أحمد مراد (القاهرة) قبل 20 عاماً من الآن، جمعت علاقة مشبوهة ومصالح مشتركة بين تنظيم القاعدة والنظام الحاكم في قطر، وهو الأمر الذي ظهر جلياً في أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2011، حيث أكدت معلومات ودلائل أن الدوحة عملت على تسهيل العمليات التي كان يخطط لها التنظيم الإرهابي، ومن ذلك إيواء الدوحة للعقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، خالد شيخ محمد، وحين علمت الأجهزة الأميركية مكانه في قطر أبلغته السلطات القطرية ففر هارباً. وكان جمال أحمد الفضل، وكيل أعمال مؤسس تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، قد كشف أن جمعية قطر الخيرية، كانت واحدة من مصادر دعم وتمويل بن لادن، وذلك بحسب ما صرح به أسامة بن لادن لوكيل أعماله في عام 1993. وبحسب وثائق تمت مصادرتها من قبل القوات الأميركية خلال الهجوم على مقر أسامة بن لادن السكني في باكستان، اتضح أن قطر كانت بمثابة جهة مفضلة لعناصر وقيادات القاعدة، ففي رسالة لأسامة بن لادن إلى زوجته خيرية صابر نصحها بالذهاب إلى الدوحة أو سوريا. وفي وقت سابق، كشفت تسريبات مخابراتية أن فرع تنظيم القاعدة في سوريا يحصل على الدعم المالي من خلال تبرعات لأفراد قطريين، وكذلك من خلال جمعيات قطرية تدعي القيام بالعمل الخيري، وفي هذا الإطار جاءت مبادرة «مدد أهل الشام»، والتي استفادت من تبرعات سخية في قطر، وأرسلتها إلى فرع القاعدة في سوريا. وفي هذا الإطار، أكدت مجلة «فورين بوليسي» الأميركية، في أحد تقاريرها أن هناك علاقة آثمة تجمع بين قطر وبين تنظيم القاعدة، موضحة أن التنظيم الإرهابي حظي برعاية متكاملة من الدوحة طوال عدة أعوام ماضية. ورصدت العديد من الأجهزة الأمنية والمخابراتية في الكثير من دول العالم قائمة موسعة من الشخصيات القطرية التي نشطت بشكل بارز في مجال جمع الأموال لتنظيم القاعدة، وجاء على رأس هذه القائمة سعد بن سعد الكعبي، الذي حرص على تقديم دعم سخي لفرع تنظيم القاعدة في سوريا من خلال المنصات الرقمية، كما برز في هذا الإطار اسم عبدالرحمن النعيمي، الذي كان يشغل مواقع مرموقة في الحكومة القطرية، حيث كشفت التقارير الأمنية والمخابراتية أنه كان يرسل أكثر من مليوني دولار أميركي شهرياً إلى مقاتلي القاعدة في العراق، وأرسل مئات الآلاف من الدولارات إلى المقاتلين في سوريا، الأمر الذي جعل الولايات المتحدة الأميركية تعتبره إرهابياً في عام 2013، ورغم ذلك مازال يعيش حراً طليقاً في الدوحة حتى الآن. وفي قائمة الشخصيات القطرية المتورطة في دعم وتمويل تنظيم القاعدة، يأتي خليفة محمد تركي السبيعي، والذي شغل منصباً مرموقاً لدى مصرف قطر المركزي، ويعد السبيعي أحد أهم ممولي التنظيم الإرهابي في الشرق الأوسط، حيث قدم ملايين الدولارات إلى مجموعة خراسان التابعة لتنظيم القاعدة في سوريا خلال السنوات الماضية. وفي السياق ذاته، يأتي الدعم المادي الذي يقدمه رجال أعمال قطريون لتنظيم القاعدة، ومن أبرز هؤلاء رجل الأعمال القطري سالم حسن خليفة راشد الكواري، والذي يوصف بـ «ممول القاعدة»، وقد وضعته الولايات المتحدة الأميركية على لائحة المتهمين بتمويل الإرهاب عام 2011، وفي أكتوبر 2014، نشرت وزارة الخزانة الأميركية وثائق تثبت تورط رجل الأعمال القطري في تقديم دعم مالي ولوجستي لتنظيم القاعدة، وذلك بالتعاون مع قطري آخر اسمه عبدالله غانم الخوار، حيث عمل الأخير على تسهيل انتقال عناصر إرهابية، وساهم في الإفراج عن عناصر من القاعدة عبر إيران، وقام كلاهما بتسهيل السفر للمتطرفين الراغبين في السفر إلى أفغانستان للقتال هناك. ويضاف إلى ذلك، الدعم الإعلامي الذي قدمته قناة الجزيرة لتنظيم القاعدة على مدى العقدين الماضيين، حيث دأبت القناة القطرية على إذاعة وبث البيانات الرسمية الصادرة عن «القاعدة» والانفراد بلقاءات مع قياداتها، بداية من اختيار التنظيم للقناة لتنفيذ أول تحقيق مصور من داخلها عن أحداث 11 سبتمبر، وحتى حوارها مع أبي محمد الجولاني، زعيم جبهة النصرة، جناح القاعدة في سوريا في سبتمبر 2016، فضلا عن استضافتها لعبدالله المحيسني، مشرع جبهة النصرة في نوفمبر2016. وفي اليمن، نُشرت العديد من التقارير الإعلامية التي أشارت إلى تورط جمعية قطر الخيرية بدعم وتمويل تنظيم القاعدة بأكثر من نصف مليار دولار خلال العام الماضي تحت لافتة مشاريع وأنشطة خيرية. وتعليقاً على العلاقة المشبوهة التي جمعت بين قطر والقاعدة، كشف المحلل السياسي، د. رفعت سيد أحمد، مدير مركز يافا للدراسات العربية، أن قطر أنفقت ما يزيد على 10 مليارات دولار في أقل من ست سنوات منذ اندلاع ما سمي الربيع العربي على دعم وتمويل تنظيمات وجماعات دينية وسياسية تمارس الإرهاب والذبح، وفي مقدمتها تنظيم القاعدة. وأوضح د. رفعت أن قطر أنفقت كل هذه المليارات من أموال شعبها، ليس حباً بالثورات ولكن تأدية لوظيفة خلقت من أجلها، فتلك الإمارة ليست سوى شركة على هيئة دولة، وهذه «الدولة - الشركة» وجدت مصادفة على رمال الخليج، ولأنها لم تكن قادرة بذاتها على أن تعيش وتحمي نفسها، فما كان منها إلا أن بحثت عن الحلفاء الأقوياء الذين كانوا عبر تاريخها الممتد هم «الحماة» لأمنها وأمن الأسرة الحاكمة تحديداً، وهم «الصناع» لدورها ووظيفتها، ومن هنا يأتي بذل المال بسخاء على هيئات وتنظيمات إرهابية، وبقول أكثر وضوحاً، إن واشنطن وبعض عواصم الغرب ــ وأحياناً تل أبيب بحكم العلاقات الدافئة مع الدوحة ــ قد أمروا جميعاً الإمارة المرتهن قرارها بأيديهم أن تنفق هذه الأموال، فأطاعت خاصة في زمن الربيع العربي الملتبس. وقال د. رفعت: ثمة أوجه أخرى للحقيقة تحتاج إلى كشف وبيان خاصة حين تقول تقارير صادرة عن نائب وزير الخزانة الأميركية لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية ديفيد كوهين، إن ثمة 20 شخصية قطرية تم جمع معلومات وافية عنها قامت بتمويل عمليات الإرهاب في العالم خارج نطاق الدور الذي حددته واشنطن للإمارة، وإن هؤلاء بدأوا يلعبون خارج المرسوم لهم ولدولتهم ومن أبرز الأسماء ذكرتها التقارير، خالد محمد تركي السبيعي وهو الممول الأول لخالد شيخ علي أحد زعماء القاعدة، وهو من المدبرين الكبار لأحداث 11 سبتمبر، وقد ظل دور السبيعي ــ سبق اعتقاله في بيروت بتهمة دعم الإرهاب في سوريا ثم أفرج عنه لاحقاً تحت الضغط القطري ــ ممتداً من دعم لتنظيم القاعدة في باكستان وأفغانستان إلى جبهة النصرة في سوريا من خلال المدعو أشرف يوسف عثمان عبد السلام وعمار القطري، بملايين الدولارات لنشر الفوضى باسم الدين والثورة. وأشار د. رفعت إلى أن الدور الوظيفي لقطر ازداد وضوحاً على نحو ملحوظ بعد اندلاع ما سمي بثورات الربيع العربي، التي عشقتها قطر إلى حد الهوس، وأضحت تسمي كل فوضى وكل إرهاب «ثورة»، وكانت أدوارها في أغلبها مدمرة للأوطان التي كانت متماسكة من خلال دعم الجماعات المسلحة خاصة تلك الملتحفة زيفاً برداء الدين، بالمال والسلاح، وهو السلاح الذي تم جلبه من دول عدة منها مؤخراً أوكرانيا، وكانت الحدود التركية السورية البوابة لدخول هذا السلاح إلى سوريا والعراق، ومعسكر «أضنة» كان المكان الأبرز لتدريبهم، حيث وصل تعدادهم في البلدين إلى ما يزيد على 40 ألف مقاتل من خارج سوريا والعراق ومن داخلهما. أما الباحث المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية، ماهر فرغلي، فقال: الدوحة رعت تنظيم القاعدة في المنطقة العربية عن طريق عدة محاور، أبرزها الدعم المالي غير المباشر، ويتمثل في الأموال التي تدفعها قطر للتنظيم الإرهابي، تحت غطاء «الفدية»، ففي أبريل 2016، دفعت قطر فدية في جنوب ليبيا بحجة الإفراج عن رهائن من شمال أفريقيا، وكان المقصود منها دعم معسكر القاعدة بمنطقة الجفرة. ومن جانبه، أوضح المحلل السياسي، د. وحيد عبدالمجيد، أن هناك أسئلة كثيرة تنتظر إجابات تكشف خبايا الصفقة التي عقدها حكام قطر مع ميليشيات تابعة لإيران في العراق، وأخرى تابعة لتنظيم القاعدة في سوريا، وقد طلبت مصر من مجلس الأمن فتح تحقيق دولي بشأنها، وقد بدأت قصة الصفقة في الظهور عندما أعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي يوم 26 أبريل الماضي أن السلطات في بغداد صادرت حقائب تحوي مئات الملايين من الدولارات كانت على متن طائرة قطرية خاصة، ولمح إلى أنها جزء من فدية لتحرير رهائن قطريين اختطفوا في محافظة المثنى في ديسمبر 2015، وتبين أن المبالغ التي تحدث عنها تمثل جزءاً من فدية تم الاتفاق على دفعها لميليشيا كتائب حزب الله العراقي التي يديرها الحرس الثوري في طهران، وشخصيات إيرانية، ضمن صفقة لإطلاق سراح أولئك المختطفين. وقال د. وحيد: قيمة الفدية الممنوحة لهذه الميليشيا كانت تبلغ نحو 700 مليون دولار، أما الفدية الثانية الممنوحة لجبهة تحرير الشام «جفش»، والتي كانت تعرف سابقاً باسم «جبهة النصرة» في سوريا، والتابعة لتنظيم القاعدة فتبلغ ما يقرب من 300 مليون دولار مقابل الإفراج عن مسلحي ميليشيات عراقية تابعة لإيران. وأضاف: ومن بين أسئلة كثيرة تثيرها هذه الصفقة الواسعة المتعددة الأطراف، تبدو علامات الاستفهام كبيرة أمام أسئلة عديدة مثل دلالة استمرار اختطاف القطريين لهذه الفترة الطويلة التي تزيد على عام، ولماذا يؤكد رئيس الوزراء العراقي أن الدوحة لم تطلب تدخل حكومته للإفراج عنهم؟ وهل كان متصوراً أن يتواصل اختطافهم طوال هذا الوقت لو صح ما يقوله مسؤولون قطريون عن أنهم طلبوا تدخل الحكومة العراقية، وأسباب عدم طلب الدوحة مساعدة أطراف عربية ودولية في تحريرهم. أما السؤال الأكثر أهمية فهو عن مغزى توسيع نطاق صفقة لتحرير مختطفين في العراق لتشمل سوريا على مستويين، أولهما إشراك «جفش» فيها، وإذا كانت الميليشيا العراقية الخاطفة أصرت على ذلك، ألا يعد إصرارها دليلا على ثقتها في وجود علاقة بين الدوحة وهذه المنظمة التابعة لتنظيم القاعدة؟ والمستوى الثاني هو شمول الصفقة اتفاق بين «جفش» وميليشيات تابعة لإيران على تسوية أزمة أربع بلدات كانت تحت الحصار، ونقل سكانها إلى مناطق أخرى، على نحو يمثل جريمة تهجير ديموجرافي كاملة الأركان. وبدوره، لفت الإعلامي والسياسي د. جمال زايدة، أستاذ الإعلام والصحافة بالأكاديمية العربية البحرية، إلى أحد التقارير الصادرة عن مؤسسة «الدفاع عن الديمقراطيات» الأميركية، وهو عبارة عن 3 أجزاء كتبها «ديفيد أندرو وينبرج» ويكشف فيه قضية تمويل قطر للإرهاب، وحدد التقرير 20 شخصاً موضوعين في القائمة السوداء للولايات المتحدة وللأمم المتحدة لاتهامات بتمويل الإرهاب استفادوا من التمويل القطري، فضلا عن أنه كشف أبعاد العلاقة الحميمة بين المسؤولين القطريين وممولي الإرهاب من تنظيم القاعدة قبل 11 سبتمبر2001، وتوفيرها ملجأ للإرهابي خالد شيخ محمد العقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر، كذلك أشار التقرير إلى المسؤولين القطريين الذين اتهمتهم واشنطن بالإرهاب أو بتمويل الإرهاب. وأكد زايدة أن عدم وجود رد فعل من جانب قطر تجاه تلك الاتهامات يثير أسئلة حول آراء الأسرة الحاكمة في قطر تجاه المواطنين القطريين المتهمين بتمويل الإرهاب باعتباره جريمة تستوجب العقاب.