الاتحاد

عربي ودولي

الإجراءات الاستباقية·· سلاح روسيا الجديد

السعد عمر المنهالي
كانت حركات الانفلات عن المركز في موسكو التي شهدتها عواصم كل من أوكرانيا منذ عام 2003 وجورجيا منتصف عام 2004 وقرغيزيا أبريل عام ،2005 بمثابة الضربة المؤلمة في خاصرة الدب الروسي، وهي ضربة وإن لن يستطيع الدب تجنبها دائما، إلا أنه سيقوم بكل ما يملك من وسائل منعها أن تصيبه مستقبلا في مقتل!!
فعندما كشف 'نيكولاي باتروشيف' رئيس جهاز أمن الدولة الروسي في نوفمبر العام الماضي 2005 عن ازدياد عمليات التجسس الأجنبي في البلاد، واعتقال عشرين عميلا أجنبيا، لم يقصد إطلاقا الإطراء والمديح على جهازه في الكشف عن العمليات ونشاطها في اعتقال الجواسيس، إنما كان حديثه تمهيدا لأمر أكثر تحديدا، كان يطبخ في مؤسسات الدولة الروسية قبل ذلك التاريخ·
قوس قزح
على عكس ما يمكن أن يتركه قوس قزح في نفوس من يشاهدوه، كانت ثورة الألوان التي ضربت عواصم الطوق الروسي، فالبرتقالي والوردي والأصفر - رغم بهجتها - حملت لنفوس من في الحكومة بموسكو ضيقا كان كافيا لدق نواقيس الخطر· فالتدخل الأجنبي في الأحداث التي جرت في كل من 'تبليسي' العاصمة الجورجية و'كييف' العاصمة الأوكرانية و'بشكيك' العاصمة القيرغيزية كان عاملا قويا وفعالا - إن لم يكن رئيسيا- في تحريك مجريات الأمور هناك، ودفعها في الاتجاه الذي سارت عليه·
ظلت صور الداعين لقلب الحكومات والخروج عليها في تلك العواصم موسومة بالدعم الأجنبي لا سيما الغربي والأميركي، وإن ظلت تلك الرموز ترفض التهمة، إلا أنها لم تفلح في تبرئة نفسها، خاصة وأن حقيقة تمويل الحكومات الغربية لمؤسسات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية واقعية وتأثيرها كان عميقا، ورغم ما يعلن عن دور التمويل الأجنبي والمعونات في دعم المجتمع بصفة عامة، كان هناك دائما أمر غير معلن لا يمكن تجاهله، وهو المعني بقدرة هذا التمويل دوما على تطويع السيناريوهات في محيط حركتها لما يتناسب مع مصالحها في نهاية المطاف!
لقد اعتبرت الحكومة الروسية أن التمويل الأجنبي لتنظيمات المجتمع المدني بمثابة الزيت المنصب على نار مشتعلة أصلا! فالواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي المتأزم في دول الاتحاد السوفيتي السابق وروسيا، أقل ما ينقصه التحريض الذي لا تألو هذه الجهات جهدا في إمعانه، والذي بدا وبوضوح مع التوسع الأفقي والرأسي للمنظمات غير الحكومية، فازدياد الرقعة الجغرافية لتواجدها ولأسباب كثيرة غير متناهية، واكب الزيادة المتعاظمة في تأثيرها على الحياة العامة في روسيا والسياسية على وجه الخصوص·
فحسب ما تصرح به مصادر رسمية في موسكو، هناك ما يقارب 2000 منظمة غير حكومية مختصة بحقوق الإنسان والديموقراطية منتشرة في الأراضي الروسية، تعتمد في تمويلها بشكل رئيسي على المساعدات الغربية، وهو عدد آخذ في التصاعد·· وكان هذا الوضع إضافة إلى ما سبق سببا كافيا لتوجه النظام السياسي الروسي للحد من تنامي هذا الورم قبل أن يستفحل ويصعب علاجه، فكان أن أقر البرلمان الروسي (الدوما) مشروع قانون - بعد أن حذف ما يقارب ستين فقرة عن مسودته الأولى- في نوفمبر عام 2005 بأغلبية، ينظم العملية التمويلية للمنظمات ويضعها تحت الإشراف مع دخوله حيز التطبيق في العاشر من ابريل عام ·2006
جاء القانون بعد تزايد المعارضة الداخلية والخارجي منذ الاتحاد الأوروبي على وجه الخصوص للمسودة الأولى التي كان فيها دور رئيسي للسلطات الروسية في محاسبة التنظيمات، فأصبح القانون الجديد يجبر المنظمات غير الحكومية أن تكون مقيدة لدى جهة معنية، ولهذه الجهة الحق في معرفة ما تتلقاه المنظمة من أموال ومعونات من أي جهة، وتوضيح أهداف وجهات صرفها، كما يوفر القانون سلطة للجهة المعنية التصرف قضائيا في حالة عدم استجابة المنظمات·
أثار كذلك القانون الكثير من الجدل رغم تخفيف صيغته السابقة، سيما وأنه يطرح استفهامات حول شروط قبول تسجيل هذه المنظمات، والتي يجب أن يكون نشاطها لا يمس سيادة واستقلال البلاد وأمن وسلامة أراضيه ووحدته الوطنية وتراثه الثقافي ومصالحه· وهو شرط - كما اعتبره الكثيرون- يحدد معايير هلامية قابلة للتطويع، الأمر الذي ستكون نتيجته 'خنق الحريات وتقييد تحركات منظمات حقوق الإنسان'·
الإرث·· والاستحقاقات
لم تبرأ روسيا الاتحادية من إرث الاتحاد السوفيتي السابق، رغم الدستور الجديد المقر عام 1993 والانتخابات الرئاسية ووجود برلمان مكون من مجلسين، والعدد الكبير من المعاهدات والمواثيق الدولية المقرة لحقوق الإنسان كالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب وغيرها من الاتفاقيات التي يضمن الالتزام بها إلى حد كبير إرساء دولة ديموقراطية، غير أن ما حدث في الشيشان دفع - بعد دخول القوات الروسية عام 1993 - بكل هذه البنية الجديدة للدمار·
تحاول القيادة الروسية الحالية -على كافة الأصعدة- إعادة الدور التقليدي الذي كان للدولة السوفيتية، والذي تعتقد أنها الوريثة الشرعية له، وهو ما تدرك القيادة في موسكو أنه مشوار صعب تحفه المخاطر، خاصة بعد الجارة القوية التي تزايدت قوتها أضعاف أضعاف عما كانت به من قبل، فأوروبا القوية التي أصبحت تلامس حدودها بالتلامس الجغرافي، لم يعد يخيفها المد الأيدلوجي كما كان الحال سابقا، بل انقلب السحر فأصبح الساحر مسحورا!
علاقة روسيا بدول الاتحاد الأوروبي لا يمكن وضعها كلها في سلة واحدة، غير أن هناك أنماطا قانونية دولية أطرت منذ زمن العلاقة بين الطرفين، كاتفاقية الشراكة بين روسيا والاتحاد الأوروبي، والتي بدأت عام 1994 لإيجاد فهم عام للعلاقة المشتركة· وبعيدا عن نقاط الاتفاق، فإن الوضع في شمال القوقاز- منطقة حدود حساسة بين أوروبا وآسيا- ظل نقطة تباين بين موسكو وبروكسل، فقد كان الوضع في الشيشان ولفترة طويلة محل خلاف بين الطرفين، غير أن الموقف الغربي أخذ في التراجع - إلى حد ما- بعد الأحداث التي جرت خلال العامين الماضيين والتي تسبب فيها المقاتلون الشيشان، في مسرح موسكو بالحادثة المعروفة باسم مسرحية 'نورد اوست' في أكتوبر عام ،2002 ومدرسة 'بيسلان' في سبتمبر عام ،2004 وإن كان الخلاف لا زال قائما ولكن بعيدا عن الأطر السياسية الرسمية·
أما على المستوى الآخر غير الرسمي والذي ترأسه مؤسسات المجتمع المدني - والذي ينظر للحادثتين السابقتين بوجهة نظر مختلفة تلوم فيها موسكو في طريقة تعاملها- فقد ظل ملف الشيشان يدفع باسم روسيا إلى قائمة الدول المنتهكة لحقوق الإنسان والقانون الدولي، الأمر الذي أوجد بيئة غنية لعمل المنظمات غير الحكومية المهتمة بحقوق الإنسان ومراقبة الديموقراطية، غير أن الوضع أخذ في التبدل بعد أن أصبحت الحرب على الإرهاب على رأس أولويات المجتمع الدولي، وبطبيعة الحال روسيا، التي ما فتئت بتحويل معركتها في الشيشان إلى جزء من هذه الحرب التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية·
ومن هنا فلم يكن من الغريب ما أعلنه مرارا مراقبون في مجال حقوق الإنسان بأن الولايات المتحدة تتغاضى كثيرا عن تدهور وضع حقوق الإنسان في روسيا ومن بينها إجراءات ضد الصحافة والأحزاب السياسية والمنظمات غير الحكومية، وهو التغاضي الذي توافق كثيرا مع رغبة النخبة السياسية في روسيا، والتي لا زالت تشعر بأنها فقدت تأثيرها بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وانه لا بد من شيء للعودة من جديد كدولة لها دور حاسم في تسيير الكثير من الشؤون الدولية، لا أن تتحكم منظمات تبحث عن من يمولها في شؤونها!
قبضة الحديد
دافع مسؤولو الكرملين عن القانون الجديد للمنظمات غير الحكومية، وبرروه بأسباب رئيسية ، كان أهمها: أن المنظمات غير الحكومية أصبحت مرتعا خصبا للجواسيس، وهو ما حاولت السلطات الروسية ربطه بما أعلنته أواخر يناير الماضي 2006 على احدى قنواتها الرئيسية عن شريط مصور يظهر - حسب المصدر- دبلوماسيين بريطانيين يتجسسون باستخدام تقنية متطورة، وعلاقة ذلك بتمويل بريطانيا لمنظمات غير حكومية، حيث أن أحد الدبلوماسيين المتهمين بالتجسس أدار برنامج مساعدات من السفارة إلى هذه المنظمات· فقد اتهمت السلطات الروسية المتمثلة بإدارة الأمن الفيدرالي الروسي أشخاصا يعدون من الصف الأول في البعثة الدبلوماسية البريطانية، منهم رئيس بعثة المخابرات البريطانية في موسكو، والسكرتير الثاني في السفارة البريطانية بالإضافة إلى مسؤول الأرشيف وشخص آخر·
كما أكد المصدر لوسائل الإعلام أن كلا من المنظمات 'مجموعة هلسنكي الروسية' و'مركز تطوير الديمقراطية وحقوق الإنسان' و'صندوق آسيا وأوروبا' و'منظمة الإصلاح الجنائي الدولية'، تتلقى دعما ماليا من السفارة البريطانية، الأمر الذي يجعلها تحت المساءلة·
ويبدو هنا من الموقف الروسي، سيما الذي ظهر بعدم اتخاذ إجراءات حازمة تجاه البريطانيين، أن روسيا تركت هؤلاء البريطانيين يعملون بهدوء تام في الوقت الذي كانت تخطط فيه لإجراءات من شأنها ضرب المعارضة المنظمة القادمة تحت ستار المجتمع المدني، وكان إجراء قطع المال أول تلك الأسلحة· فالحيلولة دون وصول الموارد والمعونات لهذه التنظيمات سلاح من أحد الأسلحة التي يمكن ان تستخدمه الحكومات في هذه الحروب، هذا بجانب تجنيد الوطنيين والإعلام ورجالاته لحماية الوطن من الخونة والجواسيس، وهو الشق الآخر الذي نجحت موسكو في تحقيقه بعد عرض صور البريطانيين عبر شاشات التلفزيون الرئيسية·
مال·· وسياسة
أما على الشق الآخر والذي بدأ مبكرا متزامنا مع حادثة الجواسيس البريطانيين والمنظمات، فقد تحرك الروس عمليا مع بداية العام الجديد 2006 عندما قررت روسيا وقف إمدادات الغاز إلى اوكرانيا، والتوقف عن تقديمه لها بأسعار تفضيلية -كانت 50 دولارا لكل ألف متر مكعب من الغاز- والإصرار على بيعه بسعر 230 دولارا، وقد أزعج هذا القرار الروسي أوروبا بمجملها تخوفا من أضرار ذلك على إمدادات النفط لها·
ويعد الأوروبيون مسألة الطاقة عنصرا رئيسيا في أي حوار مع الروس، ويهمهم بالدرجة الأولى ضمان مصدر آمن ومستقر لإمداداتهم منها، غير أن هذا الملف رغم ما تبديه روسيا دوما من تطمين للجارة العملاقة، يقلق الأوروبيين، وهو الشعور الذي فاقم من مشكلة الغاز مع أوكرانيا، فتأكد للأوروبيين أن روسيا لا يؤمن جانبها كما لا يمكن التنبؤ بأفعالها، فالخطوة التي اتخذتها موسكو رغم ما ظهرت به وكأنها ضد أوكرانيا فقط، إلا أن حقيقتها أعمق وأكثر بعدا عن حدود ذلك البلد، فرفع أسعار الغاز هناك يعني الإضرار غير المباشر بحركة الاقتصاد في دول أخرى أوروبية، وهي ضربة قوية تذكر بها موسكو جيرانها بأنها لا تزال تملك القرار·
ورغم كل الدواعي المنطقية التي قدمتها موسكو والتي أكدت فيها أن المسألة بعيدة تماما عن السياسة، بيد أن فصل الحادثة عن موضوع المنظمات غير الحكومية يعد من السذاجة، فالإجراءات الروسية الجادة والعملية والتي تتصاعد يوما بعد آخر للحيلولة دون اعتبارها صيدا سهلا لا تنفصل، حتى وإن ظهرت أنها مختلفة، فنقاط الالتقاء واحدة، والهدف كبير يستحق العناء، فالدب الروسي لن يقبل إطلاقا، أن يضرب في مقتله وهو مكتوف اليدين!

اقرأ أيضا

تونس: القيادي في "القاعدة" الذي قتل الأحد جزائري