الاتحاد

دنيا

أطواق الجمال والعذاب

إعداد ـ فتحية البلوشي:
تقول الأسطورة: 'في سالف العصر والأوان خرجت أجمل امرأة في قبيلة الكارين لتحضر المياه من بئر القبيلة، وحينما همت بالعودة هاجمها نمر متوحش انقض على رقبتها وجرها من منطقة الحنجرة لبيته وافترسها·· ثم صارت تلك الفتاة عبرة، وآمن كل أفراد القبيلة بأن وحش الماء (النمر) يهاجم النساء ويضرب بمخلبه الحنجرة ليطبق على الرقبة التي يجر منها الضحية'··· وخوفا من تكرار القصة قررت نساء القبيلة أن يحمين الحنجرة والرقبة بواسطة الأطواق النحاسية عن طريق لف هذه الأطواق حول منطقة العنق كاملة·
مع الوقت اعتادت نساء قبيلة 'الباندونج' التي تنحدر أصولها من الكارين على ارتداء هذه الأطواق المعدنية من سن الخامسة وبالإضافة لطوق الرقبة المعدني ترتدي النساء أيضا أطواقا معدنية مشابهة حول معصم اليد وفي السيقان·
واليوم فلم تعد أسطورة النمر تعني شيئاً للنساء··· وأكثر ما أصبح يعنيهن هو العنصر الجمالي الذي يكتسبنه من استعمال الطوق، لأن رجال القبيلة اعتمدوا طول الرقبة كمقياس جمال يندر أن يتغاضوا عنه·· ولم يعد غريبا أن تحرص النسوة على تطويق أعناق صغيراتهن بهذا الطوق النحاسي الثقيل حتى لا يفقدن فرصة الزواج في المستقبل·
أطواق العذاب
هذا الطوق الجمالي يمثل عذابا يومياً وتشوهاً في العنق يرافق الفتاة مدى الحياة··· فالطوق الذي يبدأ بالالتفاف حول عنق الفتاة منذ بلوغها سن الخامسة يزداد تدريجياً كلما زاد عمر الفتاة عن طريق إضافة لفة نحاسية جديدة كل ستة أشهر، وبوصول الفتاة إلى سن البلوغ تصبح عدد لفات هذا الطوق (20) لفة ووزنه (10 كيلوغرامات) ترافق الفتاة مدى العمر مسببة تشويه العنق والعمود الفقري·
ويتوجب على فتيات 'البادونج' السير بحذر، لأن اية حركة مفاجأة تؤدي الى احتكاك الطوق بالرقبة بشكل مؤلم··· كذلك على كل فتاة الاهتمام بتنظيف الطوق باستعمال مسحوق الغسيل العادي وأوراق عريضة من الأشجار يدخلنها بين لفات الطوق لفركه جيداً كي يصبح لامعاً وبراقاً يجلب الأنظار·
وبسبب الزاوية المستقيمة التي يتخذها وضع العنق يصبح من المستحيل على فتاة الباندونج تحريك رأسها للأسفل للنظر نحو قدميها··· ومن المستحيل شرب الماء بدون أنبوبة ماصة وفي المساء تضطر صاحبة الطوق إلى استعمال وسادة مرتفعة لتنام·
تاريخ يصنع قضية
تعتبر قبيلة البادونج جزءا من قبيلة أكبر تسمى 'قبيلة الكارين' التي شهدت أراضيها معارك عصابات مستمرة منذ عام 1984 بحكم موقعها الملاصق لدولة تايلاند· وفي فترة من الفترات قاتل رجال هذه القبيلة ضد حكومة بورما التي حاربتهم بقسوة اضطروا معها للهرب واللجوء لتايلاند التي أسكنتهم في مخيمات خاصة للاجئين تشرف عليها وكالة الأمم المتحدة، وبعد هذا الهروب تشتت قبيلة البادونج بين دولتي بورما وتايلاند·
أبشع قضايا حقوق الإنسان
هذا الأمر هو الذي خلق مؤخرا واحدة من أعنف قضايا حقوق الإنسان التي شغلت تايلاند في الفترة الأخيرة، لأن الشوق للقاء الأهل دفع بعض نساء البادونج القاطنين في بورما للوقوع في قبضة عصابة يقودها أحد رجال الأعمال التايلانديين يدعى 'تهانا ناكلوانج'·· فهذا النصاب الذي عزم على استغلال الطفرة السياحية في تايلاند قرر إنشاء حديقة حيوانات بشرية من 'النساء الزرافات' لتكون محط أنظار السياح القادمين من أمريكا وأوروبا وأستراليا وآسيا··· ومقابل قضاء وقت ممتع والتقاط الصور مع فتاة زرافة يدفع كل سائح مبلغ يتراوح بين (5 ـ 10 دولارات)، فقام باستئجار مكان الحديقة المناسب وتجهيزه على شكل أكواخ مقسمة بنفس طريقة حدائق الحيوانات ولم يتبق سوى الحصول على الفتيات الزرافات لتكون الحديقة البشرية قد اكتملت بانتظار قدوم أفواج السياح من مختلف أنحاء العالم·
استعان 'تهانا' النصاب بأحد سكان بورما الذي يرتبط بعلاقات جيدة مع 'البادونج' كي يجلب له ما يلزم من النساء لمشروع حديقة الزرافات الذي كان يخطط له، وسارت الأمور بأسهل مما توقع لأن الرجل نجح في جذب 33 فتاة وامرأة عبر إقناعهن بأنه يخطط لهن التسلل لتايلاند كي يصلن مخيم اللاجئين الذي يقطن فيه أقاربهن·
بشاعة الاستغلال
خلعت النساء الأطواق من رقابهن كي لا يتعرف عليهن رجال الحدود التايلاندية، وبمجرد وصولهن لتايلاند انقطعت أخبارهن عن الأهل الذين كانوا ينتظرون بكل لهفة، ولم يتحقق ما حلمت به أولئك النساء من لقاء بالأهل والأحباب لكن تم تحميلهن في شاحنات خاصة الى منطقة تدعى 'بان سان توندو' حيث حديقة الحيوانات التي كان يعتزم 'تهانا' وعصابته المكونة من مكاتب سياحية وأشخاص ذوي نفوذ في الحكومة التايلاندية·
وبعد الوصول تم توزيع الفتيات على الأكواخ، وتلقت الفتيات تعليمات بأن عليهن الاستيقاظ في الثامنة صباحا والانتشار في الحديقة وملاطفة الجمهور والتودد لهم والتقاط الصور معهم، وكانت سياط وبنادق حراس الحديقة جاهزة لقمع أي تمرد قد ينجم عن أي فرد من المجموعة·
بعد أسبوع وصل أول السياح الأمريكان لتلك الحديقة، لأن مكاتب السياحة وعلاقات 'تهانا' كانت قد صنعت من الدعاية والإعلان ما يكفي لاستثارة السياح الأوروبيين والأمريكان والأستراليين، ويبدو أن تسويق الحديقة دعائيا بما يسمى 'حديقة الزرافات' هو الذي دفع زوار الحديقة للتعامل مع الفتيات ذوات الأطواق وكأنهن زرافات فعلا يرمون إليهن بالفواكه وينتظرون كي يلتقطوا الصور لهن وهن يمشين أو يأكلن أو يشربن الماء··!
وحتى يحافظ 'تهانا' وعصابته على مصدر رزقهم قام المرتشون في مكتب العمل والهجرة التايلاندي بتسجيل النساء الزرافات في سجل العمال كعاملات رسميات استقدمهن 'تهانا' لغرض عاملات قطف محاصيل التفاح، لقاء أجر عبارة عن كميات من الرز وزيت الطبخ بالإضافة إلى نصف دولار يومياً·
خطط للهروب
البقاء في الحديقة كان مأساة تلك النساء مع استحالة الهرب أو التمرد فذلك يعني الموت مادامت الأسلاك الشائكة تحيط المكان، والبنادق مصوبة على الرؤوس لكن ذلك لم يعني الاستسلام أو القنوط خاصة بعد موت إحداهن بسبب المعاملة السيئة وعدم وجود الرعاية الصحية اللازمة، فكرت النساء بكيفية الوصول إلى الأهل، ولم يكن الاندساس في باص للسياح فكرة صائبة ولا التودد لأحد الحراس شيئا معقولا، لكن ما اهتدت إليه الفتيات كان أن يرسلن للأهل في بورما شريط تسجيل أخذنه من الأشرطة التي كانت قد وضعت لهن للرقص عليها، قمن بتسجيل الأشرطة وإرسالها مع السياح الأوروبيين إلى مخيم الأهل اللاجئين في تايلاند وإلى الأهل في بورما·
أول الأشرطة وصل إلى اللاجئين في تايلاند ذهبوا لوكالة شؤون اللاجئين التي نظمت حملة إعلامية كبيرة للضغط على الحكومة البورمية كي تتدخل في الموضوع، لكن الحكومة خذلت الجميع عندما تخلت عن الفتيات بدعوى أنهن متسللات إلى تايلاند التي لم تتخذ أي إجراء بدورها واكتفت بأخذ الغرامات من 'تهانا' مع السماح لهن بالعمل في قطف التفاح··!
نهاية القضية
الرشاوى الضخمة التي دفعها 'تهانا' مكنته من السيطرة على القضية وضمان ركنها على الرف لسنوات أخرى، لكن منظمات حقوق الإنسان الخارجية لم تتخل عن القضية خاصة مع استمرار تدفق السياح المتعاطفين مع النساء، وبسبب ضغط المنظمات الخارجية خضعت تايلاند أخيرا وقامت بإرسال سكرتيرة رئيس الوزراء للحديقة وهي التي أقامت الدنيا حين وقفت على الحقائق وبعد وقت قصير كانت قوات حكومية مسلحة تحاصر الحديقة، حيث تم الإفراج عن 'النساء الزرافات' واعتقال 'تهانا' وأفراد عصابته· وبدأت الحكومة حملة تحقيقات واسعة لمعرفة الأسباب التي ساعدت على إنشاء حديقة الحيوانات البشرية فوق الأراضي التايلاندية·· وشملت حملة الاعتقالات مسؤولين كبارا في أجهزة الشرطة والداخلية· أما بالنسبة للنساء الزرافات فقد قررت الحكومة عدم إعادتهن إلى بورما بناء على طلبهن وخوفاً من أن يتعرضن للسجن أو الإعدام بسبب تسللهن إلى تايلاند·· وبقيت مشكلتهن عالقة إلى أواخر الشهر الماضي حين قررت تايلاند السماح لهن بممارسة حياتهن الطبيعية والعمل في أراضيها·

اقرأ أيضا