الاتحاد

دنيا

ليث عبدالأمير: الألم هو الحاضر الكبير في العراق

دبي ـــ إبراهيم الملا:
المخرج العراقي المقيم في فرنسا ليث عبدالأمير يتمتع بانتباه شعري وتطلّب وكدح في استجلاب التشكيلات الروحية المبثوثة والمندسة في مباهج وأحزان الصورة السينمائية· هناك إخلاص بصري وارتحال مبجّل فيما يقدمه هذا المحاط دائما بهالة من الهدوء والإنكسار الشفيف·
شاهدت له قبل سنوات فيلمه الروائي القصير 'المهد' الذي تم تصويره في روسيا· وهذا الفيلم الناعم الذي يعبر في العين مثل جرح أليف ومثل غيمة صامتة، حققه ليث احتفاء بالشاعر الإسباني الذبيح 'لوركا'، وفيه صوّر اللحظات الأخيرة لمقتله على أيدي زبانية الديكتاتور 'فرانكو'· ولم يغب هذا الفيلم عن تأثيرات الأسلوب الروسي المهتم بتكوين المشهد وتوليفه جماليا دون إبهار أو مبالغة· كان الفيلم أيضاً محفوفاً بظلال المخرج الروسي الكبير 'أندريه تاركوفسكي' الذي دائما ما يطرّز أفلامه برياح شعرية وصوفية تهزّ شجرة الروح وتنسلّ بوداعة مهلكة إلى واقع مدمّر وجمال منهوب·
رحلة بانورامية
حقق ليث فيلمه التسجيلي الأخير 'أغاني الغائبين' من خلال فريق تقني فرنسي وبنص مرافق كتبه الشاعر العراقي المعروف شوقي عبدالأمير، وهو بالمناسبة شقيق المخرج·
يصحبنا الفيلم في رحلة بانورامية تبدأ مع 'أبناء الماء' في منطقة الأهوار، وتمر على أهالي الجنوب وأتباع الصائبة المندائية، والكرد والمسيحيين الأرمن والارثوذكس، ويغوص هذا التجوال البصري أيضا في الطقوس الميثولوجية العراقية وفي مروياتها الغنائية المشبعة بالأسى كما بالبهجة، وبطهر الماء كما بسيرة الدم· وفيما يشبه الماراثون أو المسح التاريخي الموصول من أدنى الجنوب العراقي إلى أقصى الحدود الشمالية للبلد، يحاول ليث أن يبدأ من المنابع المأساوية الأولى لبلد مزقته الويلات والمراثي، وسوّرته الضفاف بعزلتها حتى فاضت باليتم والفقد والغياب المتضامن مع خطابات ضاجة بعنفها·
يتمثّل فيلم 'أغاني الغائبين' أيضا كفتنة ضوئية في مسار تاريخي معتم· هنا احتفاء بالإنشاد كما بالنحيب، استحضار بالأحرى لسحر الأنهار وروافدها القادمة من الروح لا من الجبال البعيدة·
يقودنا الفيلم في رحلة ملحمية وشعرية نحو الدمار المنظم في عين الكاميرا، ونحو الفيض الدائخ الذي يسوق معه أودية من النيران والدموع، بالخسارة أيضا وهي ترتدي ثوب الكاهن المنتحر في الماء··· ماء الأهوار الذي ترتجف من وقعه الأسطورة وتتساقط ثمارها المرّة على مائدة الطغاة، أولئك الذين يعرفون جيدا كيفية الاعتناء بالخراب !، نرى في الفيلم أيضا هذا الزهو بالعذابات خلال الطقس الكربلائي والمسرحي المحاط بغبار التراجيديا واللطم المكرر في المآتم المفتوحة على ذاكرة العطش، وعلى العشق الفادح والمتطهر من خياناته القديمة·
التقيت ليث في إحدى زياراته لدبي، وكان الحوار معه أقرب للبوح الخارج من شتات الذاكرة ومن عبورها القاسي والثقيل على خرائط بعيدة وطفولة شائخة، وعلى كل تلك الصور المهشمة في المنافي والملمومة بصبر في مرايا الكاميرا وفي شروخها أيضا·
البحث عن فراديس مفقودة
؟ لماذا عنونت الفيلم بـ 'أغاني الغائبين' وكيف يطغى الغياب، رغم الحضور الكبير للمكان ولأطيافه وأعراقه ومذاهبه؟
؟؟ لأن الألم هو الحاضر الوحيد والكبير في عراق اليوم، وكل شيء 'حقيقي' مازال غائبا عنه، الحياة الإنسانية هي الغائبة، وكل أمل في المستقبل ما زال رهنا للمجهول· وفي الرحلة التي قمنا بها في الفيلم من أقصى نقطة في جنوب العراق إلى أقصى نقطة في شماله مررنا بمدن وقصبات وأرياف، و شعرت شخصياً في هذا الطواف البصري بشيء غريب، وهو أن كل إنسان عراقي يعيش متاهته الخاصة وأنه يبحث عن شيء ما·
فهناك من يبحث عن المراثي، وآخرون يبحثون عن الجذور، وغيرهم يبحث عن المثال الديني واللاهوتي المفتقد· وذلك لأن كل شيء فجأة ضاع في العراق، فسقوط النظام ودخول القوات الأجنبية وغياب السلطة والعدالة، كل ذلك أدى إلى بحث الإنسان العراقي ودون وعي منه عن الخلاص الميتافيزيقي، وعن الخيال والجنوح الكبير نحو الماضي الفردوسي ونحو الحنين التاريخي، حتى ولو كان هذا الحنين مخضبا بالدم والجروح والويلات، فالوضوح الدامي للماضي أصبح أكثر أمنا من غموض اللحظة وحاضرها المربك·
؟ التصوير في هذا المكان المفخخ بالموت وبالمصير الغامض أشبه بالمغامرة غير محسوبة النتائج، حدثنا عن ظروف إنتاج هذا العمل وعن فكرته، خصوصا وأنك تقيم في فرنسا وبعيدا عن التفاصيل الغائبة، وعن الخطر الكبير الذي يعيشه العراق في الداخل·
؟؟ أريد أن أذكر أولا أن الفيلم هو من إنتاج القناة الرابعة في التلفزيون الفرنسي، وقد تغير السيناريو المبدئي للفيلم أكثر من مرة بسبب الوضع الأمني المضطرب جدا في العراق والذي تحول إلى أصعب ساحة للتصوير باعتراف الصحافة العالمية، كما أن تغير الظروف المصاحبة للتصوير الفعلي في المقاطعات والمدن المختلفة جعلتنا نعيش تحت رحمة التوقعات المتفائلة، لقد كانت التجربة صعبة جدا لذلك أحطنا مشروعنا بالكتمان الكامل وبتغيير الخطط يوميا، خصوصا وأنني تخليت عن السيناريو الأصلي بالكامل بعد أول يوم من هبوطي في المطار ورؤيتي عن قرب لكل هذا التوجس وكل هذه الريبة التي تدور حول مشاريع التصوير الفيلمية القادمة من الخارج·
؟ وما هي الفكرة الأساسية التي تخليت عنها في هذا الفيلم ؟·
؟؟ كان المشروع في بداياته الأولى مبنيا على ملاحقة تفاصيل المشروع الألماني القديم، وهو 'قطار الشرق' أو خط سكة الحديد الذي يربط بين بغداد واسطنبول·
*كيف كانت أصداء الفيلم بعد الانتهاء من إنتاجه، وهل تم عرضه في المهرجانات الدولية؟
ـ سأحضّر أولا لمؤتمر صحفي في فرنسا كي أتحدث من خلاله عن فكرة وظروف وملابسات هذا الفيلم، وستكون المشاركة الأولى للفيلم في مهرجان 'فيزول' الفرنسي القادم في شهر أبريل، وسيشارك الفيلم أيضا في مهرجان 'برلين' وفي مسابقة أفلام من الإمارات بالمجمع الثقافي بأبوظبي، ومهرجان سنغافورة·
التراب الأول
؟ ماذا عن تجربتك الروائية السابقة التي توقفت عند فيلم 'المهد'، وهل سيكون الفيلم التسجيلي هو رهانك الوحيد للتعبير من خلال الصورة، وهل صادفتك فوارق كبيرة في التكنيك المستعمل في المجالين؟
؟؟ كان فيلم 'المهد' الذي حققته العام 1985 وتناولت من خلاله اللحظات الأخيرة في حياة الشاعر الإسباني الكبير 'لوركا' هو مشروع خاص بالتخرج، وكان ظهوره في بعض المناسبات والمهرجانات هو من قبيل المصادفة لا أكثر· أما الفراغ بين السينما التسجيلية والروائية فهو فراغ هائل· في الفيلم الروائي أنت تحاول أن تبني الخيال من خلال الواقع، أما العكس يحدث في الفيلم التسجيلي، لأنك من الواقع تقوم ببناء خيالك· ولهذا السبب فإن الجهد المبذول في الفيلم الوثائقي هو جهد استثنائي، لأنك يجب أن تستنبط من المشهد اليومي العادي ما هو غير عادي، وأن تكتشف الجمال في كل هذا الخراب الذي يحاصرك، ومن دون أن تحطم أو تغالط هذا الواقع الذي تتحدث عنه وتصوره· وعموما فإن أغلب المخرجين الأوروبيين المعروفين بدأوا حياتهم الفنية من خلال الأفلام التسجيلية، واستطاعوا بعد ذلك أن يؤسسوا لحضورهم ولأسمائهم في حقل الأفلام الروائية ذات الميزانيات الكبيرة· وأتصور أنني غير قادر حالياً على تنفيذ فيلم روائي وأنا بعيد عن نبض التراب الأول وعن فضاءات دجلة والفرات والمجتمع العراقي الذي أريد أن أكونه في داخلي وأتحدث عنه بعد ذلك من خلال السينما·
قراءة مغايرة للواقع
؟ وهل تستطيع إمكانات الفيلم التسجيلي أن تتجاوز الحدود الفاصلة بين الفن والواقع، خصوصا وأن هناك نوعا من المباشرة والتسييس والعنف في معظم ما يقدم من صور الحرب وصراعاتها الداخلية الدامية والبشعة، تماما كما هو حاصل حاليا في العراق؟
؟؟ أعتقد أن الصدق هي الكلمة المناسبة هنا للخروج من مأزق تحييد الفن في الفيلم التسجيلي· ومن المهم جداً أن يعيد منفذو الأفلام الوثائقية قراءة الواقع المحيط بهم، وحتى لو كان البعض منهم يؤمن بقضيته الخاصة التي يدافع عنها، فإن على هذا الإيمان أن ينجو من الأدلجة ومن تسييس المادة الفيلمية التي عليها أن تتمتع بحياد كامل عند التقاطها لقضايا الآخرين المختلفين في المذهب والمعتقد والتوجه، ولا يجب أن يكون الحدث اليومي والآني والمبهر هو الهدف الذي يجري وراءه المخرجون، فمشاهد الدم مثلا يمكن أن يبرزها السينمائي من دون أن نرى نقطة دم واحدة على الشاشة·
هناك لغة سينمائية وهناك تقنية سينمائية، ولا يمكن مع وجود هذه الإمكانات والطاقات التي تختبئ في عمق الصورة أن نذهب إلى الواقع كما هو وبكل بشاعته وقسوته، ويجب أن ننتبه لنقطة مهمة وهي أن صفات مثل الذكاء والرهافة والحساسية المفرطة ليست حكراً على الفنان وحده، بل إن المشاهد أيضا يملك ذات الصفات، بل إنه يطور هذه الصفات من خلال التنوع والثراء البصري المحيطين به من كل جانب، ومن خلال قراءته المختلفة للصورة، وإعادة بناء هذه الصورة في مخيلته وفي تذوقه الفني· وللأسف فإن معظم الأفلام الوثائقية التي حاولت رصد الأحداث العراقية الأخيرة كما هي في الواقع، قامت بتشويه هذا الواقع، والسبب أن هذه الأفلام نظرت للقضايا الساخنة والآنية من زاوية واحدة ومن بعد ثابت مرتبط بالعاطفة أكثر من ارتباطه بالفكرة وبالتحليل·
؟ ما هو الهوى السينمائي والشعري الذي قادك لهذا التيار الفني، وما هي التأثيرات التي عكسها وجودك وسط مناخ سينمائي عريق في الاتحاد السوفييتي سابقا؟
؟؟ أنا من المهووسين بكسر الواقع من خلال التكوين السينمائي الذي تفرضه الخيارات الجمالية والخبرة الشخصية للمخرج، وأعتقد أن السينما الشعرية كمصطلح لا يمكن أن تكون متبوعة بقواعد وشروط حتى تؤسس لاتجاه معين وصارم في السينما، فكل لقطة تحتوي على لون وضوء وتكوين هي لقطة تقوم بكسر حدّة الواقع، لأنه ليست من مهمة المخرج أن يعيد بناء الواقع، ولكن أن يحاوره من خلال عين منقلبة إلى الداخل وعاكسة لقناعاتها الجمالية على الخارج، فكلمات مثل الجميل والمبهر هي كلمات مطلقة، وعلى كل مخرج أن يستغل إمكانات الصورة السينمائية كي يتحسس الجمال من زاوية معينة وخاصة، إن وضع الكاميرا مثلا في زاوية معينة هو اختيار جمالي في النهاية، وعلى المخرجين أن يمضوا في هذا الطريق حتى حوافه الأخيرة·

اقرأ أيضا