الوطن هو الأم، فلا يشبه الأوطان فيما تعطيه لأبنائها من الدفء والرحمة والحنان والفرح عندما يرتكبون الأخطاء في حقها، ويعودون إلى حضنها، لا يشبهها في هذه الصفات إلا الأم التي لا يفوقها في حنانها ورحمتها بصغارها وأطفالها أحد. أشعر بالألم كلما سمعت عن مواطن غُرر به فخَرج عن جادة الصواب، واتجه لدهاليز الظلام، وانضم لجماعة من هذه الجماعات، وبادلها الانتماء والولاء، ويزداد ألمي وحرقتي عندما أرى أن هذه الجماعات قد خَطفت خيار شبابنا وبناتنا، ومن بَذلت دولتُنا جهودَها في تربيتهم وتعليمهم، ليخدموا وطنهم، ثم نراهم قد وقعوا للأسف في شراك تلك الجماعات المفلسة من قيم المروءة والصدق، وقد اصطادتهم ولوثت أفهامهم ونظرتهم لدينهم ووطنهم. كم تألمنا واحترقت أفئدتنا، ودمعت أعيننا على رجال كان الأولى بهم أن يكونوا في صف الوطن وجنوداً في خدمته إلا أنهم اختاروا الطريق الخطأ. إلا أنه بقدر ذلك الألم على أولئك الذين ضاعوا منا بقدر ما نسعد كلما رأينا رجالاً أو شباباً يعودون لحضن الوطن، وينشقون عن تلك، القيود والأغلال، وينطلقون من تلك الأصفاد ويتراجعون عن تلك الأفكار السقيمة، والسموم المميتة، ليعتنقوا الوطن ويعودوا إلى حضنه، وما أدراكم ما حضن الوطن؟ إنه حضن يستوعب الجميع، ويفرح بالعائد الذي أجرم في حقه، ويستقبله بالفرح والسماحة، ويمنحه المنح والأعطيات، ويكفي الوطن فخراً وشهامة أنه لم يتخلَ يوماً عن أبنائه مهما اقترفوا في حقه. تلك المقدمات التي أبوح بها في هذه المقالة قد خالجتني، واستشعرتها عندما كنت أتابع اعترافات الأستاذ عيسى بن خليفة السويدي العضو السابق في التنظيم الإرهابي على قنوات أبوظبي للإعلام، وكم سعدت حقيقة برجوعه إلى الحق، بعد أن كان ضحية للفكر الظلامي والانتماءات التي أغوت شبابنا، فكان أداة في أيديهم لفترة ما، ولكن يأبى الله تعالى إلا أن يكون له دور بارز في مراجعة نفسه، وإعلان موقفه على الملأ، وإشارته لما تكنه التنظيمات الإرهابية لدولتنا من عداوة، وما تتلقاه من دعم رخيص، فأدى شيئاً من واجبه تجاه وطنه، وأدلى بشهادته. وأنا أتابع عودة الأستاذ عيسى السويدي تذكرت حكماً نبوية، قالها النبي صلى الله عليه وسلم، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا»، وقال صلى الله عليه وسلم: «كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون»، وقال عليه الصلاة والسلام: «التوبة تجب ما قبلها»، فعودته للوطن، وكذلك عودة من كان قبله كعبد الرحمن بن صبيح وغيرهم، نقطة تذكر لتشكر، وأن ما صدر منهم يعد زلة قدم، وهذا الظن في أبناء الوطن فمهما انحرفوا فمآلهم الرجوع إلى وطنهم، وفي المثل الشعبي نقول: «عيال الصقور ما تبور»، فنسأل الله لنا ولهم التوفيق والثبات. ولا يمكن لي الحديث عن هؤلاء العائدين وفرح الوطن بهم، واستبشارنا خيراً برشدهم، دون أن أشكر جهود قيادتنا الرشيدة الرحيمة بأبنائها، التي لا تدخر وسعاً في احتضان شبابها ورجالها المختطفين من قبل قوى الشر والظلام، ومناصحة من شط بهم السبيل عن طريق الحق والصواب، فقد بذلت القيادة الرشيدة حفظها الله الغالي والنفيس للحفاظ على أمن كل مواطن ومقيم على هذه الأرض، وحماية الإنسان فيها وتكريمه والارتقاء به؛ لئلا يكون لقمة سائغة يبتلعها ذوو الأجندات والجماعات المتطرفة. كما أن المقام يدعوني إلى أن أنوه بتلك الجهود العظيمة التي تقوم بها شركة أبوظبي للإعلام وتلفزيون أبوظبي في توجههم العام؛ لفضح مكر الجماعات المتطرفة وأساليبهم الخادعة، ولا سيما برنامج دهاليز الظلام، هذه السلسلة الوثائقية المهمة التي رفعت منسوب الوعي بالتنظيمات السرية والجماعات الإرهابية، فلهم الشكر والتقدير على أداء واجبهم الوطني. وأكبر درس من هذه المراجعات التي يُبشرنا بها أبناءُ الوطن بين الفينة والأخرى أن هذه الدولة وأبناءها يتميزون عن الكثيرين في التعلق بوطنهم، والوفاء لعائلاتهم وأصدقائهم، وهذه من نعم الله على هذه الدولة، فنسأل الله أن يحفظ بلادنا، ويحمي أبناءنا من الانحرافات الفكرية والانتماءات الحزبية، وأختم بكلمة أوجهها لجميع أبناء هذا الوطن ممن يحمل فكراً ماكراً، أو ينتمي إلى انتماء ضار بوطنه، أقول لهم جميعاً إن: «الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل»، وأوصيهم بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: «اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» نسأل الله الثبات على الخير، كما نسأله تعالى أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.