أشرف جمعة (أبوظبي) القراءة ضوء يغمر الروح، وغذاء يملأ الأفئدة بالحكمة والتأمل، والقارئ الذي يتذوق معاني الكلمات ويسافر في رحيقها يشعر بقيمة الحياة وعظمة الوجود، وكثيراً من الذين لمعوا في ميادين شتى من العلوم والآداب يدينون للقراءة بتثقيفهم وإشباع رغبة المعرفة بداخلهم. ورغم تعدد متع القراءة فإن هناك من تتملكه رغبة القراءة للآخر فيكتسب حلاوة في النطق والاستماع لما يقرأ وهو يتلو الحروف والعبارات على أسماع شخص ضرير أو عاجز أو عجوز. بناء معرفي يقول عبدالله الهدية مدرب تنمية بشرية: «للقراءة بوجه عام متعة، فهي تتسق مع الطبيعة الإبداعية، وتدعو للتأمل وتكسب المرء المعرفة، وتدعوه للتفكير، وفي كثير من الأحيان تشكل القراءة بصوت مسموع من شخص لآخر نوعاً من المتعة الذاتية للطرفين وتحفز بصورة ما على تنشيط الذاكرة وتسهم في بناء معرفي من الصعب أن يعتريه العطب كون مجموعة من الحواس تشترك في هذه الممارسة، لافتاً إلى أن القراءة لفرد مهما كان الهدف منها ومهما كانت مسبباتها تمثل تجربة جديرة بالتوقف عندها. تواصل جمالي ولا يخفي محمد العزام أردني مقيم في دبي أنه عاش لحظات ممتعة مع الأصدقاء حين كان يبادلهم متعة القراءة حيث تارة كان يقرأ لهم وتارة يستمع إلى بعضهم ويشير إلى أن للقراءة بصوت مسموع لها طعم آخر ودلالات خاصة في التواصل المعرفي إذ تفتح آفاقاً أخرى للنص وتسهم في إحداث نوع من التواصل الجمالي الذي يغني نفس القارئ والمتلقي معاً ويلفت إلى أنه كثيراً ما كان يدعو صديقاً لكي يقرأ له كتاباً أدبياً. تمثيل صوتي وترى الهنوف محمد أن تجربتها مع القراءة للأطفال -كونها معلمة- أسهمت كثيراً في بناء جسر معرفي بينها وبين طلابها مشيرة إلى أنها كانت تتعمد التمثيل الصوتي في أثناء قراءة الكتب التي تتخيرها لهم وهو ما أحدث نوعاً من المتعة لها ولمن تقرأ . وأضافت: ليس بالضرورة أن يقرأ المرء لشخص ضرير أو لا يجيد القراءة لكن من المهم أن يجرب الكثير من الناس هذه الأسـلوب المجـدي في المعرفة والذي يشغل الحواس ويحفــز الإدراك ويرسـخ للمعرفة». حروف عربية وتبين أميرة حنيف أنها بحكم ميولها الأدبية ،كثيراً ما كانت تقرأ جزءاً من كتاب في غرفتها بصوت مسموع، وهو ما جعلها تنطق الحروف العربية بشكل سليم ومنحها الثقة في أنها تستطيع القراءة لغيرها لافتة إلى أنها جربت القراءة لبعض الطلاب الذين يعانون إعاقات جسدية وأنها سجلت لإحدى الطالبات كتاباً صوتياً ضمن مساقها الدراسي مبينة أنها حاولت بقدر المستطاع أن تقرأ بصوت ممتع وواضح حتى يفيد ما سجلته الطالبة. وأوضحت أنها اكتشفت من خلال التجربة جماليات أخرى لهذا الأمر في وقت اكتشفت أن القراءة لشخص أخرى تسهم في تعميق الوعي بالكتاب. من أشكال التجربة الإبداعية يقول الدكتور طلال الجنيبي الباحث في الإدارة السلوكية: ليس هناك أجمل من ممارسة القراءة للآخر بصوت مسموع كون هذه الممارسة العملية تنقل شكلاً من أشكال التجربة الإبداعية برؤية مختلفة تتلاقى فيها أفكار صاحب النص الأصلي والقارئ والمتلقي وهو ما يحدث نوعاً من الرؤية المشتركة التي تغذي الفكر وتفتح آفاقاً للمعرفة بطريقة مغايرة عبر تجارب متراكمة تتضافر فيها التجارب بشكل ممتع». ويبين أن الكثير من طلاب العلم اكتسبوا معارفهم العلمية بطريقة السماع وهم الذين حرمتهم الظروف من متعة البصر وقد خرج منهم نوابغ في الحياة وهو ما يرسخ لطبيعة هذا المنحى الذي يعتمد على شخص يقرأ وآخر يستمع ويذكر أنه قرأ لكبار السن في عائلته الكثير من الكتب العامرة بالحكايات التاريخية التي كانت تلائمهم وأنه ينظر إلى هذه التجربة بعين الاعتبار.