الاتحاد

ثقافة

إنها الحرب يا أبي...

إنها الحرب يا أبي

إنها الحرب يا أبي

إنها الحرب يا أبي...
استهل رسالته إلى أبيه بكلمات ثلاث، ينظر إلى الجهة الأخرى فلا يرى سوى الموت، حتى الأشجار ماتت بسبب اختناقها بالبارود، يهرش رأسه ليركز في ما يكتب ولكن الطلقات النارية تقطع عليه...
كنت صغيراً يا أبي، لم أكن أعرف معنى الموت، لم أكن أعرف معنى أن أُشوه، أو أصاب بشظايا في أماكن حساسة من جسدي، لقد رأيتها رأي العين يا أبي، رأيت رفاقي وهم يتساقطون وكأنهم أجهزة كهربائية فصلت عن التيار.
يضع ورقته وقلمه، ليجول بناظره على المكان، يرتعد رهبة، لا شيء هنا سوى رياح تأتي بلقاح مميت يسمى الرصاص، رأى في أقصى الساحة شيئاً ما يتحرك، رآه ولم يكد يصدق، مر عليه زمن ليس بالقصير لم ير فيه كائناً يتحرك من مسافة بعيدة، تعود على المفاجأة، تعود على المباغتة من قبل العدو، تعود على حرب الشوارع...
أبي الغالي...
اغفر لي حلم الطفولة الذي أبعدني عنكم، كنت أحلم بشيء لا أعرف كنهه، اعتقدت أني سأكون ذلك الخارق الذي يدافع عن الخير، عن الضعفاء، وعن الحياة، لم أعرف أنني سأكون في يوم من الأيام سبباً في إنهاء حياة رجل يعيل عائلة كعائلتي، له أطفال في عمر أطفالي، له والدان وأصدقاء وإخوة، لم أكن أعرف... أقسم لك أنني لم أكن أعرف.
حمل سلاحه عن الأرض، بدأ في تقريب الصورة عبر المنظار المكبر، إنه رجل منهم، يركض ناحية رفاقه، حشد الرصاص وبدأ في التصويب، وعندما أراد الضغط على الزناد تذكر كلماته التي دونها في الرسالة.
عبر اللاسلكي هناك شخص ينادي، إنه يعرف صوته، يطلب النجدة، لقد أصابه أحدهم وهرب، وفي نهاية رسالته اللاسلكية تيقن من أنه صديق طفولته الذي لا يبعد عن ثكنته سوى عدة مئات من الأمتار، ربط بين ذلك الهارب واستغاثة صديقه وعاد بسرعة إلى زناده ورمى الأولى فالثانية والثالثة...
إنه صديقي... صديق الطفولة، لديه أم وأبناء، لديه أصدقاء أنا واحد منهم..
يقولها وسلاحه يصرخ في وجه العدو، لقد أحس بالغبن على صديق عمره، وانتقل إحساسه إلى تلك الحديدة التي بدت كأنها تريد الانفلات من بين يديه لتلحق بذلك الجبان وتقتله.
يرمي بسلاحه ويتذكر ما قد كتبه لأبيه، أي بؤس هذا الذي يجعل من الرجل رجلين؟ يرمي ودمعة حارة تستأذن في الخروج من جسده، يرميها برمشة سريعة، ويعود ليرمي ذلك الرجل، إنه الانتقام في أرحم صوره...
لقد أصابه أخيراً، ولكنه بدأ في الزحف، توقف للحظة، لم يرد أن ينهي حياته، أراد أسره أو ما شابه ذلك، خصوصاً أن صديقه لا يزال على قيد الحياة...
يسمع نداء استغاثة ثانياً من رفيقه، وقد تغير فيه صوته، حاول الخروج من خندقه ليسعفه، ولكن وابلاً من الموت هجم عليه، فاختبأ مرة أخرى، لقد بدأ صوت رفيقه في الخفوت، يشوبه تقطع كلمات ونفس سريع، تدمع عينه مرة أخرى فينبت الموت أمامه، اقتطفه... شحنه في سلاحه، وراح يرمي المصاب ورفاقه الذين يحاولون إنقاذه، رمى الحجر والشجر، رمى السماء فأصاب حلم الطفولة في مقتل، حتى انتهى كل شيء إلا ثمرات الموت ونفسَه الذي يشق صدره...
سمع في جهاز اللاسلكي أن صديق طفولته قد ودع الحياة، سمعها من المسعفين، بكى غير أن عينيه لم تدمعا، اهتز كدجاجة مذبوحة ولكن الصوت مكتوم، أخذ الرسالة ووضعها على وجهه، ولم يعرف حينها أأظلم الليل أم هي حلكة لن ينفك منها إلى الأبد؟

اقرأ أيضا

تشابهات غير متوقعة في مرايا الذاكرة