الاتحاد

دنيا

الموريتانيون يواجهون شح المياه بحفر الآبار عشوائياً وتجميعها من الحنفيات العامة

حفر الآبار بشكل عشوائي أحد الحلول التي يلجأ إليها الموريتانيون للحصول على المياه

حفر الآبار بشكل عشوائي أحد الحلول التي يلجأ إليها الموريتانيون للحصول على المياه

يواجه الموريتانيون نقصاً شديداً في الماء خاصة في فصل الصيف حيث يشتد الحر وتزداد الحاجة للماء، وتعاني أحياء عديدة في نواكشوط من قلة المياه ويستغل بائعو المياه الذين يتجولون بشاحناتهم أو عربات تجرها الدواب ضعف إمدادات الماء خلال الصيف لرفع أسعار المياه ومضاعفة معاناة فقراء الأحياء العشوائية.

تطغى ندرة المياه على أحاديث الموريتانيين في فصل الصيف حيث يحاول الجميع البحث عن طريقة لسد حاجتهم من الماء، من خلال ملء زجاجات وأواني المنزل في الساعات الأولى من الفجر حيث تصل المياه إلى المنازل في هذا التوقيت فقط في اليوم أو بالشراء ما يحتاجون إليه من باعة المياه الجوالين أو بالسفر خارج نواكشوط حتى تنتهي أزمة المياه.
أسباب النقص
تعاني موريتانيا من شح موارد المياه العذبة حيث تغطي الصحاري أغلب أراضي البلاد ويستهلك الري نسبة 70% من الماء المتوافر في موريتانيا، ومن أسباب نقص المياه في موريتانيا تزايد الطلب على الماء في الوسط الحضري، والتلوث المنزلي والصناعي ومحدودية استعمال السقي بالتنقيط في العالم القروي والنزاعات حول موارد الماء وارتفاع الكثافة السكانية والعمران، وفشل الإدارة في الحفاظ على الموارد المائية المحدودة.
وبحسب الإحصاءات الرسمية فإن حوالي ثلثي سكان نواكشوط لا تصلهم المياه، بينما تعاني مناطق واسعة شرق البلاد من شح المياه النظيفة، ويمثل القحط أهم التحديات التي تواجه موريتانيا بسبب عدم إلمام المزارعين بالسبل الصحيحة لتصريف المياه العذبة.
ووفق دراسة حديثة، فإن مصادر موريتانيا من الماء هي الأقل استقراراً في العالم، حيث جاءت موريتانيا ضمن الدراسة التي تعرضت لاستقرار مصادر المياه في 165 دولة لديها خطر في مصادر مياهها، ضمن الدول الأقل استقرارا إلى جانب السودان والصومال، واعتبرت الدراسة أن 30% فقط من سكان موريتانيا يحصلون على مياه صالحة للشرب.
الصراع على الماء
يعد الماء في بعض مناطق موريتانيا أثمن من الذهب وتوصف هذه المناطق بأنها أكثر مناطق البلاد تتهددها مخاطر الماء واختلال توازن الموارد المائية، ومن بين هذه المناطق منطقة “أفطوط” التي تعاني نقصاً كبيراً في المياه، لاسيما قرية “نيبام” المحرومة تماماً من المياه والتي يوجد أقرب مصدر للمياه على بعد 12 كيلومتراً منها، وتقول خديجة بنت محمود من سكان القرية إنها تشتري برميل ماء سعة 200 ليتر بدولارين، وأحياناً كثيرة لا تجد المال الكافي لشراء هذا البرميل بسبب السعر المرتفع للماء وتكتفي بشراء عبوة أصغر من 40 ليترا، وتضيف “إذا استمر سعر الماء في الارتفاع فلن نستطيع شراءه لأن إمكانياتنا المالية محدودة”.
ولا تقتصر “أزمة العطش” كما يطلق عليها الموريتانيون على القرى النائية بل أن العاصمة تتعرض كل صيف لأزمة نقص المياه لاسيما في أحياء “توجنين” و”بوحديدة” و”عرفات”، ويتزاحم أمام الحنفيات العمومية عشرات النساء والأطفال من أجل ملء أوعيتهم من الماء، وبينما تطوف مئات من العربات التي تجرها الدواب الأحياء العشوائية وضواحي العاصمة نواكشوط، تقف الشاحنات الكبرى لنقل الماء عند نقاط توزيع المياه في انتظار زبائنها الميسورين الذين يستطيعون شراء الماء بكميات كبيرة وتخزينه.
رداءة النوعية
المياه ونظراً لنوعيتها الرديئة تهدد صحة السكان، ويعد الأطفال الصغار أكثر المتضررين من نقص المياه وتلوثها، حيث تتضاعف حالات الإسهال ومخاطر التسمم بينهم، وينقل باعة المياه الماء في عبوات يكسوها الصدأ غير آبهين بالشروط الصحية، وتستقبل المستشفيات يومياً عددا لا يستهان به من الحالات التي تعاني من أعراض التلوث بسبب عدم توافر المياه الصحية واستهلاك مياه ملوثة.
وفي المناطق الريفية يزداد الوضع توتراً بسبب الصراع على المياه بين القبائل خاصة حين تتفاقم الأزمة المائية بسبب الجفاف وسيطرة بعض القبائل على الموارد المائية، وتؤثر ندرة الماء على الحياة في المجتمعات الزراعية حيث يواجه المزارعون معركة سنوية مع الجفاف ويتحول الريف والأراضي الزراعية القليلة إلى صحراء وكثبان رملية جارفة نتيجة لقلة المياه.
وفي ظل نضوب الموارد المائية الجوفية الناجم عن الإفراط في الاستغلال، وتدهور الواحات التي تلعب دوراً حيوياً في ضمان التوازن البيئي، يخوض السكان القرويون، حرباً ضروساً ضد العطش ويواجهون صعوبات في حفر الآبار كحل وحيد لتوفير حاجياتهم الأساسية وسقي مزارعهم بعد أن لم تفلح المياه المنقولة عبر الشاحنات الصهريجية في حل مشاكلهم.
مواجهة الأزمة
يقول الخبير الاقتصادي محمدو ولد الزين إن المشاريع الفلاحية استنزفت إمكانات البلاد من الماء من خلال الاستغلال المفرط والعشوائي للموارد المائية دون احترام للتدابير الإلزامية التي تسخر هذه الثروة لمواكبة التطور الاقتصادي والديموغرافي، ما أدى إلى تدني الفرشة المائية والمياه الجوفية إلى مستويات قياسية نتيجة توسع المساحات المخصصة للزراعة واعتماد المستثمرين على الضخ غير الرشيد للمياه بواسطة آليات متطورة.
ويوضح أن موريتانيا تعاني من نقصٍ في المياه بسبب ندرة مواردها المائية من جهة ولزيادة النمو الديموغرافي من جهة أخرى، وما نتج عنه من مضاعفة كميات المياه المستخدمة في الأغراض الشخصية، مما انعكس على حياة الناس، ويضيف “حيث يقل الماء يتركز الفقر فالفئات المحتاجة تتضاعف معاناتها بسبب الفقر والحاجة والمرض وقلة الماء، وحيث إنها تعتمد في الغالب على الزراعة والرعي فإن مصدر عيشها مهدد باستمرار”
ويشير ولد الزين إلى أن هناك خطة لزيادة النفاذ إلى ماء الشروب بأسعار في متناول الجميع وبصفة مستديمة وتقليل نسبة الأفراد الذين يعانون من نقص المياه الصالحة للشرب بتزويد مناطق العاصمة والشرق بالماء الصالح للشرب، من خلال مشروع “أفطوط” الساحلي الذي سيتيح التزود بالمياه العذبة من نهر السنغال (175 كم جنوب العاصمة).
ويرى ولد الزين أن الواقع يفرض تجديد السياسة المائية من أجل تجاوز الوضع الحالي، من خلال الاعتماد على مقاربة مندمجة تقوم على تشييد السدود وتحلية مياه البحر خاصة في ظل انخفاض تكلفة المتر المكعب المتأتي من التحلية، إضافة إلى الري بأنظمة أكثر فعالية لا تسبب تبديد المياه وحفر الآبار وبناء السدود لحجز مياه الأمطار لأغراض الشرب والزراعة إضافة إلى تخصيص أنشطة للتوعية بأهمية المياه والمحافظة عليها والسعي إلى إيجاد مصادر جديدة للماء.
وأعلنت الحكومة الموريتانية مؤخرا عن سياسة تنمية قطاع المياه، التي تهدف إلى توفير ماء الشرب والصرف الصحي ورفع نسبة التغطية على المستوى الوطني من 40% إلى 68% مع أفق 2015 مع تكثيف وتوسيع الشبكات في المحيط الحضري وشبه الحضري والريفي وإنجاز منشآت مائية جديدة.

اقرأ أيضا