الاتحاد

دنيا

الأمة الإسلامية على موعد مع «شهر الفرحتين»

من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه

من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه

الأمة الإسلامية مقبلة على شهر الفرحتين فرحة بالفطر وفرحة عند لقاء الله سبحانه وتعالى عندما يظلنا شهر رمضان المبارك الذي نزل فيه القرآن وخصه الله تعالى بفضائل كثيرة، حيث تغلق فيه أبواب النار وتفتح أبواب الجنان، وتصفد الشياطين وتتنزل الرحمات، وتغفر الذنوب وترفع الدرجات، وتزداد الطاعات، ولله فيه عتقاء من النار، والله تعالى أمرنا أن نكون من السابقين إليها ومن المتنافسين للفوز بخيراته وفضائله، مصداقاً لقوله تعالى: «وفي ذلك فليتنافس المتنافسون» - سورة المطففين آية 26.
ويقول الدكتور علي جمعة- مفتي الديار المصرية- إن شهر رمضان المعظم‏ هو أفضل شهور السنة لما فيه من خيرات وطاعات ونفحات، وهو شهر الصلاة والقيام والقرآن، وفيه فرص عظيمة للتوبة والرجوع إلى الله تعالى والإنابة إليه‏. وقال إن المسلم مطالب بأن يقف مع نفسه ومع ربه ليضع برنامجاً لكيفية الإنابة إلى الله تعالى في هذه الأيام المباركة.‏‏
وأكد أن المسلمين عندما يرون هلال رمضان لابد أن يقبلوا على الله تعالى بالاستغفار والإنابة، والفرح والاغتباط بإدراك مواسم الخيرات، وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا رأى الهلال يدعو «اللهم أهله علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحب وترضى هلال خير ورشد، ربي وربك الله».
ويضيف أنه يجب في أول ليلة من رمضان أن ينوي المسلم الصيام بمشيئة الله تعالى شهر رمضان لوجه الله تعالى، موضحاً أن النية لها أهمية كبيرة في الإسلام فهي التي تحدد هدف الإنسان ووجهته وقصده في كثير من الأمور، لذا يقول الرسول- صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته الى ما هاجر إليه»، وقال- صلى الله عليه وسلم: «من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له»، والإجماع هنا هو الإحكام والعزيمة.
وقال إن النية محلها القلب ولا يشترط النطق باللسان والنية في الصوم إما ركن أو شرط على اختلاف الفقهاء. ويرى بعض الأئمة أن النية واجبة التجديد لكل يوم من أيام رمضان ولا بد من تبييتها ليلا قبل الفجر وأن يعين الصائم صومه إذا كان فرضاً بأن يقول نويت صيام غد من شهر رمضان، ويرى بعض العلماء أن القدر اللازم من النية هو أن يعلم بقلبه أنه يصوم غداً من رمضان، وإذا استطاع الإنسان أن يعقد النية كل ليلة من ليالي رمضان فهذا هو الأصل والأفضل، وإذا خاف أن ينسى أو يسهو فلينو في أول ليلة من رمضان أنه سوف يصوم بمشيئة الله تعالى شهر رمضان الحاضر لوجه الله، ولم يشترط الأحناف النية في صيام رمضان لكونه صيام فرض، فما دام قد أدى الصيام بامتناعه عن الطعام والشراب فيكون صومه صحيحاً.
ويقول: يجب على الصائم ألا يعرض صيامه لما يفسده ويضيع ثوابه فيمسك أعضاءه وجوارحه عن كل ما يغضب الله تعالى ويضيع الصوم كالغيبة والنميمة، والقيل والقال، والنظر إلى ما حرمه الله تعالى، والخصام والشقاق، وقطع الرحم مصداقاً لقوله- صلى الله عليه وآله وسلم: «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر»، فكل ما أذهب التقوى أو أضعفها يذهب بثواب أو يضعفه لأن الصيام شرع لتحصيل التقوى، قال تعالى: «يا أَيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون» البقرة 183.
ويقول الدكتور أحمد عبده عوض- أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة طنطا- إن الكثير من المسلمين يقعون في خطأ الجهل بحقيقة الصيام فقصروه على الإمساك عن الطعام والشراب، فلا يحرصون على استقبال الشهر الكريم بالتوبة النصوح، والعزيمة الصادقة على اغتنامه، وعمارة أوقاته بالأعمال الصالحة، والابتهال إلى الله تعالى للإعانة على حسن عبادته.
ويوضح أن المولى عز وجل جعل لشهر رمضان منزلة عظيمة، وخصه عن غيره من الشهور بكثير من الخصائص والفضائل منها أن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر الملائكة للصائمين حتى يفطروا، ويزين الله في كل يوم جنته ويقول: «يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤونة والأذى ثم يصيروا إليك»، كما تصفد فيه الشياطين، وتفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق أبواب النار، وفيه ليلة القدر هي خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم الخير كله، ويغفر للصائمين في آخر ليلة من رمضان، كما أن لله تعالى عتقاء من النار في كل ليلة من رمضان.
وقال إن الرسول- صلى الله عليه وسلم- سن قيام رمضان ورغب فيه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- قال: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»، وهذا القيام يتحقق بصلاة التراويح التي اختص بها شهر رمضان، ومعنى قيام رمضان إيماناً، أي تصديقاً بما وعد الله الصائم من الأجر، واحتساباً، أي محتسباً ومدخراً أجره عند الله تعالى لا عند غيره، وذلك بإخلاص العمل لله تعالى.
وأضاف أنه وردت روايات عديدة صحيحة تدلنا على أن النبي- صلى الله عليه وسلم- صلى التراويح ثماني ركعات، وصلاها عشرا، واثنتي عشرة ركعة، بحسب الأحوال التي كان عليها، ولهذا قال العلماء إن أقل صلاة التراويح ثماني ركعات وأكثرها لا حد له، وما أجمع عليه الفقهاء الأربعة هو أن تصلى عشرين ركعة.
ويؤكد أنه من المندوب ختم القرآن كاملا في صلاة التراويح، بحيث يوزع جزء منه كل ليلة، ويجب على الإمام تخفيف الصلاة على المأمومين، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من صلى بالناس فليخفف»، وليس معنى التخفيف الإسراع في صلاة التراويح إلى الحد الذي لا يتمكن معه المأموم من إتمام الركوع والسجود والطمأنينة التي هي فرض تبطل الصلاة بدونه، بل التخفيف هو عدم التطويل مع إحكام القراءة وإتمام الأركان، والطمأنينة واحدة من هذه الأركان.
ويقول الدكتور زكي عثمان- أستاذ ورئيس قسم الدعوة بجامعة الأزهر- إن شهر رمضان هو شهر القرآن، ويقول الله: «شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان» البقرة 185، فكان الصحابة والتابعون يغلقون مجالس العلم ليختلوا بالقرآن ويتفرغوا له، وكانوا يتواصون بالعمل الصالح، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أَجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة.
وأضاف أن شهر رمضان فرصة عظيمة للتقرب إلى الله تعالى ومراجعة النفس، ومعاهدة الله سبحانه على الصدق والإخلاص والعمل الصالح، وعلينا أن نتعلم من الرسول- صلى الله عليه وسلم- ونقتدي بالصحابة في الحرص على قراءة القرآن في رمضان وختمه مرة وأكثر، والإكثار من تلاوته ليلا ونهارا فقد كان عثمان بن عفان -رضي الله عنه- يختم القرآن في رمضان مرات عديدة ويقوم الليل كله بالقرآن، وكان الإمام مالك يختم القرآن كله في ليلة.
ويقول: يجب علينا أن نترك التراخي والكسل والانشغال بالطعام والشراب، وأن نبتعد عن الإسراف والتبذير، قال الله تعالى: وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيراً إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا» الإسراء 26- 27، ويجب أن نجتهد لإحياء سنن الشهر الفضيل، وننبذ البدع والأهواء وكل ما يلهي ويصرف عن العبادة، وذلك بمعرفة آدابه وأحكامه، فالصيام فيه ضبط للنفس على الطاعات ومنعها عن الشهوات. فقد كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يبشر أصحابه ويقول: «أتاكم رمضان شهر مبارك، شهر جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعا»، وكان -صلى الله عليه وسلم- يكثر من أنواع العبادة.


شهر الشفاعة

يؤكد الدكتور محمود الصاوي -الأستاذ بجامعة الأزهر، أن أجر الصائم عظيم لا يعلمه إلا الله عز وجل، كما في الحديث، قال الرسول- صلى الله عليه وسلم: قال الله عز وجل:» كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به»، والصيام يشفع لصاحبه يوم القيامة عند الله تعالى، ويكون سبباً لغفران الذنوب والمعاصي، قال الرسول -صلى الله عليه وسلم:» الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان»، فالإقبال على الطاعات يشعر الإنسان بالراحة النفسية والرضا في كل وقت.
إن الأمة مطالبة بمعرفة فضل شهر رمضان والاجتهاد في العبادة بالتصدق على الفقراء والمساكين والإحسان إليهم، وإطعام الطعام وافطار الصائمين، وصلة الرحم والتآلف مع الأهل والأصدقاء والجيران، وتطهير القلب من الحقد والحسد والغيرة والبغضاء، ومن المهم الحرص على تناول السحور، ويقول الرسول -صلى الله عليه وسلم: «السحور كله بركة فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء، فإن الله عز وجل، وملائكته، يصلون على المتسحرين»، وأيضا اختيار الأوقات الفاضلة الخاصة بالشهر المبارك كرؤية الهلال والإفطار والإمساك، والدعاء عند الإفطار، وتحري ليلة القدر في العشر الأواخر من الشهر، وغيرها من هدي وآداب.

اقرأ أيضا