قرامي حول «النساء والإرهاب» وشؤون أخرى مرتبطة بهذا الموضوع المعقد والشائك، ليس على المستوى العربي والإسلامي فقط وإنما على مستوى دولي، فالإرهاب بات ظاهرة معولمة اليوم وخطره يطال الجميع دونما استثناء.

* د. آمال قرامي.. ماذا يعني لديك تأليف كتاب حول علاقة النساء بالإرهاب؟ أي درس يمكننا استنتاجه من مؤلف كهذا؟

** ما المطلوب من المثقفين في السياق التاريخي الراهن وفي هذه اللحظات التاريخية المفصلية التي تمر بها مختلف الشعوب العربية؟ هل يمكن للمثقف أن يبقى في وضع المشاهد والمتأمل مكتفياً بإبداء الرأي في التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية؟ ألا يتمثّل دور المثقف في الإسهام، من موقعه الخاص، في تحليل الظواهر وابتكار الحلول والمشاركة في بناء سياسة جديدة «للحقيقة» ؟
انطلاقاً من هذه الأسئلة ومن موقعي الأكاديمي، ومما تراكم لديّ من خبرات خلال السنوات الأخيرة، بحكم انتمائي إلى جمعيات ومنظمات عالمية تهتم بمكافحة التطرّف العنيف أو بالوقاية من خطر الإرهاب أو ببناء السلام، قرّرت تغيير سلّم الأولويات. فلم يعد اهتمامي المركزي منصبّاً على المشاركة في مختلف أنشطة مكونات المجتمع المدني (تقديم محاضرات وتدريبات واستشارات...) بل أضحت الكتابة أمراً ضرورياً. وليست الكتابة عن الإرهاب، في نظري، إلاّ شكلاً من أشكال انخراط المثقف في النضال الواقعي. ثمّ إنّ صياغة مشروع حول علاقة النساء بالإرهاب، تجد لها مبرراً في انفتاح المؤسّسات الجامعية على المحيط، ومن ثمّ يندرج مشروعي في إطار ربط الصلة بين العمل الأكاديمي والمجتمع. لقد أصبح من المهمّ الانفتاح على قضايا العصر، وتغيير عدسة النظر إلى الواقع المتحرك والمعقد وكسر الحواجز بين مختلف الاختصاصات. وقد أتاحت لي فرصة الاشتغال على هذه المشروع الذي بدأته منذ انطلاق العمليات الإرهابية في تونس تنمية زادي المعرفي. كما أنّ هذا المشروع البحثي مكنّني من اختبار مجموعة من الفرضيات والمقاربات والمناهج، ومن تقييم مجموعة من الدراسات الغربيّة والعربيّة التي تناولت ظاهرة التطرف العنيف.
أمّا عن أهمّ درس نخرج به من خلال التمحيص في هذا المؤلف، فيتمثل من وجهة نظري الخاصة، في أنّ تناول موضوع التطرف العنيف يجب أن يتجاوز الوصف الانطباعي أو السطحي إلى الدراسة العلمية المعتمدة على المناهج الحديثة، فنحن في أمسّ الحاجة إلى دراسات معمّقة، ولاسيما أننا سنواجه في المقبل من الأيام انبثاق حركات متولّدة عن «داعش» تدّعي أنّها تمثّل البديل الشرعي. ويكمن الدرس الثاني في أنّ تناول موضوع الإرهاب لا يمكن أن يكون من زاوية التحليل فقط، بل يجب علينا أن ننتقل من مرحلة إرادة الفهم إلى مرحلة التدبير وصياغة السياسات: ماذا علينا أن نفعل حتى نحصّن أبناءنا من خطر التطرّف العنيف؟ ولذلك كانت صياغتي لخاتمة الكتاب مندرجة ضمن هذا البراديغم مشيرة إلى التجارب العالمية الناجحة في ما يتصل بمكافحة التطرف العنيف وبناء السلام، وذلك لأنني أعتبر أنه آن الأوان للكتابة حول سبل التصدّي للظاهرة. ولعلّ مشروعي المقبل هو محاولة للتفكّر في أشكال المقاومة والصمود، حتى نحدّ من خطر تزييف الوعي واستلاب العقول وجرّها إلى فضاء «الاحتفاء بالعنف».

بدائل داعش
* ماذا تقصدين بالحركات المتولّدة عن «داعش» هنا، وهل تعتقدين أن «البديل الشرعي» لداعش وارد قيامه أصلاً؟ وما هي أبرز مقترحاتك العملية لصدّ هذه الظاهرة التي هي إيديولوجية في المقام الأول والأخير.. وتعرفين مدى استعصاء الأيديولوجيا هنا، بخاصة إذا ما تنكّبت الدين ذريعة تحريضية لخطابها؟

** عندما ضُيّق الخناق على تنظيم القاعدة، هلل أغلبهم معتقدين أن القضاء على «الجماعات الجهادية» قد صار أمراً لا مرية فيه، ولكن سرعان ما ظهرت جماعات هنا وهناك تدعي استئناف مشروع القاعدة أو تصحيح مساره، وقد كانت، في البدء، مشتتة ومفتقرة للتنظيم المحكم والتنسيق والموارد، ولكن شيئاً فشيئاً «تمكّنت» هذه الجماعات وصارت نشطة وقادرة على استقطاب عناصر جديدة.. وهكذا تواصلت العمليات الإرهابية في الأعوام 2005-2007-2011. وبناء على ذلك، لا يمكن الزعم بكل وثوقية أنّه تمّ القضاء على الإرهاب. وأعتقد أنها مرحلة «خفوت» وعزلة تركن فيها الجماعات إلى تنظيم صفوفها للعمل وفق صور أخرى وتصورات مختلفة (الخلايا النائمة والذئاب المنفردة). ولكن من المرجّح أننا سنشهد موجة جديدة من الإرهاب، وقد بدأت إرهاصاتها تظهر في مناطق أخرى من العالم وفق مسمّيات مختلفة. ففي مصر برزت جماعة «أنصار الإسلام» وجماعة «جند الإسلام» في محاولة إحيائيّة للقاعدة. وفي البلدان الآسيوية، هناك تجنيد كبير للشبان وتكثيف من العمليات الإرهابية النوعية وظهور لجماعات متطرفة جديدة. صحيح أنّ «داعش» فقدت سيطرتها على الأراضي، ولكنها لم تفقد سيطرتها على العقول، ففكرة إقامة «دولة الخلافة»، لا تزال تستهوي الكثيرين، خصوصاً أن الجماعة تقدم نفسها على أساس أنها حركة ثورية. وهذا يتطلّب من الدول كافة، التفكير في وضع استراتيجيات استباقية وشاملة تهتم بإحداث إصلاحات جوهرية في مستوى التربية الأسرية والتعليم والثقافة والإعلام وغيرها من المجالات. والواقع أنّ اعتبار الأيديولوجيا الدينية أو غيرها، السبب الرئيس وراء الانتماء إلى الجماعات المتشدّدة، لا يجانب الصواب، باعتبار أن الدراسات أثبتت وجود عوامل متعددة لا تمت بصلة إلى الأيديولوجيا كالتفكك الأسري والهشاشة النفسية والبحث عن المعنى، وغيرها.
أمّا رؤيتي لاستراتيجيات الوقاية من خطر التطرف العنيف، فإنها تنطلق من إعادة النظر في مفهوم الأمن ليغدو التفكير في الأمن الإنساني في بعده الواسع والشمولي، إذ لا معنى لأمن الدول الغنية والكبرى في ظل فقدان الأمن الغذائي والأمن الصحي و...؟. إنّ المقاربة الجندرية تسمح لنا برصد بنية مختلف العلاقات المبنية على السلطة والنظر إلى العلاقة بين المهيمِن والمهيمَن عليه، فعن أي أمن نتحدث هنا مثلاً والغرب لا يفكر إلا في أمنه الخاص فحسب؟! وعن أي أمن نتحدث والنساء مقصيّات من اللجان الاستراتيجية التي تقرر وضع السياسات الأمنية؟! وعن أي أمن نتحدث والأمن الاجتماعي غير متوافر نتيجة استمرار الممارسات التمييزية والإقصائية؟!.

دوافع
* كثيرة هي التفسيرات والتحليلات التي قرأناها (ونقرأها كل يوم تقريباً) حول دوافع انخراط النساء في صفوف الجماعات الإرهابية، وجميعها بالطبع يستند إلى عوامل اقتصادية ودينية وتربوية وثقافية، فضلاً عن مسألة السن والطبقة والتنشئة الاجتماعية وأنماط العيش والبيئة المحيطة... إلخ. لا بأس ما الذي لفتك انت أكثر من غيره في العوامل الدافعة لانخراط النساء العربيات (ونساء بلاد المغرب العربي منهنّ على وجه الخصوص) في هذه المتاهات السود؟

** تتشابك أسباب الانضمام إلى الجماعات المتشدّدة، ومن ثمّ لا يمكن أن نغلّب عاملاً على آخر أو أن نكتفي بالتطرّق إلى سبب من دون سواه، ولذلك أنا ألحّ على ضرورة النظر إلى المسار الذي تقطعه المرأة/‏‏‏‏ الرجل حتى تتحوّل إلى إرهابية. إنّ هذه الأجيال تعيش في الغالب في عزلة وتبحث عن معنى لحياتها وتعوزها الفرص والإمكانيات حتى تحصّل زاداً معرفيّاً كبيراً وتنفتح على ثقافات متنوّعة وتجارب متعدّدة وتختبر فرضيات يطرحها الواقع. وبالإضافة إلى ما يترتب عن الصراع بين الأجيال من انعكاسات، وغياب التواصل داخل الأسرة وفي المؤسسات التعليمية، نجد عوامل أخرى كالعنف الأسري ومناهضة حقوق النساء واستشراء ممارسات تمييزية، على الرغم من وجود سياسات تزعم أنّها تعمل على الارتقاء بوضع النساء. ويمكن القول إنّ التمييز ضد النساء والعنف المسلّط عليهن والفجوة بين النصوص التشريعية والواقع المعيش وغيرها من الممارسات، تشكّل سمة بارزة في مسار التحاق فئة من الفتيات والنساء بالجماعات المتشدّدة.

ارتباك الهوية
* تؤكّدين في كتابك «النساء والإرهاب» على رفض طريقة معالجة ظاهرة العنف والإرهاب من قبل أغلب الباحثين العرب، وخصوصاً لجهة اعتبار العنف ممارسة ذكورية، وهو في نظرهم يمثل القاعدة. أما عنف النساء، فهو الهامش والاستثناء والشاذ، ولذلك نراهم يتجاهلون البعد الجندري في بحوثهم... لا بأس ما هو هذا البعد الجندري الذي يتجاهلونه وتؤكدين أنت عليه؟

** البعد الجندري يأخذ في الحسبان عمليات البناء التي يخضع لها الفرد في مجتمعه، حتى يصبح رجلاً أو امرأة، وهي عمليات تسهم في تشكيل هويته، فالاختلاف المؤدي إلى التمييز ليس اختلافاً بيولوجياً بقدر ما هو اختلاف اجتماعي وثقافي صيغ بطرق متنوعة تختلف من مجتمع إلى آخر ومن حقبة تاريخية إلى أخرى. وعلى هذا الأساس وجب تجاوز الأحكام المسبقة وإعادة النظر في التمثلات الاجتماعية والمنمّطات والمعايير. فالضعف ليس صفة متأصلة في جميع النساء في مقابل تفشّيها لدى الرجال، وكذا الأمر بالنسبة إلى العدوانية واللين والشجاعة والقوة وغيرها من الصفات التي توزعها الثقافة وفق بناء ثنائي متضاد: ضعف/‏‏‏‏ قوة، شجاعة/‏‏‏‏ جبن، عقل/‏‏‏‏ عاطفة. وإذا ما تجاوزنا هذا الفهم التقليدي، أمكن لنا النظر إلى أفراد المجتمع بطريقة مختلفة. فيمكن أن تكون المرأة المنتمية إلى الجماعات المتطرفة أشد تصميماً على إلحاق الأذى بالآخرين من الرجل، بل يمكن أن تقدم على إنجاز عمليات إرهابية بمفردها تخطيطاً واستعداداً ودربة وتنفيذاً، ومعنى هذا أنّ المشرفين على وضع سياسات التصدّي لمكافحة التطرف العنيف ينبغي أن يغيّروا نظرتهم إلى المرأة، وأن يتخلّصوا مما علق بأذهانهم من تصوّرات حول الأنوثة. كما أنّه يتعيّن عليهم تغيير طريقة تعاملهم مع النساء على أساس أنّهن كائنات ضعيفة ومسلوبة الإرادة وهنّ ضحايا. وإنّما وجب الإقرار بالتغييرات الطارئة اليوم على الهويات الأنثوية والذكورية، وإلى الإرباك الحاصل في نظام القيم والصفات المشكّلة للهويات.

* عن أي نوع من النسوة تتحدثين هنا؟ وكيف يمكن لهنّ أن يكنّ أكثر رعباً وإرعاباً من الآخرين، سواء أكانوا رجالاً أم نساء على السواء؟

** تثبت الدراسات الإجرامية أنّ بإمكان فئة من النساء العدوانيات أن يكنّ أكثر تشدداً ورغبة في الانتقام وممارسة الإجرام من الرجال المجرمين، وهو ما لمسناه في نساء انتمين إلى التنظيمات النازية أو الفاشية أو التاميل الحمر أو المافيا وغيرها. وقد ورد في شهادات الناجيات من الأيزيديات وغيرهن، أنّ فئة من نساء «داعش» كنّ يمارسن أشكالاً مستفظعة من العنف على النساء. وقد يكون وراء هذا السلوك اضطرابات نفسية أو اندفاعاً وراء حلم التماهي مع الرجال أو الرغبة في الانتقام أو البحث عن التموقع ونيل الامتيازات.. إلى غير ذلك. والواقع أن عيش النساء في مناخ حربي يسود فيه العنف قد يجعل بعضهن مجردات من الإنسانية وغير مكترثات بما يترتب عن النزعات الدموية من نتائج وخيمة.

* ألا ترين أن ثمة رمزية كبيرة تمثلها ظاهرة النساء الإرهابيات، والانتحاريات منهن خصوصاً، إن بالنسبة إلى المشغّلين أنفسهم أو بالنسبة إلى الرأي العام نفسه؟

** ينبغي التمييز بين مشاركة الفتيات والنساء في المقاومة من موقع الدفاع عن الوطن والقضايا العادلة وانخراط النساء في العمل الإرهابي المبني على أيديولوجيا تزعم أنها تمتلك الحقيقة وتنطق نيابة عن الله، فلا تتوانى عن إلحاق الأذى بالأبرياء مبرّرة فعلها الإجرامي بنصوص دينية خضعت لتأويل حرفي. صحيح أن النساء اللواتي وهبن حياتهن في سبيل القضايا العادلة قد تحوّلن في المتخيّل الجمعي إلى شهيدات وبطلات ورموز وطنية بعدما واجهن العدو المغتصب لحق الحياة بكرامة، حتى بتنّ قدوة وأنموذجاً يحاكى. ولكن هذا لا يعني أن أنموذج «الانتحاريات» قد وُظّف بالطريقة نفسها لدى الجماعات المتشددة التي تستهدف أمن جميع من يخالفونها الرأي والتصور والحلم. ومما لا شك فيه أنّ أتباع التنظيمات المتطرفة يتعاطفون مع النساء الانتحاريات ويرفعون من شأنهن فيُتمثلن على أساس أنّهن شهيدات ويتم توظيفهن في إطار الدعاية لاستقطاب الأخريات وفي عمليات التفاوض. بيد أنّ هذا الأمر يبقى داخل التنظيمات، إذ أنّ الرأي العام لا يمكن أن يتعاطف مع الإرهابيات أو يتساهل معهن.

باحثات عن العدل
* ما هي قراءتك لظاهرة اندفاع النساء الغربيات، بخاصة الفرنسيات والبريطانيات والألمانيات والأميركيات، في صفوف داعش، علماً أن ظروف حياتهن ومناخاتهن تختلف عن ظروف حياة ومناخات نظيراتهن في العالمين العربي والإسلامي؟

** ينبغي التمييز بين الشبان والفتيات الذين اعتنقوا الإسلام بالوراثة وعاشوا تجارب التهميش والإقصاء والنتائج المترتبة عن الإسلاموفوبيا والجموع التي اعتنقت مؤخراً الإسلام وانبهرت بخطابات الاستقطاب، ذلك أنّ الدوافع تختلف من فئة إلى أخرى. والواقع أنّه كثيراً ما يذهب البعض إلى أنّ الشعور بالعزلة بسبب التفكك الأسري وفقدان التواصل بين أفراد العوائل، والإحساس بالغبن ومعاناة التمييز أو آثار العنف المبني على الجندر، هي حكر على البلدان العربية الإسلامية ودول الجنوب، في حين أنّ هذه المظاهر منتشرة في كل العالم. ولذلك فإنّ من بين أسباب انخراط النساء الغربيّات في الأنشطة الإرهابية، البحث عن الحماية أو الانتقال من وضع معقّد ومن حالة العزلة إلى وضع يعتقدن أنّه الأفضل بالنسبة إليهن. هذا بالإضافة إلى بحث المراهقات عن المغامرة أو الانتقام أو مناصرة «الضعفاء» أو الانجذاب نحو شبّان يزعمون أنّهم يمثلون القدوة وأنماط رجولية جديدة، لعلّ أبرزها «الرجولة المهيمنة». ولا شك عندنا أنّ أغلب المجتمعات الغربية قد توفر فرص حياة أفضل للشبان والفتيات، ولكنها تبقى مجتمعات ذات تناقضات كبرى ولا تستطيع أن تقدم إجابات مقنعة عن السياسات المتضاربة، وعن القرارات التي تستهدف استغلال الشعوب وانتهاك سيادة الدول. ومن هنا جاءت القطيعة واتخذ قرار رحيل إلى «بلد الخلافة»، حيث «العدل أساس العمران» وحيث الجماعة العضوية تحتضن الباحثين عن الملجأ.

* وما تعليقك على قول البعض أن الظاهرة تعكس حالة من حالات ما بعد الحداثة وفوضى المجتمعات التي فقدت كل يقين وكل ثقة في الهوية والمعنى والغائيّة والمرجعية والأسانيد المبدئية الفوقية، وأكدت وتؤكد على الفروق والانفصال والتشكّك في كل شيء؟

* ظاهرة التطرف العنيف معولمة، ولا تخص العالم العربي فحسب، وهي تحيل على وضع الهشاشة الذي ساد ولا يزال. وبالفعل هناك حالة من «غياب المعنى» بعد سقوط السرديات الكبرى وفشل الأيديولوجيات على اختلاف مضامينها، في تقديم حلول وإجابات مقنعة لأجيال تفتقر إلى أدوات توفر لها القدرة على التمييز والاختيار وتحمل المسؤوليات. إنّها هشاشة تجعل الفرد يقبل العبودية على اختبار الحياة بقضّها وقضيضها، يركن للحلول الوهمية ويفضلها على البحث الفردي والتنقيب. إنها حالة من الإعياء والتعب Fatigue والتسليم: تسليم الذات للآخر، حتى يفعل بها ما يشاء، ولاسيما أنّه يقدّم نفسه على أساس أنه يمتلك «الحقيقة» والحلول الناجعة وبإمكانه أن يوفر الطمأنينة والسكينة والسعادة.

* تنتقدين التحليلات الغربية لدواعي ظاهرة انخراط المرأة في الجماعات الإرهابية وترين أنها في معظمها مخالفة للواقع. ما الذي جعلك تميلين إلى مثل هذا الاستنتاج؟ وعلى المقلب الآخر، هل هو نقد ضمني من قبيل المثل العربي القائل: «ما حكّ جلدك مثل ظفرك»؟

** إن الاكتفاء بدراسة بعض الحالات والركون إلى بعض التحليلات، لا يعني تقديم القراءات الأفضل لواقع التطرف العنيف في البلدان العربية والإسلامية ولاسيما إذا كان أصحابه يصدرون عن موقف «الرجل الأبيض» أو «المرأة البيضاء››، وهما يفهمان أكثر من غيرهم، وهما يقدران على صوغ الحلول. فهذا التمركز على الذات يضلّل القراءات في كثير من الحالات. كما أنّه يكرس التبعية للغرب، ويجعل الباحثين العرب عوّالين على الدراسات الغربية غير قادرين على التفكير في واقعهم من موقع آخر يرى أنّ بإمكانه ابتكار مقاربات أخرى.

عجز النسوية
* ظاهرة النساء الإرهابيات، هل تعكس في رأيك بداية وجود تيار نسوي مضاد للنسوية التقليدية والنسوية الجديدة أو الحديثة في آن؟

** لعلّ وجهاً من وجوه الطرافة في كتابي «النساء والإرهاب›› يكمن في مساءلة الحركة النسوية في تونس وفي غيرها من البلدان العربية. فلِم تُعجب الفتيات بأمّ الدرداء وأمّ الغضنفر وأمّ القعقاع وغيرهن من القياديات في التنظيمات المتطرفة ولا يتخذن نظيرة زين الدين وهدى الشعراوي وسيزا النبراوي ونوال السعداوي وفاطمة المرنيسي وغادة السمان وسيمون دي بوفوار وجوليا كريستيفا وغيرهن.. وغيرهن نماذج - قدوة؟. هل وراء نفير الشباب والنسوان إلى «بلاد الشام» رغبة في استبدال نمط حياة أجبرهن على العمل وفرض الذات بنمط عيش أرسته مؤسسة الحريم يتحمل فيه الرجل عبء القوامة وتركن فيه المرأة إلى البيتوتة و«الراحة»، مؤدية طقوس الولاء والطاعة، ولمَ لم تحصن التشريعات الداعمة لحقوق النساء التونسيات وغيرهن من خطر الاستقطاب؟ ولمَ لم يعد الخطاب النسوي مؤثراً في الفتيات وذا نجاعة؟. إنّ هذه الأسئلة وغيرها من الأسئلة التي طرحتها في الكتاب، تثبت أهمية المراجعات في الفكر النسوي المعاصر، إذ آن الأوان لإعادة النظر في أداء الحركات النسوية، وفي الخطابات التي تنتجها وفي استراتيجياتها ومفاهيمها، باعتبار أنّ توفر الوعي الجندري لدى النساء والفتيات على وجه الخصوص، يساعد على وقايتهن من خطر الاستقطاب والاستغلال والتوظيف في النزاعات التي يحدّد الرجال أشكالها ومسارها وأهدافها.

* في كتابك نقرأ حوارات شخصية مباشرة مع نساء انخرطن مباشرة في العمل الإرهابي، أعدّتها من ساهمت معك في إعداد الكتاب: الصحافية التونسية منية العرفاوي.. ماذا أفدت من هذه المقابلات كباحثة ذات منهجية تروم تحليل الظاهرة واستخلاص نتائجها الاجتماعية، وهل المقاربة الجندرية هنا أضاءت على جوانب مهمة من مسألة الإرهاب بين ظهرانينا؟

** انطلقت منذ البدء في هذا المشروع الفردي، في الجمع بين النصوص المرجعية والشهادات وتعليقات الفتيات في وسائل التواصل الاجتماعي وكتابات بعض النساء التابعات للتنظيمات والمحاورة وجهاً لوجه مع بعض المتعاطفات مع الفكر المتطرف أو المؤمنات بضرورة تغيير الواقع بالقوة، ولم أكن أنوي اللجوء إلى طرف آخر لإجراء باقي المحاورات مع أمهات وشقيقات وزوجات الإرهابيين، لولا تعرّضي لاعتداء مادي بسبب مواقفي، ترتّب عنه خضوعي لرقابة أمنية استوجبت الحدّ من حركتي في مختلف الفضاءات، ولذلك طلبت من الصحفية منية العرفاوي أن تجري باقي الحوارات نيابة عني وتحت إشرافي. وقد أدّت هذه المهمة على أكمل وجه، وأثرت العمل بإبراز مواقف بعض الأمهات والزوجات. وحتى نكون أمناء لا بدّ أن نقرّ بأن الصحفية لم تحاور الإرهابيات، بل العائلات. وكانت غايتي من وراء تلك المحاورات الاطلاع على مواقف هذه الفئة من النساء التي هي في صلة متينة بمن تورط في الإرهاب، ولاسيما أن الكتاب لا يتعلق بدراسة علاقة الإرهابيات بالتنظيمات المتشددة فقط، بل وكذلك تحليل علاقة فئات أخرى من النساء بالتطرف العنيف، وهو موضوع انتبهت إلى أهميته بعد حضوري مؤتمراً في سريلانكا شاركت فيه أمهات الإرهابيين وأمهات الضحايا اللواتي قررن تأسيس جمعيات لمكافحة الظاهرة والعمل من أجل إحلال السلام. وبناء على ذلك قررت فتح المجال لأصوات أخرى حتى تعبّر عن تجارب الألم والفقد والمعاناة والوصم.. وهي تجارب غالباً ما يهملها الباحثون بدعوى الحذر من شرك «التعاطف» مع المرتبطين ببعض الإرهابيين. وليس في مقدوري أن أتغاضى عن هذه الخطابات الانفعالية نظراً إلى إيماني بضرورة منح الصوت للآخرين من جهة، وإقراري بأهمية تعدّد الأصوات، من جهة أخرى.

ضعف المناعة
* ما تفسيرك لارتفاع نسبة انضمام الفتيات والنساء إلى التنظيمات المتشدّدة في تونس مقارنة بغيرهن من نساء الوطن العربي، مع العلم أن الطبقة الوسطى والمتعلمة في تونس كانت تشكّل نسبة متقدمة على باقي النسب في المجتمعات العربية قبل مرحلة «الربيع العربي»؟

** يعدّ ارتفاع نسبة انضمام الفتيات والنساء إلى التنظيمات المتشدّدة في تونس مؤشراً على أنّ «جهاز المناعة» لم يعد فعّالاً، فلا التنشئة الأسرية قادرة على حماية الأبناء ولا مختلف المؤسّسات الثقافية والإعلامية وغيرها بإمكانها أن توفر الزاد المعرفي الذي يمكّن الفرد من مواجهة التحديات. كما أنّ شدّ رحال التونسيات إلى ليبيا أو سوريا يومئ في بعض من وجوهه، إلى أزمة المؤسّسة التربوية والتعليمية والتهميش الذي تعاني منه الإنسانيات في بلادنا، إذ ثمة انحدار في مستوى التعليم وصعوبة في مستوى إحداث الإصلاحات الجوهرية، فضلاً عن غياب رؤية مستقبلية تضع الفكر النقدي في مركز الاهتمام. يُضاف إلى ذلك كله استلاب البعض وقلّة وعيهن بحقوقهن وواجباتهن. ولا يمكن التغاضي عن الوضعية التي تعيشها الطبقة الوسطى التي كانت تحمل مشروع التحديث، فهي اليوم تواجه أزمات اقتصادية حادة، وهي مهدّدة بالسقوط، وهذا يعني أنه لم يعد بالإمكان التعويل عليها لإجراء الإصلاحات ولتغيير البنى الذهنيّة.

* عربياً وعالمياً، هل غيّرت التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الصورة النمطية عن ثنائية ذكورة – أنوثة في اتجاه خلط الأوراق وقلب الأدوار وإنتاج منظومة بشرية ثالثة يصعب تصنيفها حتى الآن، وتنتظر بالتالي من يحلل ظاهرتها؟

** هيمنت مسألة الهوية الدينية أو القومية على النقاشات التي انطلقت بعد الثورات أو الانتفاضات، وظهرت مقالات ومؤلفات كثيرة تبحث في قضايا تتصل بالهوية العربية الإسلامية، وقلما انتبه الباحثون إلى الهويّات الأخرى التي تتجاور مع الهوية الدينية والهوية القومية والهوية الثقافية، فقد كشفت التحولات التي يعيشها عدد من البلدان عن الحراك الهووي الجندري والجنسي على حد سواء. فالناظر في الأدوار التي اضطلعت بها النساء في بداية الانتفاضات وبعدها، وفي أدائهن وخطاباتهن وسلوكهن، ينتبه إلى الإرباك الذي حصل في مستوى التمثلات والأحكام المسبقة ونسق التنميط وفي تمثلنا للأنوثة والذكورة، فلم تعد الفتاة تهاب مواجهة البوليس، والجماعات المتعصبة، بل إنّها صارت تتحدّى وتتجرأ وتتحلّى بصفات كان ينظر إليها إلى عهد قريب على أنّها صفات ذكورية. وبالاستناد إلى الروايات التي وصلتنا عن داعش، يتبيّن لنا أن النساء صرن متحمّسات للعمل الإرهابي على نحو لافت.. تراهن يقطعن المسافات الطويلة والمسالك الوعرة دون خوف من أجل بلوغ هدفهن، ويضحين بمشاعر الأمومة في سبيل الالتحاق بالمتطرفين. وليس تشجيع بعضهن على سبي النساء وحمل الفتيات للسلاح ورؤوس الضحايا وحثهن الرجال على مزيد من إراقة الدماء، إلاّ علامات دالة على التغييرات الطارئة على مستوى الهوية الجندرية. وفي مقابل ذلك أبانت الفضاءات الجديدة الخاصة بحرية التعبير عن مؤشرات دالة على تغيير في مستوى الهوية الجنسية، فكم من فيديو نشر حول رجال متحمّسين لنمط رجولي مغاير للسائد والمعروف وهم ينبذون العنف ويحتفون بالرقة والليونة وغيرها من الصفات التي عادة ما تنسبها الثقافة للنساء. ولا ينبغي للباحثين أن يبقوا كليلي العيون، بل عليهم تفكيك هذا الحراك الهووي وتبين تجليّاته وأسبابه.
ويمكن القول إنّ الهوية الجندرية ليست ثابتة ولا نهائية ولا محددة، بل هي متغيّرة ومرنة وتتكيّف مع مختلف السياقات. ودور الباحث هو إبراز مختلف الأبعاد وتحليل أسباب تعدّد الهويات.

من عنف إلى عنف
العنف الأسري ومناهضة حقوق النساء والتمييز ضدهن والعنف المسلّط عليهن والفجوة بين النصوص التشريعية والواقع المعيش ممارسات تشكّل سمة بارزة في مسار التحاق فئة من الفتيات والنساء بالجماعات المتشدّدة.

استراتيجيات الوقاية
أمّا رؤيتي لاستراتيجيات الوقاية من خطر التطرف العنيف، فإنها تنطلق من إعادة النظر في مفهوم الأمن ليغدو التفكير في الأمن الإنساني في بعده الواسع والشمولي، إذ لا معنى لأمن الدول الغنية والكبرى في ظل فقدان الأمن الغذائي والأمن الصحي و...؟. إنّ المقاربة الجندرية تسمح لنا برصد بنية مختلف العلاقات المبنية على السلطة والنظر إلى العلاقة بين المهيّمِن والمهيّمَن عليه، فعن أي أمن نتحدث هنا مثلاً والغرب لا يفكر إلا في أمنه الخاص فحسب؟! وعن أي أمن نتحدث والنساء مقصيّات من اللجان الاستراتيجية التي تقرر وضع السياسات الأمنية؟! وعن أي أمن نتحدث والأمن الاجتماعي غير متوافر نتيجة استمرار الممارسات التمييزية والإقصائية؟!.