الاتحاد

عربي ودولي

حوار الحضارات وتأثير المواقف السياسية على العلاقات الدولية

شهرزاد العربي:
بين العجلة والنسيان يكرر الإنسان ـ فردا وجماعات وشعوباً وأمماً ـ نفس الأخطاء التي كان يرتكبها منذ آلاف السنين، ونتيجة لذلك لم يمثل لديه الإرث المشترك ـ بما في ذلك الخاص بالدماء ـ مرجعية أو دروسا ، إن لم يحفظه فعليه أن يتذكره، لكون العودة إليه تجنبه كثيراً من التوتر في العلاقات، وأمامنا اليوم حال من الاضطراب في العلاقة بين المسلمين والغرب على نحو غير مسبوق، حيث الحرب تلوح بأوزارها على نطاق واسع وبأوجه مختلفة، القوة العسكرية، الإصلاح الديمقراطي، التطاول على المقدسات ، وأخيرا التوصيف للرسول صلى الله عليه وسلم بناء على خلفية ثقافية كرستها عقود الصراع بين الديني والدنيوي في الغرب، قد يعتقد أصحابها أن التغيير في العالم الإسلامي مدخله القضاء على الدين وهم بذلك يريدون لنا الخير·
لا شك ـ أن تلك النظرة على فرض أن اصحابها أرادوا لنا الخير ـ كما ذكرت آنفاً ـ تحمل أسلوباً استبدادياً وعدائياً لنا، بعيداً عن الديمقراطية التي يدعون إليها وحين تصطدم بالخصوصية نتهم بالتخلف ورفض التحضر، بل والخروج على الشروط العالمية للتعايش، خير مثالٍ على ذلك استعانة الدنمارك بالاتحاد الأوروبي ، وبمنظمة التجارة العالمية لوقف المقاطعة من الدول الإسلامية لكل بضائعها، على اعتبار أن التعاون في المجال الاقتصادي لا علاقة له بحرية الرأي وبالإعلام، وبالطبع هذا يتناقض مع الشروط التي تصاحب القروض من البنوك الدولية، والتي منها حقوق الإنسان، ونعتقد أن من حقوق الإنسان ـ أي إنسان ـ اختيار العقيدة التي يؤمن بها، وتلك تمثل مطلباً غربياً بالأساس بدءاً من الدفاع عن الشواذ، وليس انتهاء بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول ، بما في ذلك تلك الخاصة بالقضايا الثقافية والدينية، دون مراعاة لشرعية الدول من حيث فرض السيادة أو التعبير عن الطائع والتقاليد والقيم وأو التعبير عن أساليب الحياة الخاصة والدفاع عنها·
الحوار أم الصدام؟
يقودنا الحديث السابق إلى البحث في الجانب الفلسفي ـ من منظور غربي ـ للحرية، وحدودها التطبيقية أو تلك المتعلقة بالآخر، من حيث ضرورة تركيزها على صيغة مشتركة ، وهنا يبدو الغرب غير مؤهل للاعتراف بالآخر، ومن ثم التعامل ضمن أطر الشرعية ، النابعة من قناعاته ما يؤدي إلى عجزه عن إقناع الأمم الأخرى ـ ومنها المسلمين ـ بأطره المعرفية، حيث أن التركيز على مفهوم القوة في العلاقات أفضى به إلى عدم احترام الآخر، وأحياناً رفض وجوده ـ بوعي أو بدون وعي ـ وهنا يطرح السؤال التالي : ألا يكون حوار الحضارات مدخلا لحسم كثير من الخلافات القائمة بينه وبين الأمم الأخرى؟
يمثل السؤال السابق- إن تحققت إجابته - تغييرا في العلاقات الدولية، وينتهي بنا إلى تأكيد مسألة الاستخلاف في الأرض، وهو ما تعتبره بعض القوى الفاعلة إيذانا بإنتهاء سيطرتها ودورها، حيث افتقاد البشرية في الوقت الراهن لروح النبوة التي تجلت في سيدنا سليمان - عليه السلام - عند سماعه لنصيحة النملة لبني جنسها، أي عندما تراجعت القوة لصالح الحكمة، وتم الاعتراف بنعم الخالق على عبده ··حوار الحضارات إذن ومن المنطلق السابق يعني تسليم أهل القوة بالأمر لأهل الحكمة، وهيهات أن يتحقق ذلك لأن ما تساور أهل المعمورة اليوم، القوة وليست الكمة ·
والواقع أن بعض النخب في الشرق والغرب تطرح مسألة حوار الحضارات وهي على قناعة تامة أنه لا وجود لمثل ذلك إلا على مستوى التنظير، لكون التطبيق العملي ينتهي بنا إلى أمرين :
الأول : حديث عن الماضي، وذلك في الأندلس أو إنجازات الأتراك في بعض البلاد الإسلامية الأخرى، أو حتى الذهاب بعيداً عند الفراعنة والآشوريين والفينيقيين···الخ· وتلك المشاهدة لا علاقة لها بحوار الحضارات، لأنها سياحية وبحتية أكثر منها علائقية، ومع ذلك فهي ليست محل خلاف لأن الغرب لا يطعن في تاريخيتها وأهميتها إلا نادراً، ليس هذا فقط، بل يمكن أن يحول الفعل البشري من تاريخنا إلى مقدس بهدف إلهائنا عن إبداعات الحاضر، وأحيانا يستولي على الآثار- المصرية في الماضي والعراقية في الحاضر- ويعمّر بلاده بها ·
الثاني : يتعلق بالحاضر، وهذا لا يحمل رؤية مشتركة أو متقاربة بل إنه لغة مختلفة بين الفريقين، ففي الوقت الذي يدور الحديث بين عناصر النخبة عندنا حول ' حوار الحضارات ' ، تركز النخب الفاعلة في الغرب على صدام الحضارات، على مستوى الاختراعات والمفاهيم وعالم القيم، والقلة الفاعلة والواعية لضرورة العلاقة بين الأمم مثل رئيس الوزراء الفرنسي فليب دوفيلبان، أو أمير بريطانيا تشارلز، لم تستطع التأثير على الرأي العام، ولا حتى على النخب، لأنها تطرح قضايا أكبر من الوعي الغربي، ومنها التعايش بدل التقاتل، والتعاون بدل الصراع، والحوار بدل الإقصاء، والتخصيص بدل التعميم لوقائع الإرهاب·
الحرب القادمة ··أِشد
القول بحوار الحضارات يتطب تفسيراً للأحداث ولردود الأفعال، وإذا كان لدينا نقص في توصيل الحقائق للإنسان الغربي ، فإن هذا الأخير يصر على رفض كل الصور الخاصة بنا، والتي تتعارض مع رؤيته ، ومن هنا يمكن لنا فهم ما يحدث هذه الأيام، حيث الخلط المتعمد بين حرية الرأي وبين الاعتداء على حقوق الآخرين، والذي يقلل من رصيد دعاة الحوار مع الغرب، ويزيد من دور جماعات الرفض ويبرر شرعية الأعمال القادمة تجاه الآخر مهما كانت درجة دمويتها، وستقابل بمزيد من القوة و العنف والبطش من طرف الدول الغربية، قد تكون أبشع مما حصل في أفغانستان والعراق·
نحن ـ كل البشرية ـ على أجواء حرب ضروس، تكلفتها عالية مالم يتم احتواء الأزمات، والتفكير بجدية في المستقبل المشترك، مادمنا قد عجزنا عن الاعتراف بالماضي، وفشلنا في تطوير القيم المشتركة في الحاضر، والسبب في كل هذا رفض الغرب للحوار، من منطلق أنها هناك قوى دولية كبرى يجب الخضوع لها، إضافة إلى اعتبار الدول الفقيرة والمتخلفة فاقدة الأهلية على الصعيد ين المحلي والعالمي، ولذلك هي بحاجة إلى سماع كلام الدول الكبرى وتنفيذ أوامرها·
من ناحية أخرى فإن حوار الحضارات يكون بين أمم وشعوب على نفس المستوى من القوة، كأن يكون بين مجموعة الثماني الصناعية، أو بين أميركا والصين، أو حتى اليابان والاتحاد الأوروبي، لكنه لا يقوم بين دولة كبرى وقوية مع أخرى صغيرة وضعيفة، وهذا يعني أننا بدعوتنا إلى الحوار لا نعرف مكانتنا في خريطة العالم، ليس لأنه صعب الحدوث فقط، ولكن لأن العلاقات بين الدول رغم حاجة الكبار لوجود الصغار، وحاجة الأقوياء لوجود الضعفاء قائمة على قسمة ضيزى، على ما في ذلك من مخاطر في المستقبل المنظور· نتيجة لما سبق، فإن ردود الأفعال منا ستتواصل، لأن أفعال الغرب ضدنا ستكون أوسع واشمل، خصوصا بعد أن دخلت مرحلة الصراع مع المقدسات، محاولة منها لإسقاطها، وقد تفرض الحرب علينا ـ كما هي الآن ـ ونحن لسنا أهلاً لها، وما أدرانا ألا يكون هذا كله إجماعا حول قضية مشتركة بين فرقنا المصالحة؟ لازلنا في بداية الطريق لكن النهاية معروفة، ودعاة الحداثة ـ في كل المجالات ـ يخالفون الجميع في ذلك، معتقدون أن الحل في دعواهم·

اقرأ أيضا

زلزال ثانٍ بقوة 6.4 درجات يضرب الفلبين