الاتحاد

عربي ودولي

العلاقات المصرية - الأميركية·· اتفاق سياسي وخلاف اقتصادي


محمـد أبو الفضل:
تبـدو العلاقات المصرية - الأميركية ظاهريا على ما يرام وأن عوامل تقاربها كانت دوما أكثر من تنافرها، لكن مكوناتها وخلفياتها الراهنة تقود الى نتيجة مغايرة، فهناك مطبات سياسية ومشكلات اقتصادية أصبحت تقف حائلا دون تطويرها بصورة تحافظ على ثوابتها الاستراتيجية، وقد جاء هذا الاهتزاز فى ظل حسابات ومستجدات خلقت هواجس، ووضعت قيودا على تحركات كل طرف، والامعان فى مشاهد العلاقات وتفاصيلها خلال الأيام الماضية يعزز تكهنات التوتر فى الفترة المقبلة، حيث أعلن الجانب الأميركى فجأة توقفه عن الشروع فى توقيع اتفاقية التجارة الحرة مع مصر، فى وقت ذهبت غالبية التوقعات الى اقتراب توقيعها، فمنذ سنوات قامت الولايات المتحدة بوضع خطة لإقامة اتفاقيات للتجارة الحرة فى المنطقة·
وبالفعل تم التوقيع مع كل من الأردن والمغرب والبحرين وعمان فضلا عن تركيا، وقطعت مصر شوطا مهما فى هذا الاتجاه، وبدا أن توقيع اتفاق 'الكويز' بينها وإسرائيل فتح الباب لمزيد من الانسجام التجارى مع الولايات المتحدة، فاتفاقية التجارة الحرة تسمح بفتح الأسواق الأمريكية أمام المنتجات المصرية دون جمارك والعكس، وبالتدريج على مدار اثنتى عشر عاما،وتزايد التفاؤل عقب اتفاق القاهرة وواشنطن على إجراء مشاورات عميقة اعتبارا من يناير الماضى حول كافة القضايا الخاصة بالاتفاقية، ودون الاعلان عن مبررات اقتصادية واضحة أوقفت الولايات المتحدة تحركاتها، الأمر الذى جعل بعض الأوساط تربط بين هذه الخطوة والخلافات المكتومة بشأن الاصلاح السياسى في مصر والتي بدأت مؤشراتها تظهر على السطح من حين لآخر·
زيارات متلاحقة
لذلك جرت محاولات لتطويق ملامح التوتر والتأكيد على أهمية العلاقات على ضوء سلسلة من المصالح المشتركة، تمت بلورة غالبيتها فى اطار منظومة عريضة من الاتفاقيات الاستراتيجية، خاصة وأن البلدين نجحا فى احتواء خلافات وسط محكات أشد وطأة من اتفاقية التجارة الحرة، التى تحفّظ بقوة 'رشيد محمد رشيد' وزير الصناعة والتجارة المصرى على الربط بينها والاصلاح السياسى، من هنا اعتبر بعض المراقبين أن الزيارات الكثيفة لعدد من المسؤولين الأميركيين لمصر فى الفترة الماضية دليل ناصع على رغبة الولايات المتحدة فى تحجيم التوتر وحرصها على توطيد العلاقات معها، لكنها أشارت أيضا الى أن علامات التباين حاضرة وبحاجة لوضع كثير من النقاط فى نصابها·
فقـد استقبلت القاهرة شخصيات من تيارات ومشارب أمريكية مختلفة، فى مقدمتها ديك تشينى نائب الرئيس الذى استقبله الرئيس حسنى مبارك، وحمل فى حقيبته ملفات تخص التعاون والتنسيق المشترك، فى قضايا مثل العراق وسورية ولبنان وفلسطين وايران، وزارها أيضا جون حنا مستشار تشينى للأمن القومى، وفرانك وولف النائب الجمهورى الذى دعا لاجتماع عقد فى الكونجرس للجنة المعروفة باسم َِّّكِّفك المعنية بحقوق الانسان فى المنطقة، وكذلك وفد من مجلس العلاقات الخارجية ضم هنرى سيجمان أحد أصحاب الفكر السياسى الموضوعى الذى عقد لقاءات مع عدد من النخب المصرية وسكوكروفت مستشار الأمن القومى الأسبق، والذى له اعتراضات وتحفظات على سياسة الادارة الأميركية ازاء بعض القضايا العربية، بالاضافة الى كل من جون هيلين مساعد وزيرة الخارجية للشؤون السياسية والعسكرية وكريستين سيلفر برج مساعدتها لشؤون المنظمات الدولية·
يفضى التوقف عند مفاصل العلاقات بين البلدين الى التأكيد على أن هناك حزمة من القواسم المشتركة تعد أحد أركان الابقاء على حرارتها وتعزز من فرص تجاوز الخلافات الطارئة، جراء أى تباعد فى الرؤى أو تعارض فى الحسابات، ويمكن التوقف عند أربعة من القواسم التى نظرت الادارات الأمريكية المتعاقبة إليها باعتبارها ركيزة أساسية للحفاظ على علاقات دافئة على الأقل وتحول دون الانسياق وراء أى حملات تحريض من هنا أو هناك·
الأول: إن مصر هى التى قادت مسيرة التسوية السياسية مع اسرائيل، ولو لم تحدث هذه الخطوة الاستراتيجية لتغير وجه الشرق الأوسط برمته، فاتفاقية 'كامب ديفيد'، اذا كانت حققت بعض المكاسب المصرية المباشرة ،فانها أخرجت عمليا مصر من دائرة الحرب فأصبحت دول المواجهة الأخرى مكشوفة أمام اسرائيل، وبصرف النظر عن التقويمات المختلفة للاتفاقية وتداعياتها ،فأهميتها فى نظر واشنطن أنها كانت بداية حقيقية لتدشين مشروعاتها الطموحة فى المنطقة وتطبيق سياساتها مع دولها بطريقة أحرزت مجموعة من الأهداف الاستراتيجية، كما أن تقديرات السياسة المصرية تعتبرها نقلة نوعية فى مجال التفرغ للبناء الداخلى الذى أنهك بسبب الحروب مع اسرائيل، وتفرض الأهداف التى حققتها الاتفاقية للجانبين ( مصر والولايات المتحدة ) المحافظة على مكاسبها من وجهة نظره الذاتية، لأن جرعات التوتر تخلق عقبات فى طريق كل منهما، مما يؤثر على مساعى الأمن الذى ترغب فى توفيره داخل المنطقة، وهناك أزمات ساخنة قابلة للانفجار تحتاج الى جهودهما لترتيب أوراقها ، فمهما تردد من اجتهادات حول تراجع دور مصر الاقليمى فان تأثيراته بالتفاعل أو الاحجام سوف تظل كبيرة·
والثانى: يتعلق بملف الارهاب، وهو من أكثر الملفات التى تحظى بتوافق نسبى، فمصالح كل دولة معرضة للتهديد بسبب العمليات الإرهابية التى اتخذت أسلوبا تدميريا فى الآونة الأخيرة، وألحقت أضرارا متنوعة بمصالحهما ،وبالتالى فهذا الملف يبقى محل تقدير من الدولتين، ويبذل كل طرف، بصورة فردية أو تنسيقية، محاولات لقطع دابر الارهاب، لكن المشكلة التى تطفو من حين لآخر هى أن ثمة خلافا حول مسمى الارهاب، لأن الولايات المتحدة دأبت على تعمد الخلط بينه والمقاومة، انسياقا وراء التعريف الاسرائيلى المغلوط، وهو ما تتحفظ عليه دوائر مصرية كثيرة، لكن تبقى محددات الارهاب من أكثر عناصر الجذب فى العلاقات المشتركة·
والثالث، القبول بانخراط اسرائيل فى اتفاقيات تعاون اقليمى، بعيدا عن الاعتراضات الشعبية فى مصر بهذا المنحى، فعلى المستوى الرسمى هناك قبولا بالانخراط معها فى اتفاقيات تعاون، الأمر الذى تسعى لتكريسه وتعميمه الولايات المتحدة، ليس فقط مساعدة لاسرائيل كمدخل لتطبيع علاقاتها الاقليمية، لكنه ينطوى على أهداف تخدم المشروعات الأمريكية فى المنطقة، ويبدو الدور المصرى أحد ركائز ضبط التوازن فى معادلة التعاون المرجوة، انطلاقا من قناعات جديدة تسود بعض النخب السياسية بشأن التطورات العالمية التى تحتوى على مكونات متعاظمة للتعاون، سواء فى اطار قطرى - ثنائى أو جماعى - اقليمي·
والرابع: حرص مصر على عدم الابتعاد عن الدائرة العربية، وفشل واشنطن فى استكمال ترتيباتها فى المنطقة خلق مصلحة مشتركة تقوم على منافع متبادلة مقصودة أو غير مقصودة،لكن كل دولة تحاول الوصول إلى أغراضها بالطريقة التى تحقق أهدافها الاستراتيجية، فمثلا توجد محاولات خارجية لتهميش مصر اقليميا من جانب عدة جهات، بينما تسعى القاهرة الى مقاومتها دبلوماسيا، فعندما تلجأ اليها الولايات المتحدة للقيام بدور فاعل فى أى أزمة اقليمية، كالعراق أو سورية، تتقدم ليس حرصا على مساعدة واشنطن سياسيا، بل لأن هذا الدور تجنى من ورائه مصر جملة من المصالح الرئيسية، فلا توجد دولة تعمل ضد مصالحها ،وعلى هذا الأساس بقيت القاهرة مؤثرة فى محيطها، مع تفاوت درجات التأثير، حسب الأزمة وتعقيداتها وطبيعة الدور وأهدافه النهائية·
أربع قضايا خلافية
إذا كانت المعطيات السابقة تحافظ على درجة متينة من ثبات العلاقات، فإن عوامل التوتر الكامنة والتى تتصاعد من وقت لآخر ، يصعب الاستهانة بمضامينها، وفى هذا السياق يمكن الاشارة لأربع قضايا خلافية متفاوتة، أولها اقتصادى، حيث لا تزال الإدارة الأمريكية تعتقد أن خطوات الاصلاح الاقتصادى فى مصرى أقل من المستوى المطلوب، وثانيها يخص العلاقة مع اسرائيل، ففى تقدير دوائر كثيرة أن العلاقات المصرية مع تل أبيب لم تتخلص بعد من برودتها، وثالثها بشأن المعونات الأميركية التى دخلت فى السنوات الماضية حيز التخفيض التدريجى، وسط رغبات أمريكية تطالب بوقفها نهائيا وممانعات مصرية تريد الحفاظ عليها، ورابعها يتعلق بالأقباط الذين كانوا يشنون هجمات اعلامية موسمية على الحكومة المصرية، ثم بدأت حملاتهم تأخذ أشكالا منتظمة وتلقى تعاطفا من نخب أميركية·
لكن يظل ملف الاصلاح السياسى الأكثر الحاحا،حيث تعتقد الادارة الأميركية أن الخطوات المصرية فى هذا الفضاء غير كافية، والمعضلة تكمن فى وجود وجهات نظر متباينة، فالبعض رأى ضرورة التمهل وفرملة الضغوط على القاهرة خشية مزيد من الصعود السياسى للاخوان المسلمين، وهناك من طالب بالاستمرار فى هذا المنوال، اتساقا مع المبادئ والشعارات الديمقراطية التى ترفع واشنطن لواءاتها، وفى خضم هذا التقاطع بدأ مؤشر الحملات التحريضية التى تقودها بعض وسائل الاعلام الأمريكية يتزايد عقب الانتخابات التشريعية ويجد تجاوبا من قطاعات ومؤسسات متعددة فى الولايات المتحدة، وتكفى الاشارة الى أن مؤسسة 'كارنيجـى للسلام الدولى' تراجعت عن عزمها فتح مكتب لها لمتابعة عملية الاصلاح السياسى فى المنطقة ونقلته الى بيروت، وسيستمر ملف الدكتور أيمن نور ذريعة أساسية فى التوجهات السلبية نحو مصر، لأن مشكلته جرى التعامل معها بحسباتها خرقا لحقوق الانسان، ومع ذلك فالمشكلة الأصعب أو الأكثر حساسية هى ملف القبول بجمال مبارك كرئيس لمصر بعد والده، وبرغم ظهور اشارات تؤكد القبول بهذا السناريو، إلا أننا نلاحظ أخرى تسير فى الاتجاه المعاكس، مما يعنى أن هذا الملف يخضع وما زال للأخذ والرد الطويلين·

اقرأ أيضا

مقتل 3 عراقيين في انفجار عبوة ناسفة شمالي العراق