الاتحاد

دنيا

البيوت أسرار

كما تدين تدان

نورا محمد (القاهرة) - جارتي امرأة ودود، تستطيع أن تكسب حب أي شخص، رقيقة الجانب، حلوة المعشر، حسدت نفسي عندما تعرفت عليها وبدأنا نتبادل الزيارات ويبدو من إمكانياتها انها سليلة عائلة ثرية، تتحدث مثل علية القوم الذين نشاهدهم في التلفاز، هي التي بادرت بالزيارة الأولى، وجدت فيها نضوجا في التفكير، فقد بلغت الخامسة والاربعين ولها خمسة أولاد من البنين والبنات، بعضهم انهى تعليمه الجامعي، والباقون مازالوا في مراحل الدراسة، اعرفهم جميعا بحكم الجيرة ونتبادل التحية كلما التقينا، لكن ابنتها الكبرى لم أرها، ولا اعرف إلا اسمها واتذكر ان جارتي ذات مرة قدمت لي صورتها، وكأنها تعرفني بها فهي متزوجة ولها اطفال وتقيم في بلدة اخرى وهي ليست شقيقة لابنائها، وانما هي ابنتها من زوج اخر قبل زوجها الحالي، لم اسألها ان كانت طلقت منه أو توفي، خشية ان يكون في السؤال حرج لها، وهذا بالنسبة لي جهل لا يضر وعلم لا ينفع ويستوي الأمر ان كان هذا أو ذاك، ولا يعنيني من قريب أو بعيد، وهذا حدثٌ مرت عليه سنوات طويلة، ربما يكون أيضا فيه جرح لها، وانا بطبعي لست «حشرية» ولا فضولية، واترك لمن امامي الاختيار التام فيما يريد أن يقول أو فيما يود ان يسكت عنه وما يهمني الآن هو هذه الشخصية التي اتعامل معها في حدود «الجيرة»، ويحكم هذا التعامل الود والاحترام، صحيح أن لقاءاتنا قليلة، وجلساتنا عزيزة لا تتكرر إلا كل عدة أشهر، لكن هذا يكفي فأنا مشغولة بعملي واسرتي وزوجي، وهي مشغولة بأسرتها وان كانت لا تعمل فتقضي بعض الوقت في الشركة الصغيرة التي يملكها زوجها اسفل البناية التي نقيم فيها، ولان زوجي من النوع المنغلق على نفسه ولا يفضل التوسع في العلاقات مع الجيران او الاصدقاء بل يرفض تبادل الزيارات العائلية إلا مع الاقارب سواء من عائلتي او عائلته فلم تجمعنا أنا وجارتي وزوجينا أي لقاءات على الاطلاق، رغم عدم وجود ملاحظات أو موانع.
وبلا سبب تباعدت لقاءاتي بها واقتصرت على تبادل التحية عند التلاقي صدفة، ومع انشغالاتي ازدادت هذه الفجوة لكنها لم تكن جفاء، فأمور الحياة كثيرة والوقت لا يكفي لقضاء احتياجاتنا، وكأنني اريد ان تزداد ساعات اليوم لانجاز ما عليّ، وحدث ما لم يكن مناسبا لهذه الجارة الوقور، فقد تناولت الألسنة تصرفاتها وهي تكثر الجلوس مع جارها الشاب الذي لم يبلغ الخامسة والعشرين أي في عمر ابنائها، وأحيانا تعلو اصواتهما بالضحك، ورفض المحيطون طريقتهما في الكلام همسا حتى لو كان ذلك في وضح النهار وامام المارة وعلى مقربة من العمال بشركة زوجها، فتلك تصرفات لا تليق بأي امرأة، خاصة لو كانت مثلها، ولأنني لا أهتم بهذه الامور، وعلاقتي بها شبه مقطوعة لم يشغلني ذلك ولم أتتبع الحديث عنه، وان كنت ارى بعيني هذه الجلسات وبالطبع أستنكرها، فهي مرفوضة شكلا وموضوعا ولا يقبل بها أحد، وعلى الاقل يجب على كل انسان الا يضع نفسه في موضع الشبهات، ولم استطع أن أقدم لها نصيحة لانها لا تهمني في شيء، وخشية ان تفسر نصيحتي خطأ فأقع في الخطأ، ولان زوجها واولادها يرون ذلك ويغضون عنه الطرف، ولا اعرف تفسيرهم، أو كيف ينظرون إلى هذه التصرفات، واخيرا قد يكون عندهم ما لا يعرفه الآخرون، لكن في النهاية فإن الناس لا يعرفون إلا الظاهر ويحكمون عليه، أما البواطن فلا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، لكن هذه اللقاءات ازدادت وتقاربت مواعيدها، ويتخللها تناول المشروبات والاطعمة على مرأى ومسمع من الجميع، فازداد الحديث عنها بين الجيران في كل البنايات المحيطة، وان كانوا لا يتهمون المرأة بسوء السلوك، ويشهدون أنها على خلق، لكنهم يرفضون المشهد، فهو لا يليق بواحدة مثلها.
وفجأة اصبحت الشركة تغلق ابوابها لأيام متواصلة، يتخللها وقت قصير يحضر فيه صاحبها لساعات معدودة، وبالطبع تأثرت حركة البيع والتعاملات فيها، أما الحدث الذي يلفت الانتباه، فقد اختفت المرأة تماما هي وابناؤها ولم يعد لهم أثر، ولا يعرف احد عنهم أي شيء، حتى جاءت الطامة الكبرى والنبأ الفاجعة، الذي لم يصدقه أحد بسهولة، وصدم الآذان وزلزل الاركان، المرأة الوقور التي في خريف العمر، تزوجت جليسها الشاب الذي في عمر ابنائها، ولا ندري اين ذهب ابناؤها وان كانت بعض الاخبار تقول انها استأجرت لهم مسكنا وحدهم، وتعيش عروسا مع عريسها، وظهرت علامات الانكسار واضحة على الزوج الذي بدت عليه آثار الزمن سريعة، فقد جاوز الخمسين بقليل، لكن بعد هذا الحدث يبدو وكأنه على مشارف الثمانين، شارد الفكر، لا يهتم بشركته، فصب الناس عليها لعناتهم وجام غضبهم، وهم يستنكرون فعلتها، ووصفوها بالأفعى الناعمة، بل قالوا انها ماكرة خبيثة خدعتهم بالود الزائف والوقار المزعوم، وتزداد اللعنات كلما جاء الرجل لعمله وقد اضطر ليبيع مسكنه كأنه يتخلص من كل شيء يذكره بها، بل بعد ذلك باع الشركة ليمحو نفسه من هذا المكان الذي شهد حياتهما السابقة، وزواجهما وإنجاب ابنائهما، ورواج تجارته، لكنه لا يستطيع ان يمسح الماضي من الذاكرة، ولا ان يزيح الاحزان من القلب، فقد خيمت عليه وعششت فيه والتصقت به، فجعلته عليلا موجوعا، كل ما استطاعه ان يخلع نفسه من المكان لكنه لا يمكنه ان يخلع المكان من داخله، ولا نعرف شعور الابناء ولا موقفهم، وما اذا كانوا مؤيدين لامهم او انهم يرفضون تصرفها، وهل كانوا متعاطفين مع ابيهم، لكن المؤكد انهم لن يكونوا على الحياد.
الغريب ان الناس من حولنا كانوا مهتمين بكل التفاصيل والتطورات ويتابعون ما يدور حتى لو كان نسجا من الخيال فيحصلون على معلومة، ويبنون عليها السيناريوهات والتوقعات، يحاولون ان يعرفوا ماذا يحدث لكل واحد من ابطال الحدث، يضربون أخماسا في اسداس، بل ان بعضهم يدلي بتوقعاته فيما هو آت، حتى ان احدهم جنح بخياله وفكره، وقال: ربما ينتهي هذا الامر بجريمة فقد يفقد الرجل اعصابه ويتوجه اليها ليقتلها انتقاما لكرامته السليبة وشرفه الجريح، فلا يمكن ان يقبل أي رجل عنده حرارة ما فعلت به، وذهب آخر إلى أنه ربما يموت كمدا وحسرة، ورأى بعض اصحاب الأعصاب الهادئة انه لن يحدث شيء لا هذا ولا ذاك، لانهم يرون بكل بساطة ان هذه مجرد امرأة، طلقت من زوجها لتتزوج آخر، وقد انقطعت علاقته بها بالطلاق، فهي اذن الآن لا تعنيه.
ومرت اشهر طويلة وبالفعل لم يحدث شيء ولكن جاءت من الجارات من تتحدث إليًّ بصوت خافت ولكن كانت مثل الفائز في سباق او الذي كسب معركة طويلة او كما يقولون جاءت بالذئب من ذيله، ولانها تعرف طبيعتي وعدم شوقي وتلهفي لمعرفة هذه النوعية من الاشخاص ومتابعتها، ولأنها ايضا تستمتع وهي تروي لي التفاصيل، فقد واصلت الحديث عما جاءت به، فهي تخشى ان اقطع متعتها هذه، اخبرتني أن هذا الرجل العجوز يستحق أكثر مما حدث لانه هو نفسه خطفها من زوجها الأسبق، أتدرين ابنتها الكبرى من يكون ابوها؟
إنه زوجها الأول يقولون انه رجل طيب كان ثريا، وانجبت منه هذه الابنة وقبل ان تكمل معه عامها الخامس تعرفت على هذا الثاني وبعد عدة أشهر اخذها من زوجها وتركت ابنتها الكبرى التي كبرت فيما بعد وتزوجت، وها هي تعيد الكرة مرة ثانية، بل شاء الله ان يتعرض الرجل لمثل ما قدمت يداه وان يشرب من الكأس التي اذاقها لغيره من قبل، والبادئ اظلم، وكما يقول المثل واحدة بواحدة، وتأكد ان هذه المعلومات حقيقية، ووقعت الاحداث كذلك بالفعل، فتحول الناس باللوم على الرجل، وأخذ نصيبه من لعناتهم وغضبهم، بل اجمعوا على أنه يستحق اكثر من ذلك، فلماذا يستحله لنفسه ويحرمه على غيره وان كان كل ما حدث مرفوضا برمته. لم يمر عام واحد حتى عاد «العريس» الشاب الى بيت اسرته، فقد ترك لها المسكن الذي اشترته بأموالها وحاولت ان تستحوذ عليه فيه، جاء يعلن رفضه لاغراءاتها، ويؤكد انه وقع في خطأ جسيم كاد يدفع بقية حياته ثمنا له، يلوم نفسه على الاقتران بعجوز في سن أمه، اوقعته في شباكها كأنه مغيب عن الوعي، فاقد العقل رفض الانصياع لمخططها، تمرد على السجن الذي اودعته فيه، كشف كل ما كانت تتستر وراءه.
فرح المعنيون من الغرباء والمقربين بفشل هذه الزيجة لانها قائمة على مصالح، ومبنية على اسباب مرفوضة وتمت بطريقة ممجوجة، ترفضها الفطرة السليمة، كاد الناس في المنطقة يقيمون الافراح والليالي الملاح احتفالا وابتهاجا بهذه النهاية رغم انهم لا ناقة لهم ولا جمل، ولا مكسب ولا خسارة في كل ذلك، اما المرأة الوحيدة التي بكت للمرة الثانية، فقد بكت من قبل عندما تمت هذه الزيجة غير المتكافئة وغير المعقولة، وها هي تبكي ثانية، انها أم «الشاب» المطلق الصغير لا تدري ان كانت تبكي على خسارته وفشله في تجربته ام على نجاته وخلاصه وعودته اليها، وهي التي امسكت عن الحديث في هذا الموضوع منذ بدايته حائرة كالغريق الذي لا يجد للشاطئ ملمحا من أي اتجاه.
لكن الصغير لم يتعلم الدرس ولم يدرك من التجربة فائدة فقد عاد الى مطلقته العجوز بمجرد ان أسمعته بكاءها، وجاءه صوتها يبثه كلمات الغرام والحب والهيام، وتخبره بدموع التماسيح عن ضعفها وعدم قدرتها على الحياة من دونه، واوهمته انه الرجل الوحيد في هذه الدنيا، وستضع كل ما تملك بين يديه، فهو يستحق اكثر من ذلك، وكان وقع الكلمات ساحرا، وسلبه التفكير مرة اخرى، كان مثل المنوم مغناطيسيا لا يمكنه التحكم في تصرفاته، ولا انفعالاته ولا يستطيع ان يحكم على الامور بواقعية.



ميزان العدالة

الحقد الأعمى

أحمد محمد (القاهرة) ـ حصلت على مؤهل متوسط، ولم أجد به وظيفة أو عملا، فاتجهت إلى العاصمة حيث الاضواء التي تبهر القرويين أمثالي وهناك الفرص كثيرة ومتعددة، بل ان الناس يخترعون اعمالا لانفسهم لتسيير أمورهم، ووجدت فرصة للعمل كنادلة في كافيتريا أقدم الطعام والمشروبات للزبائن الذين كانوا يغدقون عليّ ويعطونني الاموال اشفاقا وعطفا أو محاولة لجذب انتباهي اليهم، وبعضهم كنوع من الاستدراج لمحاولة فتح حوار معي والتقرب إليَّ وصولا الى اغراض دنيئة، وكنت في صراع نفسي شديد، فلست قادرة على مواجهة هذا السيل الجارف والسهام النارية التي تلاحقني من كل اتجاه في كل لحظة، وبين ما يدره عليّ هذا العمل من أموال، حتى لو كنت في بعض الاحيان اشعر بالسعادة كأنثى، خاصة انني في العشرين من عمري، ومجرد كلمة ناعمة تتلاعب بمشاعري، وتحرك اوتار احاسيسي، وحاولت قدر المستطاع ان تكون ابتسامتي أقصى ما يحصل عليه أي رجل مهما يقدم من أموال، وهذه ايضا كان بعضهم يسيء تفسيرها.
وفي هذا العمل تعرفت على زميلتي «فاطمة» ظروفها واحوالها نسخة مني تقترب من التطابق، هادئة ووديعة وجذابة وكأن في هدوئها سحرا، تشد به عيون الزبائن بل وكل الرجال في الطريق، كنت ألاحظ ذلك وأنا اسير معها في الشارع بعدما جمعت بيننا الصداقة، لكنني بدأت اغار لان هؤلاء الذين كانوا يتهافتون عليَّ ويتمنون مجرد الحديث معي، تحولوا بكل اهتمامهم وعيونهم اليها وحدها، فشعرت بهذه الغيرة كأنها ضرتي واخذت مني زوجي، حتى وان كنت من قبل لا اهتم بهؤلاء ولا اريد منهم شيئا، ولا انكر انه غمرتني السعادة عندما اخبرتني بانها ستتزوج فقد تقدم أحد الاشخاص ويعمل تاجرا لطلب يدها، ولم تكن سعادتي لانها ستتزوج وانما لانها ستترك العمل معي، فأعود مرة اخرى إلى بؤرة الاضواء والاهتمام وتذهب من تنافسني إلى غير رجعة.
اسابيع عدة مضت، ووجدتني بحاجة إليها فهي تقيم قرب عملي وانا اسافر يوميا عشرات الاميال ذهابا وجيئة واعاني وعثاء السفر، ففكرت في زيارتها والمبيت عندها أحيانا، ولا اعتقد انها ستمانع في ذلك، فزوجها بحكم عمله في التجارة كثير الاسفار والغياب عن المنزل ولم ينجبا بعد، وصديقتي ليس لديها ما يشغلها، فقد تجد في وجودي بجوارها أنيسا لوحدتها ومن المؤكد انها ستراعي الصداقة التي كانت ومازالت بيننا، وتذرعت بحجة تقديم التهاني لها على الزواج، وحملت علبة حلوى وتوجهت اليها، وكما توقعت، صرخت من الفرحة عندما رأتني، وعلى حد تعبيرها انها لا تصدق عينيها، فتفاءلت خيرا بأن الخطة قد نجحت وقدمت لي مشروبا باردا وجلست بجواري وهي ترتدي ملابس فاخرة باهظة الثمن، وأنا اجوب بعيني كل ارجاء الشقة واتفحص دهاناتها واثاثها الذي يبدو عليه انه ثمين، ولا يخفى على أحد انه من الانواع الراقية التي لا يستطيع ان يقتنيها سوى الاثرياء، وفي يديها مصوغات مثل تلك التي تظهر في اعلانات نجمات السينما، أما المطرقة التي هوت بها على ام رأسي فقد اخبرتني بأن زوجها يذوب فيها عشقا وسجل عقد تمليك هذه الشقة الفسيحة باسمها، وفتح لها حساباً في البنك وأودع به مبلغا كبيرا، كانت كل كلمة من هذه الكلمات كالرصاصة تخترق صدري، كأنها اشعلت في قلبي نارا، لم أقدر على اخفاء كل ذلك وظهرت بعض علامات الحقد على وجهي، وقضيت بقية ليلتي عندها لا اعرف للنوم طعما، وعانيت بالسهد والارق، اتقلب في فراشي الوثير، وكانت متاعبي وغيرتي أكبر بكثير من ذلك الفراش الوثير إلى ان غادرتها في الظهيرة متوجهة الى عملي، لا شيء داخلي غير سؤال واحد يتردد ويتكرر، لماذا تحصل «فاطمة» على كل هذا، وقد كانت مثلي وأنا لم أحصل على أي شيء مما هي فيه من خيرات ونعم، وقد كنا معا في العمل وظروفنا متشابهة؟ لماذا لم يقع رجل مثل زوجها في غرامي؟ ولم أجد جوابا.
لم يمنعني عدم ارتياحي لما هي فيه من زيارتها لان المبيت عندها يرحمني من متاعب السفر، وفي نفس الوقت استمتع ببعض ما هي فيه، وذهبت مرة أخرى إليها لكنها لم تكن كسابقتها، فقد وجدت زوجها في البيت والمفاجأة أنه لم يبد ارتياحا لزيارتي، فازداد غيظي وبخاصة انني قضيت ليلتي وحدي في غرفة كأنني محبوسة داخلها، ولم اتوقف عن الزيارة التي هي اقرب للمصلحة، وهنا وقعت المفاجأة الكبرى التي لم اتوقعها، فبعد لحظات قليلة من وجودي، كانت صديقتي تعتذر وهي تبلغني بقرار زوجها بأنني غير مرغوب في حضوري ويجب ان اغادر والافضل ألا أعود أبداً لانه يرى انني لست على خلق وملابسي خليعة وأعمل بمهنة غير محترمة حتى لو كانت زوجته تعمل بها من قبل، لكنها توقفت وتركتها، لم يكن أمامي غير اختيار واحد وهو الانصراف غاضبة ولكن بعد ان ألقيت عليها وابلا من الشتائم حاولت بها ان أنهي الموقف، وخرجت لا أكاد ارى الطريق، لقد جرح كرامتي، يجب ألا يمر الموقف السخيف مرور الكرام، لابد ان انتقم وارد الصاع صاعين.
لم اعد ارى الا الانتقام، كنت مصرة عليه فلا سبيل لشفاء صدري الا به، توجهت إلى «مينا» الذي يتردد على محل عملي، عاطل يبحث عن المال من أي مكان وبأي وسيلة، لا يهم مصدره، ولا فرق عنده بين الحلال والحرام، اغريته بما لدى صديقتي من اموال ومجوهرات وأجهزة واشياء ثمينة حتى سال لعابه، اتفقت معه على قتلها هي وزوجها «أشرف» الذي اهانني، واتفقنا على ان نتقاسم الغنيمة، والغريب ان «مينا» لم يتردد لحظة، بل وافقني على الفور وتعجل التنفيذ ووضعت الخطة المحكمة المتقنة، وكانت قد مرت عدة أسابيع على واقعة طردي، واتصلت بصديقتي، ادعيت انني تزوجت وانني سوف افتح معها ومع زوجها صفحة جديدة وننسى خلافات الماضي، وان زوجي يرغب في التعرف عليهما وخشيت ان ترفض، لكن وافقت وحددت لنا موعد الزيارة.
قضينا وقتا يبدو من ظاهره انه ممتع، زوجي وزوجها يلعبان النرد وانا وهي في جلسة نميمة متواصلة اكدت لها انني سامحتها هي وزجها ونسيت ما فعله وصفحت عما مضى، وعفا الله عما سلف، حتى قامت لزوجها تطلب منه ان يحضر لنا عشاء من أحد المحال القريبة، وزادت من حقدي عليهما انه يسمع كلامها وقد استجاب على الفور، هنا جاءت الفرصة على طبق من ذهب، وبمجرد ان توجهت «صديقتي» إلى المطبخ توجهت خلفها واستللت سكينا ووجهت لها سبع طعنات متوالية، وهي تصرخ والدماء تتدفق منها، تجري وانا ألاحقها، تتوسل فأجيبها بطعنة اخرى وصديقي يساعدني حتى سقطت على الأرض غير قادرة على الحراك، بعدما لطخت دماؤها معظم جدران الشقة ومفروشاتها، وقبل ان نجهز عليها، حضر زوجها وفتح له صديقي وعاجله هو الآخر بعدة ضربات، لكن واحدة منها في القلب كانت كافية لانهاء حياته، وتدفق دمه ايضا في الصالة وألقيت على «فاطمة» نظرة سريعة فوجدتها هامدة، واعتقدت انها ماتت، وحملنا ما خف وزنه وغلا ثمنه وبادرنا بالهروب.
لم اصدق عندما ألقى ضباط الشرطة القبض عليّ فلم نترك وراءنا دليلا واحدا يشير الينا أو يديننا، إلا أنني صدمت كما لو كنت تعرضت لصاعقة كهربائية، عندما علمت أن «فاطمة» لم تمت وانها فقط فقدت الوعي وقام الجيران بنقلها إلى المستشفى وانها هي التي ابلغت عنا، وها نحن نواجه الاعدام بعدما رفضت الحياة، وتمردت على واقعي وظروفي.

اقرأ أيضا