الاتحاد

ثقافة

التجليات الرقمية للكينونة

الاتحاد

الاتحاد

تبذل الفلسفة الكثير من العناء والجهد في محاولة فهم الظاهرة التقنية في أبعادها الدلالية المختلفة، وبخاصة بربطها أو باستكشاف دلالاتها الفلسفية أو الفكرية العميقة.
يحوم حول العديد من المحاولات الفلسفية لفهم ماهية التقنية شبح فيلسوف اهتجس بالتقنية في علاقتها بالكينونة محاولاً استكشاف مظاهر انكشاف التقنية باعتبارها شكلاً من أشكال تجلي الكينونة.
في هذا السياق، يتحدث بعض الباحثين في مجال الإعلاميات والمعلوميات والبيوتكنولوجيا عن الكينونة من حيث هي تجل للمادة من حيث هي حياة مشحونة بمعطيات حيوية متحركة، أو نقلات معلومات كما في مجال البيوتكنولوجيا أو من حيث هي أعداد وأرقام تشير إلى كميات وعلاقات كمية... كما في ميدان المعلوماتية والذكاء الصناعي.
في وقت سابق، واستلهاما لهيدغر قام تلميذه هربرت ماركوز بالكتابة عن التقنية من حيث هي نسق سيطرة شمولية وصارمة على الكائن الإنساني، حيث تنسد عليه الآفاق والبدائل وتحوله إلى إنسان طيع قابل للتشكل ووحيد البعد. وسارت مدرسة فرنكفورت في نفس اتجاه الكشف عن التقنية باعتبارها هيمنة وسيطرة اجتماعية وسياسية وثقافية أساساً (الثقافة كصناعة، وكذا باعتبارها إيديولوجيا مباطنة وموجهة للعلم التقني من حيث هو تقنية وعلم وصناعة وفن واستتيكا وإيديولوجيا)، ورافق هذا التشخيص للتقنية أحكام سلبية كإشقاء الإنسان وإنهاء صلاحياته (‏L’homme obsolete) والاستلاب التقنورأسمالي ونزع الطابع الغنائي (desenchantement) عن العالم...
بعد ذلك قام بعض المفكرين والباحثين بالتخلص جزئياً من هذه النبرة الكئيبة والحزينة والسلبية تجاه العلم التكنولوجي بتقبل جذريات التكنولوجيا، نذكر منهم الفيلسوف الألماني المعاصر الذي تحدث عن التقنية باعتبارها ظاهرة كونية أسهمت في تطوير الحظيرة الإنسانية (‏parc humain) وفي تربيتها وترويضها بواسطة التقنية.
في هذا السياق الإيجابي كان باحث فرنسي (‏Stephane Vial) قد دافع عن أطروحة للدكتوراه تحت عنوان: الكينونة والشاشة (L’être et l’ecran)، كيف تغير الرقمية الإدراك، وكيف أن أية ثورة تقنية هي في نفس الوقت ثورة إدراكية أو بتعبيره الفلسفي ثورة في تجلي الكينونة (onto-phanique) (onto = الكينونة، phaïnos = ظهور أو تجلي).
تعود فكرة الانتروبوتكنيك إلى الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار الذي كان يرى أن التقنية هي حاضنة كبرى لإمكانات تجلي تجربتنا بالعالم الممكن، وهي نفس الفكرة التي نجدها عند سلوتردايك.
الثورة الرقمية تندرج هي أيضاً ضمن هذا المسلسل من الثورات العلم - تقنية المتداخلة والمتلاحقة، أي أنها بدورها ثورة تقلب أو على الأقل تعدّل بنياتنا الإدراكية ذاتها وتمارس عليها عنفاً عذباً. ولعله ليس بالإمكان تحليل ورصد هذا المفعول إلا عبر محاولة التعرف على طبيعة وسمات الظاهرة الرقمية في متجسداتها واستجلاء طبيعة كينونتها وكيفيات تجليها.
يرى ‏Vial في أطروحته حول الثورة الرقمية أن أشكال التجلي أو التمظهر الوجودي الرقمي تتمثل في كون الظاهرة الرقمية هي ظاهر نومينيه فينومينية أي أن لها جوهراً أو وجوداً في ذاته، لكنه في حاجة إلى تجهيزات تقنية أي إلى آلات أو أدوات أو أواني لينتقل من الفومينية (أو الوجود في ذاته) إلى الفينومينية أي إلى الظهورية أو الظاهرية، إنها رحلة آنية من الوجود في ذاته إلى الوجود لغيره. فالظاهرية هي الوجه الآخر المرئي من الوجه الفعلي الخفي.
تتميز الظاهرة الرقمية، وهذا مدون في اسمها وعنوانها نفسه، بأنها ظاهرة حسابية، حاسبة ومحسوبة وقائمة على سلاسل من البرمجيات مما يجعلها هي ذاتها قابلة لأن تبرمج (‏programmable). والصورة الافتراضية الظاهرة هي ذاتها صورة محسوبة ومبرمجة ولا مجال فيها للمصادفة أو العشوائية، ولهذا يتم ترسيخها وضبطها في نظام من الكتابة والأثر مما يجعلها منظمة وقابلة للتنظيم والتراتب.
ومما يعرف عن الظاهرة الرقمية أنها تفاعلية ‏INTERACTIVE بالمعنى التقني وبالمعنى الاجتماعي. إنها آلية تقنية مرتبطة بالذات الإنسانية ومشروطة بها ولعلها هي الوسيط الحي بين الذوات/‏‏ الأجسام/‏‏ العقول وبين الأدوات والآلات (والمعلومات والمعاني التي تحملها أو تظهرها أو تسوقها) وكذا مع الذوات الأخرى، أفراداً وجماعات ومؤسسات.
غالباً ما نتحدث عن الظاهرة الرقمية باعتبارها «ظاهرة» مضمرة أو افتراضية أو تنتمي إلى منطق الممكن والإمكان ولكن هذه الصفة يتعين أن نفهمها من حيث هي الأداة التي تصبح بها النواة الصلبة الخفية قابلة لأن تتحول إلى واقع ظاهري. والوجه الآخر للظاهرة الرقمية هي كونها آلية دينامية متحركة باستمرار. فهي في العمق ظاهرة علائقية قوامها «مادة» غير ثابتة أي استسبابية (‏fluidité).
للظاهرة الرقمية كذلك دور في تقوية الروابط الاجتماعية، بل في لحم اللحمة الاجتماعية لأنها، بعكس ما يظهر فيزيائياً تيسر فرص الكلام والاتصال والحوار وتبادل المعلومات والأفكار بين فئات بشرية واسعة قريبة أو بعيدة. إنها الأداة الأولى لخلق وإنشاء السوق التداولية أو التواصلية المتوسعة بالتدريج.
كما أن لها مرونة خاصة من حيث قابلية التسجيل وبالتالي إمكان مراجعة ما سبق تسجيله أو تبليغه وكذا إعادة ترتيبه عكس ترتيبه الأول ‏Réversibilité أو حتى حذفه وإلغاءه بل تبديده وإعدام مادته. وهذا إضافة إلى سمة عضوية ملازمة للحركية الرقمية، وهي كونها قابلة للعب (‏jouabilité) والخروج عن التقنينات والسنن الموضوعة أو المبرمجة في القواعد الأولى.
والخلاصة، أن الظاهرة الرقمية هي ظاهرة تراوح بين الشيء في ذاته وبين ظاهره، وتقوم على التفاعل السريع بين الذوات والأدوات والمعاني، كما أنها ظاهرة حسابية قابلة للبرمجة والترتيب والانعكاس والمحو والتوثيق والتسجيل والمرونة. إنها ظاهرة فوق دينامية وتعددية الخدمات والوظائف في أشكالها الكبرى وفي أشكالها الصغرى وهو ربما ما يشكل سر بريقها ولمعانها واستحواذها على العقول والنفوس والقلوب، وهو أيضاً ما يجعلها تتنقل بخفة بين التقنية والثقافة، بين الأواني والمعاني. إنها ثورة تقنية محشوة بثورة ثقافية.

اقرأ أيضا

حاكم الشارقة يدشن النسخة الألمانية لكتابه «بيبي فاطمة وأبناء الملك»