الاتحاد

دنيا

صرخات على جـدران المدن

تدفع بلدية نيويورك سنويا ملايين الدولارات لتنظيف جدران المدينة، خصوصا جدران المباني الحكومية والعامة ومحطات القطارات وحوائط الانفاق، وشكلت لهذه الغاية لجنة تقوم بمهماتها على مدار العام· أما في بريطانيا، فان السلطات هناك وجدت حلا سحريا لمشكلة 'اتساخ' الجدران، وهو بتقنين هذه العملية· وفي اهرامات الجيزة بمصر زودت المنطقة بكاميرات لمراقبة السياح الذين يحاولون ترك 'آثارهم' على جدران اقدم منطقة اثرية في العالم·
فما هي المشكلة ولماذا تضطر السلطات الى معالجتها؟
المشكلة باختصار هي مشكلة تعبير، اذ يلجأ الشبان الاميركيون والاوروبيون الذين وجدوا في السابق قنوات للتعبير عن انفسهم من خلال فرق الهيبز وما شابهها، الى اختيار طريقة اكثر فعالية ومباشرة لبث أفكارهم واعتراضاتهم بكتابات ورسوم فنية على الجدران تسمى (جرافيتي)، سرعان ما أصبحت حركة فنية ثقافية سياسية تمردية متسارعة، وتنتقل بالعدوى من مدينة الى اخرى، من نيويورك الى لندن وباريس وموسكو وطوكيو وسيدني، باعتبارها أرخص وسيلة اعلامية على الاطلاق·
وقد نشأت هذه الظاهرة في أحياء مدينة نيويورك الفقيرة قبل عقود كنوع من الهزل والمزاح بين الاطفال، لكنها نمت وانتشرت لتصبح حركة تعبيرية سياسية وثقافية مرتبطة بالظروف الاجتماعية، وللتبلور في فرق كثيرة مثل فرق 'الملوك' و'الألعاب'، وتبع ذلك بروز فنانين تمردوا على الفن المعروف في المتاحف وصالات العرض وخرجوا إلى الشارع العام يبرزون فنهم في الهواء الطلق وعلى الجدران العمومية والقطارات·
ويبدو أن 'فناني' نيويورك بدأوا أولاً في الأنفاق وعلى القطارات، إذ أن الكتابة عليها كانت بمثابة مغامرة، والجماعات التي بدأت هذا الاتجاه هم من الشباب السود والاسبانيين الأميركيين الذين وجدوا في أوضاعهم المادية والاجتماعية منفذاً لهم لخلق وإبداع طرائق تفكير خارجة عن إطار الثقافة العامة·
وفي تعليل هذه الظاهرة قال أحد كتاب الجدران في بريطانيا إن الرسم الجداري في أميركا ارتبط بحركة القطار أي أن الرسم أصبح جزءاً من القطار، في المقابل فإن الرسوم الجدارية في بريطانيا التصقت بالجدار غير المتحرك ولذلك لا يمكن تصور ظاهرة الحركة في رسوم بريطانيا وبعض المدن الأوروبية، كذلك فإن العدد الهائل من الفنانين الذين أكدوا ان تجربتهم في الأنفاق والأماكن العامة جعل من قمع الظاهرة الخارجة على المجتمع شيئاً عصياً على الحل· جدير بالذكر إن أي قطار كان يتعرض للكتابة في ألمانيا فانه يوضع خارج الخدمة لفترة ويطلى من جديد قبل اعادته الى السكة·
والسؤال المطروح الآن لماذا التفت الأميركي الى جدران الأنفاق والقطارات كخلفية للوحاته، والجواب يرتبط بدرجة الوضوح العالية التي يمتلكها المكان وكذلك العدد الهائل من السكان الذين يستخدمون المحطات يومياً كشريحة مستقبلة للرسالة الإعلامية الرافضة·
معلم اميركي آخر استقطب حركة الـ (جرافيتي) هو حي سوهو في هيوستن الذي غزا جدرانه الكاتب ديفيد روبنسون، وهو مدرس له تجربته في أفريقيا· وأفريقيا في الحلم الغربي ظلت معرضاً مفتوحاً وقابلاً لكل التفسيرات الجميلة حيث تعتبر المركبات الثقافية من صميم الحياة اليومية الأفريقية وتوجد في الأسواق وأشكال البنايات والعادات والتقاليد· وتقوم فكرة روبنسون على الفن المتماهي في الحياة اليومية، إذ لا نستطيع تصور اللوحة الفنية معزولة عن إطارها الواقعي وهذا نابع من إلهامات التجربة الأفريقية، والكاتب في استخدامه للمصطلح '"itiffarG يحاول توسيع رؤيته للفن التي ارتبطت بالكتابة، فهو ينتقل من الكتابة إلى الفن إلى التصوير شأن الكثيرين ممن وسعوا المفهوم·
وفي اوروبا كان الفنانون الايطاليون اول من قلد التجربة الاميركية، ولكن الاتجاه الحقيقي لنقل وتعريف الشارع الأوروبي بالظاهرة بدأت من هولندا، عن طريق جامع تحف اسمه ياكي كورنبلت، حيث أثمرت جهوده عن تنظيم معرض لمجموعة من كتاب الجداريات في مدينة نوتردام الهولندية التي اعتبرت نقطة التحول الجديدة في نقل تفاصيل الحلم الأميركي إلى العالم الأوروبي·
لكن في التجربة البريطانية فإن الإطار مختلف نوعاً ما إذ أن معظم الأدبيات المكتوبة ركزت على النصوص، حيث انتشرت الكتابات في مناطق كثيرة من المدن البريطانية: الشوارع، المحلات التجارية، لوحات الإعلانات، يافطات النوادي·
وغطت تلك الكتابات نواحي اجتماعية واقتصادية وسياسية وتعرضت في مجموعها للحركات الجديدة في المجتمع، وركزت على مُشكل الجنس، والحركات الأنثوية، وتضمنت بعض اللوحات إشكاليات الدين والعلمانية بصور مختلفة ومتعددة·
اما في فرنسا فقد ازدهرت الكتابة من خلال الأقليات وأحياء الفقراء السود في المدن· ويحلل حسان تليلي بعضاً من مظاهرها في بحث عن (المقال الجداري) ضمن نظرية الاتصالات وذكر أن الجدران تعكس آراء عدد من الشرائح والأقليات التي لا يتسنى لها التعبير عنها عبر القنوات التقليدية·
والكتابة الجدارية في فرنسا تركزت في باريس، حيث انتشرت في مركزين أساسيين هما الحي الجامعي، والأحياء السكنية التي يتواجد فيها العمال الأجانب، ويقول المهاجرون إذا أردت أن تتعرف إلى ما يجري في العالم من أحداث فعليك أن تنزل إلى محطة المترو المقابلة للحي الجامعي وتتجول فيها ثم تقصد البناية الكبرى التي يجتمع فيها الطلبة الوافدون من مختلف أنحاء العالم مرتين في اليوم، إحداهما في فترة الغداء والثانية في فترة العشاء، وستقرأ على الحيطان المجاورة مقالات عن مختلف الأحداث الحساسة التي تجري في العالم وتطلع على تعليقات الطلبة عليها·
ويذكر أن ثورة الطلاب الفرنسيين عام 1966 كانت نموذجاً جيداً في استخدامها الجميل للجدار للتبشير بأفكارها وأسسها·
ونلاحظ أن الكتابة الفرنسية في مجملها تعبر عن فكر وآراء جماعات نخبوية طلابية مقهورة أي تعبير عن فكر وثقافة الغربة في مجتمع عنصري·

اقرأ أيضا