الاتحاد

دنيا

رحيل عصام محفوظ المشهد الأخير لحارس المسرح

بيروت - رفيق نصرالله:
وحده مضى··· صامتاً، تاركاً وصيته ان لا يسير وراءه أولئك الذين نسوه عندما صادره المرض وراح يواجه الموت بصمت بعيداً عن صداقات عاشها عصام محفوظ احد رواد الحداثة في لبنان والكاتب المسرحي المجدد·
عصام محفوظ شاعر وناقد ومترجم والاهم انه أحد الطليعيين الذين مارسوا ابداعاً غير معلب، وكان احد التجديديين ممن وصفوا يوماً بالاعتراضيين المشاكسين·
صدرت له عدة مؤلفات واعمال مسرحية من أهمها 'جورج شحادة' ملوك الشعر والمسرح ثم 'دفتر الثقافة العربية'، 'عاشقات بيروت الستينات'، ثم مجموعة لبعض أعماله المسرحية كما صدر له كتاب مع الشيخ الاكبر ابن عربي·
عصام محفوظ الذي عمل في صحيفة النهار اللبنانية طويلاً من مواليد 1939 في مرجعيون بجنوب لبنان، وظل يعمل استاذاً للتأليف الدرامي في الجامعة اللبنانية من العام 1969 حتى 1975 · مسرحي متخصص من ابرز اعماله المسرحية 'الزنزلخت'، الديكتاتور، لماذا رفض سرحان سرحان، المسرح مستقبل العربية، ووضع دراسة توثيقية بعنوان سيناريو المسرح العربي في مئة عام·
وكتب عصام محفوظ في الادب والسياسة ومن اعماله: ابعد من الحرب، الارهاب بين السلام والإسلام، اعشاب الصيف، الموت الأول·
ترجم قصائد ورسائل حب لـ بول ايلوار عن دار الفارابي عام ،2003 ماركس في اميركا لهواردزن والتي صدرت عام ·2004
ومن نصوصه النقدية المميزة، مشاهدات ناقد عربي في باريس، السوريالية وتفاعلاتها العربية، ماذا يبقى منهم للتاريخ·
مات عصام محفوظ صامتاً بعد ان فجر غضبه ضد اصدقاء زمان ممن بدلهم هذا الزمن حيث عانى من المرض ولازم الفراش وحيداً متنقلاً بين بعض مستشفيات بيروت·
هنا شهادات عديدة في الكاتب عصام محفوظ من رفاق دربه ركزت على المراحل الابداعية التي عايشها·
يقول الشاعر شوقي ابي شقرا:
سافر الصديق الجميل والسمير والنديم، ونحن على مقعد حزن وهموم· وكأننا العشب يذبل سريعاً لأننا في مكان غير عذب ولا تجري تحته الأنهار·
هذا الفتى المشتعل شيباً، هذا المتوحد وذو الوحشة، وذو الصدمة، وذو الصدام، اذ كان المتعدد الصفات ومن مطلعها أثر الجدلي، والذي يدافع عن نظرته ولا يسكت أبداً، لأن الحق في رأيه الى جانبه، ولأن هذا الحق كأنه خنجر معلق على خاصرته· ولا يستكين ما دام مظلوماً وما دام يكاد أن يسقيه، وأن يشغل باله وضميره الى درجة الوسوسة·
لا يغيب
بدوره قال الشاعر عصام العبدالله:
لا يغيب··· كأنه لا يغيب عصام محفوظ·
ذلك الكرسي في المقهى شاغر، تلك الكتب المهملة والأصدقاء، ينظرون إلى بعضهم بصمت يتذكرونه ولا يصدقون·
كأنه كان حارس ما تبقى من الثقافة اللبنانية، قامة مضيئة وقلم نبيل، وشخص نبيل·
لم يقو على المرض، مع انه قويٌ على كل الاغراءات ظل متمرداً، برياً حقيقياً·
أنا افتقده كثيراً، منذ غيابه عن النهار، ومنذ غيابه عن المقهى، ومنذ وقوعه في المرض كنا نشعر ان عصام محفوظ يلوح بآخر الجمل، وبآخر الصفحات، أنا أحبه كثيراً، وأحترمه كثيراً، وحزين جداً من أجله·
الاعلامي زاهي وهبي كتب في عصام محفوظ:
عصام محفوظ من مزاج خاص، ومن طبائع نادرة، ومن طينة بلا شوائب العلاقات العامة والصداقات· مبدع، مستوحد، لم تروضه المدينة، ولا المدينية، ولا المهنة ومتاعبها·
ويقول الناقد عبيدو باشا:
لا ينكر على عصام محفوظ أنه من مؤسسي الكتابة المسرحية في لبنان، فرد من ثلة عمل كما يعمل الفدائيون· لم يكن قليلاً أن يتفرغ المرء للعمل في المسرح في المرحلة التي ألقى عليها اسم مرحلة التأسيس·
حمل عصام محفوظ في قلبه مشاريع الكتابة المسرحية· حلم بذلك كثيراً قبل أن يباشر·
ولعل الكلام على 'عليّات' والعمل في 'العليّات'، هذه في القرية الأولى هو كلام تثبيت لذلك الجهد الخارق الذي بذله محفوظ بعد مرحلة الاقتباس والترجمة في المسرح اللبناني·
أسباب مجهولة!
الروائي محمد دكروب تحدث عن روح التجدد لدى محفوظ:
نظلم عصام محفوظ كثيرا عندما نوجز الحديث عنه ببعض الكلام العام··· فهذا المبدع الفنان قدم إسهامه الإبداعي والرؤيوي في مجالات متعددة: في الشعر الحديث، أولا، وفي المسرح حيث اسهامه الأساس والبارز الى الدراسة الأدبية، والنقد، والبحث، الى ابتكارات متعددة في طرائق تقديم المعرفة والتعريف بالأعمال الابداعية والثقافية للقارئ العربي، في شكل تشويقي يتقصّده ويتقنه ويجوّد فيه··· ومن الصعب جدا أن ننسى تلك الصفحة الغنية والمتميزة التي كان يقدمها، كل يوم سبت، عبر جريدة 'النهار'، تحمل للقارئ زادا ثقافيا ومعرفيا بأفق تقدمي حداثي وجذاب··· ولأمر ما غير مفهوم! أضاعت الجريدة على نفسها، وعلى القراء، تلك الصفحة القيمة ذات الألق الخاص!
بدوره يرثي الشاعر الياس لحود عصام فيقول:
وداعاً عصام، صديقي المكافح؟!
سألتقيك دائماً بكل ما تركته من أمكنة وذكريات وقصائد وكتابات ظللت قامتك الأدبية 'الكبيرة'· منذ الطفولة وأيام الصبى الأولى وحتى آخر لحظات معاناتك· منذ جديدة مرجعيون يا صديقي (الغالية جداً على قلبك) مروراً بجميع أمكنتك التالية، ماذا أقول وكلي يتألم···
أذكر 'أشياءك الميتة' وكيف احتفلنا بها باكورة مدهشة -رغم سبقك الزمني لنا- أنا ووسام جرداق في العلية القرمدية وقد سبقنا إليك نزار مروة··· أذكر كم بدأت رائعا محبا للحياة حتى في قصيدتك المفاجئة 'الليلة الأخيرة في مصنع التوابيت'··· وأذكر 'ليلتك الأخيرة' البارحة· كم تأخرت··· أكثر من ستين سنة وأنت تراها عظيمة رغم الكارثة من مطلات جبل الشيخ إلى أعماقنا المعذبة المنحورة·
غربة وموت وحداد
للناقدة والكاتبة يمنى العيد قراءة في اللحظات الاخيرة، تقول:
شمسك على جبين البلاد··· منذ لحظات رنّ الهاتف وجاء الصوت ليؤكد لي خبر الوفاة، وكان الخبر قد تسرّب أمس، ولكن قلب عصام، كما يبدو، بقي ينبض كأنه يعلن، خافتاً، تمسّكه بالحياة·
وبدت الكتابة صعبة··· انها شأن قلبك يا عصام تأبى ان تذعن لخبر ما زال حاداً لم تصل إليه برودة الموت بعد·
أمام مكتبي، ومقابل الكنبة الكبيرة التي كنت تجلس عليها كلما زرتنا، وقفت استعرض كتبك التي كنت تحملها تباعاً إلينا، وأنا، وكما قلت لي في احد إهداءاتك: 'جارتي في الفكر والنقد والمسكن'·
صوتك يصلني وقهقهتك الساخرة بمرارة في اذني وكتابك 'الموت الأول'، الذي وقع نظري صدفة عليه، مفتوح بين يدي·
على صفحة من صفحاته الأولى وبين ورقتين من بياض رحت اقرأ ما كتبته بخط يدك:
'أمضي إلى غايتي/ وأعيني مغمضة/أحمل في صرّتي/خبزي ومجد أبي/ وسيفي الأبيض/ أمضي بلا غاية/ متوّجاً بالرمادْ/ تضيئني صورتي/ وشمسي الغاربة/ على جبين البلاد/ أرسم في غربتي/ مدينتي الغائبه/ وزرقة وحداد'·
وبدت الكتابة بعدها اصعب· فأعدت قراءة النص اكثر من مرة·· وأغلقت الكتاب على حب عصام لأبيه، ولأصدقائه، ولوطنه، وللقلم·
أغلقته على بياض قلبك يا عصام، على وحدتك، على نضالك من أجل مدينتك الغائبة· ومن أجل: 'الرجل العجوز يكنس الشارع' كما تقول 'ويبحث عن سيكارة'·
ومن أجل: 'ماسح الأحذية الصغير يراقب الأقدام في عناية'·
من أجل هذه الـ 'لماذا' التي رسمتها كبيرة على غلاف كتابك وصُغْتَ اجوبتها الجريئة كما لم يصفها أحد·
أغلقت كتابك يا عصام لأفتحه على صورتك المتوجة بعطاءاتك الفائقة الثراء في الشعر والمسرح والنقد والثقافة· أغلقته على غربتك التي هي غربة العظام حين يدركون مآل الزمان· أغلقته على سؤالك وقد قلت لي ذات يوم: 'إنها الحياة فعل سوريالي فما العمل'· وكان أن جعلت من حياتك ثمناً لنبلك وكرامتك وعزة نفسك بعد ان جعلت من قلمك وإبداعك عزاء فريداً لوحدتك·
رحل عصام الجار والصديق، لكن عصام الكاتب المبدع، والمثقف المناضل، سيبقى سيبقى صوتاً في أكثر من كتاب·
كان عصبةً وحده
الصحفي والكاتب سمير عطالله تناول البعد الانساني في شخصية عصام فقال تحت عنوان:
كان عصبة نفسه···
كان شقياً الشقاء المحزن والانفرادي، حائر النفس ومظلوماً بذاته، يحبّها ويكرهها، يعشقها ويلعنها، يقدمها الى الآخرين نفساً مضطهدة خائفة ومرتجفة، ثم ينسحب بها الى زاوية الابتعاد وحكم الحبس الذاتي الأبدي· اراد ان يكون كل شيء في الغابة السحرية، الشاعر والكاتب والمسرحي· وكان يغضب من نفسه فيريد ان لا يكون شيئا او احدا او كائنا· رأى في نفسه رائداً من رواد المسرح، ومغيّرا بلغة الخشبة، ومخترعاً مبدعاً في اللغة الثالثة، اي تبسيط الفصحى ورفع العامية· وتوقع ان يكرّس بقية الحياة والعمل من اجل المسرح· فاذا بالحرب تطبق على بيروت، والمسرح ينهار ويغلق الابواب، واذا بالمسألة كلها في ايدي القوالين والجوالين والتروبادور· وأحزنه ذلك، فأقام قطيعة بينه وبين نفسه· وراح يتذكر الخشبة التي كانت، ويحنّ الى الخشبة التي لم تكن· وتاه وحيدا ومنفرداً وشقياً في ضيق نفسه وسعة ثقافته· وأصدر على نفسه باكراً الحكم الاقسى والعقوبة المريحة: ان يكون قارئاً مطلقاً من دون أن يتحمل مسؤولية الكتابة وعطوبها وكونها امتحاناً ازلياً على حافة نبع، يوماً يغرق بصاحبه ويوماً يجف به· جرّب عصبة 'شعر' وتركها· أبدع في المسرح وتركه· وقرّر يائساً وبغير حق ان يكون عصبة نفسه ومجموعة ذاته· وخشي على نفسه من الاضطهاد فأمعن فيها اضطهاداً وانسحاباً إلى داخلها حتى لم يبق منه خارجها شيئاً·

اقرأ أيضا