الاتحاد

ثقافة

حكاية ظلي

حكاية ظلي

حكاية ظلي

عبد الجليل لعميري

ظلي يمسح جسدي بجرة سراب! ينمحي جسدي لا رأس ولا أطراف ولا جذع....فقط كتلة ظل بلا ملامح...تتحرك تماماً كالجسد.... وتتكلم.... نعم الظل يتكلم تماماً كما يتكلم أي إنسان عادي....وبنفس اللسان العربي الممزوج بلغة محكية محلية....
وصل الظل إلى مقهاي المفضل، جلس....(هل يصح أن أقول جلس أم تمدد أم تكوّم أم غطى؟!) على نفس الكرسي الذي أفضله.... وسط المقهى على اليمين من الباب، قرب النافذة المطلة على حديقة البنك القريب....«رشيد....رشييييييد أرى شي قهوة كحلة»! انتبه الزبائن القليلون إلى الصوت الصادر من دون وجود آدمي... أغلبهم كذب سمعه وانشغل بهاتفه: «رشييييييد قهوتي». حوقل معظم الزبائن وتململوا في كراسيهم... وشرع النادل في البحث عن مصدر الصوت...
وفكر ظلي: سأدعهم في غفلتهم.... لا داعي لإثارة المزيد من الإزعاج.... عاد رواد المقهى إلى علبهم المشعة الصغيرة وكأن شيئاً لم يحدث.... استغل الظل انعدام رؤيته من طرف الرواد وشرع يجول بينهم... هذا مدمن على إرسال الصور الخليعة إلى الجميع، والبحث عن فتيات ونساء للدردشة، وتبادل ما تيسر من الكلام «الخليع»* من دون البيض... وهذا يستغل الواتساب في ألوان من النميمة سعيداً، بما وفرت له التكنولوجيا من خدمات جليلة!... وذلك الساكن دوماً بالمقهى متخصص في فتح حسابات على الصفحات الاجتماعية لممارسة هوايته المفضلة: ذم خصومه والتقول عليهم ونشر الإشاعات والأكاذيب وابتزاز البعض.... أما مدرس الرياضيات المرتكن في إحدى زوايا المقهى، فيحب ألوان الطرب الشعبي، يسمع في صمت وهو يضع سماعاته الخاصة... وبائع الخضر المعروف بصوته الجهوري يفضل العكس إشهار استماعه لأغاني المطربين الشعبين مع إظهار تجاوبه معهم، دون أن يفكر في أنه يزعج الآخرين... أما عون السلطة فإنه مشتت التركيز بين متابعة أخبار البلدة على صفحات الفيس، لأنه حريص على التلصص على حسابات أبناء البلدة.. وبين التقاط أخبار المقهى ومن جلس وتكلم... لعل كثرة اجتماعات بعض الأشخاص في المقهى حول موائد كبيرة ولمدة طويلة تحتاج إلى انتباه أكثر... السياسة والاحتجاج روائح بارع في شمها وحدسها انطلاقاً من وجوه يعرفها.... وعليه ألا يخذل سيده الذي يؤمن له التمتع بالجلوس في المقهى واحتساء ما لذ وطاب.
الفتيات يتبادلن رسائل غرامية مع أشخاص افتراضيين... والقليل من تجدهم يقرأون مقالاً أو موضوعاً مهماً أو يشاهدون فيلماً مفيداً... دوامة من الخواء...
غمغم خيالي: «إنك تعيش داخل غابة، موبوءة، يا صاحبي... اعفيني من هذه الحياة المعتمة... أنا أحب نور الشمس...».
تسلل ظلي وجرني وراءه إلى أن وصلنا باب البيت فقال: هذا باب بيتك... سامحني علي أن أعود إلى حياتي العادية الخالية من التفاهات....
-----------
*الخليع: أكلة مغربية مكونة من اللحم المقدد المرقد في السمن البلدي، كثيراً ما يطبخ مع البيض...

اقرأ أيضا

تشابهات غير متوقعة في مرايا الذاكرة