الاتحاد

ثقافة

زوربا.. الروح على طبيعتها

لقطة من فيلم زوربا اليوناني للمخرج مايكل كاكويانيس

لقطة من فيلم زوربا اليوناني للمخرج مايكل كاكويانيس

اسمه «ألكسيس زوربا»، رجلٌ حقيقي.. نقي وفريد.. جسدٌ من لحم ودم يمثّل المعنى الخالص للحياة بفطرته وجماليته. وما أروعه حين يأتينا بطلاً في روايةٍ، نقرَؤها لنتخيّل وجهه ونشكّل ملامحه بما يتناسب مع حاجاتنا وأحلامنا، وكأنه «نحن» المغمورة في أعماقنا ولا نستطيع إخراجها لأسبابٍ لا تُعد ولا تُحصى..
منذ الصفحات الأولى، يدرك قارئ «حياة ألكسيس زوربا ومغامراته» التي كتبها اليوناني نيكوس كزانتزاكيس أنه أمام رواية مخطوطة بعناية عن فلسفة الحياة، لكنها فلسفة مبسّطة وبالغة الصدق صاغها إنسان بسيط عجنته التجارب الحقيقية وسمحت له باستكشاف الخلطة الغريبة بين الجغرافيا والتاريخ والسياسة والعلوم الإنسانية دون تنظير أو مبالغة. وبينما يظلّ باحثاً عن السعادة بمفاتيحها الأساسية: السكينة، الحب، والأمان، لم يمنع نفسه من التساؤل والتفكير بماهية الوجود والعدم.
يضعنا كزانتزاكيس في هذه الرواية أمام عدة مستويات من الحياة واللغة والتفكير، وقد استطاع أن يجسّدها جميعاً في خطين متوازيين متناقضين، لكنهما يلتقيان في رحلة إلى الساحل الكريتي. الخط الأول «الريس» ـ الرجل المثقف الذي يدلّ على كزانتزاكيس نفسه، وهو رجل الكلمة والقراءة أو كما ذكر في الرواية «جرذ الكتب»، والثاني «زوربا» رجل الفعل الذي وقفت الكتب بما فيها من أفكار وفلسفات ونظريات ومعتقدات، عاجزةً أمامه.. حيث إنه وبالإضافة إلى أفكاره وعواطفه الكثيرة المزدحمة داخله، لديه من الجرأة والفطرة ما يكفي ليعيش التجارب ويختبر الحياة خارج صفحات الكتب والمخطوطات بكل شغف واندفاع، وليحارب الخطر والتعب والشيخوخة بالرقص والموسيقى. وفي المحصّلة، يبدو من الرائع أن نجمع بعض فلسفة زوربا الفطرية، سواء تلك التي نطقها بنفسه في الرواية أو تلك التي كتبها كزانتزاكيس ليوصّفه بها، وذلك لنشكّل منها مخطوطة سحرية عن مفاتيح الحياة، أو على الأقل لتكون أسئلة لنا نفكّر بأجوبتها.

«أدركت أن زوربا هو هذا الإنسان الذي كنت زمناً طويلاً أبحث عنه ولا أعثر عليه: إنه قلبٌ نابضٌ بالحياة، وحنجرةٌ دافئة، ونَفسٌ عظيمة برية على طبيعتها، لم ينقطع الحبل السري بينها وبين أمها الأرض. ما هو جوهر الفن؟ أليس هو عشق الجمال؟ أليس هو الطهارة والعاطفة الجامحة؟.. إن هذا العامل (البسيط) قد فسّر لي هذا الجوهر، وأوضحه من خلال كلماته البسيطة التي تنضح بالإنسانية».
***
كانت الأحداث المعاصرة بالنسبة إلى فكر زوربا تدهورت وتفسّخت وغدت من سقط المتاع، طالما أن بوسعه بالفعل تجاوزها داخله. وبالتأكيد فإن التلغراف والباخرة والسكك الحديدية والتصرفات السائدة والوطن والدين، أمور من شأنها جميعاً أن تبدو داخله سياسات عفا عليها الزمن. فقد كانت روحه تتقدم وتنطلق أسرع بكثير من حركة الدنيا من حوله.
***
إن هناك سراً! أجل هناك سر كبير! فهل من أجل أن يتوصل العالم إلى الحرية لا بد من اقتراف كل هذه الجرائم الدموية، وكل هذه الفعال المهينة المخزية؟ وما هو السبب؟ فلو أنني جلست لأعدد لك الفعال المخزية والمذابح التي اقترفناها، لوقف شعر رأسك قرفاً وهلعاً. ومع ذلك فماذا كانت النتيجة؟ إنها الحرية! فبدلاً من أن يقذفنا الله بصاعقته ليحرقنا، فإنه يمنحنا الحرية! لا لست أفهم شيئاً!.
***
«وماذا بعد؟ إياك أن تحزن يا ريّس، فإنك لن تجد حداً أو نهايةً للحزن».
***
دع الناس في حالهم هادئين! يا ريّس، ولا تفتح عيونهم، فلو أنك فتحت أعينهم فماذا عساهم يرون؟ سيشاهدون شرهم وبرودة حياتهم! دع عيونهم إذن مغمضة كي يحلموا!.
***
إن المتوحشين في أفريقيا يعبدون الأفعى، لأن جسمها بأسره يلمس ثرى الأرض، وهكذا تعرف أسرار الأرض جميعها.. إن الأفعى تعرف هذه الأسرار عن طريق بطنها وذيلها وأربيتها ورأسها. إنها تلمس وتشم وتصبح متوحدة مع الأرض الأم. وزوربا على هذا النحو من التوحد، أما نحن المثقفين فإننا طيور السماء الحمقاء الخرقاء.
***
أرأيت يا هذا كيف انحدر حال البشر؟ أفٍ لهم! ويا ليتهم يهلكون! إنهم ينحّون جانباً أجسادهم ويصابون بالذهول والخرس، ولم يعودوا يتحدثون سوى بألسنتهم وأفواههم. ولكن ماذا عسى أن يقول الفم؟ أجل ماذا عسى أن يقول اللسان؟
***
لو أننا كنا نحيا في العصور القديمة الأولى للخليقة، لكان زوربا رئيس قبيلة عرقية، ولمضى في الطليعة أمام بني جلدته، ولشقّ بمعوله الطريق لهم.
***
وأنا أفكر في العدم. فكل الأمور عندي سواء، وكل شيء يتساوى مع أي شيء، يتساوى عندي أن تكون عندي امرأة أو لا أحظى بامرأة، أن أكون شريفاً أو أن أكون وغداً، أن أكون من الباشوات أو حمالاً، كل ما يهمني فحسب هو أن أكون على قيد الحياة لا ميتاً، فهذا أمر جد مختلف في نظري.
الموت ذاته ليس بذي خطر بالنسبة لي، فهو مجرد نفثة تطفئ نور الشمعة، أما الشيخوخة فهي عار ثقيل الوطأة.
***
حياة كل إنسان عبارة عن خط صاعد هابط، وهي في كل مرحلة معرفية من مراحلها مصحوبة بالكابح، أما فيما يتعلّق بي، يا ريّس، فهنا تكمن قيمتي، إذ أنني طرحت بعيداً ـ منذ أمد بعيد ـ بالكابح الذي يكبح جماحي، لأن المطبات والعوائق لم تعد تخيفني..
***
كل إنسان له جنونه الخاص به، غير أن أشد أنواع الجنون في تصوري هو ألا تجنح إلى الجنون.
***
لم أكن أدري هل أعقّب أم أضحك، أم أُعجب بمثل هذا الإنسان البدائي الذي يعلو على قشرة الحياة بما فيها من منطق وأخلاق وشرف ونزاهة، ليصل إلى الجوهر أو الماهية. إنه يفتقر إلى جميع الفضائل الصغيرة، وكذلك المفيدة جداً والمجدية، ولا يظل لديه سوى فضيلة واحدة صعبة المنال غير متاحة وخطرة، وهي تدفعه ـ بطريقة لا يمكن مقاومتها ـ من أعلى ذروة نحو الهاوية.
***
إن العقل بالفعل رب أسرة مدبر حصيف، لا ينفق كل مدخراته، بل يبقي دوماً شيئاً للزمن الغدار، كما أنه لا يقطع الخيط أبداً فهذا الوغد يمسك الخيط دائماً بقوة في يده، لأنه لو انزلق من يده لضاع هذا التعس! غير أنك إن لم تقطع الخيط، فأية قيمة ستكون للحياة في نظرك؟
***
هذا الإنسان «زوربا» ـ بغريزته التي لا تخطئ ولا تخيب، بنظرته الفطرية المتسائلة على الدوام ـ كان يسلك أقصر الطرق وأكثرها يقيناً كي يصل بسهولة ودون مشقة ـ إبان ذروة بذل الجهد والمحاولة ـ إلى هدفه بغير جهد أو نصيب.
***
لقد اقترفت الكثير والكثير من الفعال في حياتي، بيد أنني لم أفعل سوى أفعال قليلة، والناس من أمثالي كان يجب أن يعيشوا ألف عام.

اقرأ أيضا