صحيفة الاتحاد

دنيا

علي النميري.. عمله في جراحة التجميل لا يمنعه من عشق فن صناعة واقتناء السبح

علي النميري يعرض جانباً من السبح القيمة

علي النميري يعرض جانباً من السبح القيمة

بعيداً عن مشرط الجراح وما يضمه من ضغوط وساعات عمل طويلة، يلجأ الدكتور علي النميري لتغيير وتيرة يومه من عالم الجراحة التجميلية إلى عالم آخر لا يقل جمالاً، وهو فن صناعة واقتناء السبح، والذي ارتبط به بما يقارب أربعة عقود من الزمان، فكوّن حصيلة علمية دقيقة حول فنيات هذه القطع التي أخذت الكثير من اهتمامه وشغفه أثناء جلوسه في ممارسة هوايته، فابتكر عدداً من المسابح وقام بتصميمها، والذي يجد فيه ذاته، فطرقنا بوابة هذه الشخصية من زاوية أكثر قرباً، لنبحر معها في تفاصيل هذه الهواية.

يقول د. علي النميري: بدأ شغفي بالمسبحة عندما اجتزت المرحلة الابتدائية، حيث أهداني والدي رحمه الله مسبحة، وأنا في عمر 12 سنة، وبالرغم من عدم إدراكي في تلك المرحلة العمرية بماهية هذا الشيء، إلا أن تلك المسبحة تركت أثراً كبيراً في نفسي، نظراً لكونها من إنسان عزيز علي، وبداً الأمر يأخذ منحى جاداً في التوجه نحو هذا العالم الثري والجميل من «المسابيح»، والبحث في مدلولاتها ومعانيها والتوقف عند كل مسبحة منها للتعرف إلى تفاصيلها مع اقتناء وجمع عدد من هذه القطع عبر رحلات السفر التي قطعتها، وكنت حريصاً وقتها على شراء عددٍ كبيرٍ من «المسابيح» دفعة واحدة عندما ينتهي الحرفي من صنعها. فكان الأمر بمثابة متعة بالنسبة لي، فالمسبحة اليدوية لا يمكن أن تتكرر مهما حاول الحرفي ذلك، وما جعلني أيضاً أن استقي جماليات هذه القطع الفريدة هو تأثري بأخي الأكبر رحمه الله، والذي كان يقتني عدداً كبيراً من «المسابيح» النادرة ومن ضمن «المسابيح» الذي اقتنيتها من أخي مسبحة للرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر.

تاريخ المسبحة
ويطلعنا د. النميري على أسرار وتاريخ المسبحة قائلاً: لا يوجد توثيق دقيق لتاريخ ظهور المسبحة ولكن يعتقد أنه يعود لحوالي آلاف السنين، حيث وجدت في بعض القبور من الحضارات السالفة، أنواعاً من «المسابيح» والعقود الملتفة حول عنق المتوفى، من ضمن النفائس والأغراض التي كانت تدفن مع الميت نظير بعض الاعتقادات السائدة عندهم. ولكن بعض كتب التاريخ تشير إلى أنها وجدت أساساً في الصين قبل ستة آلاف سنة، ولكن هناك رأي آخر يشير إلى أنها وجدت في بلاد آشور منذ حوالي سبعة آلاف سنة، ومنها انتشر إلى أماكن أخرى، ولكن بالنسبة لوجودها في بلاد المسلمين، كما هو موثق تاريخياً، فقيل إنها جلبت من الهند إبان الفتوحات الإسلامية، حيث اكتشفوا أن الهنود يستخدمون هذه «المسابيح» لعدة أغراض منها الحسابات، ونظراً لبعض الطقوس الدينية عند المسلمين في الذكر والتسبيح، وتعداد أسماء الله الحسنى، فأخذوا فكرة «المسبحة وحولوها إلى تسع وتسعين حبة، وفقاً لأسماء الله الحسنى، وبالتالي بدأت تستخدم المسبحة في الذكر والتسبيح.
ويضيف النميري قائلاً: وفي السابق، كانت الحبات كبيرة جداً؛ نظراً لعدم وجود التقنيات التي تعمل على صناعة حبات صغيرة، فكانت «المسابيح» ثقيلة جداً، ومن غير المنطقي أن يتم حمل هذه الأوزان، عندها تم اختصار الحبات إلى الثلث أي 33 حبة، وفي كثير من الدول العربية يطلق على المسبحة بالثلث. ومن مكونات المسبحة نجد «المأذنة والحبوب والتفاسير»، وقد تزين هذه السلسلة بحبات للزينة تفصل بين مجموعة من الحبات، وأيضاً تحتوي المسبحة على القفل، وهو «المكن الخامس»، وكل ما كانت من الخامة نفسها أو المادة كلما ازدادت قيمة، وأحياناً عندما لا تتوافر لديهم المادة يكتفون بالمكونات الرئيسة، وهي «المأذنة والحبوب» التي عددها ثلاث وثلاثين و»التفاسير».

«المسابيح» والديانات
ويضيف النميري: لو عدنا وفتحنا طيات بعض الديانات، لوجدنا أن كل ديانة تمتلك نوعاً من «المسابيح» تختص به دون غيرها، فمعتنقو الديانات السماوية وهي اليهودية والمسيحية، والإسلامية بحوزتهم أنواع من «المسابيح» المختلفة نوعاً ما، فمعتنقو الديانة اليهودية تتميز «مسابيحهم» باحتوائها على 45 حبة، والمسيحية 21 حبة، والإسلامية 33 حبة، 99 و101 وهناك أيضاً الألفية والصوفية 104 حبات، وبالنسبة للديانات الأخرى نجد أتباع البوذية لديهم ما بين 32 إلى 64 حبة، وهم يختلفون عن السيخ الذين لديهم 27 حبة.
ويشير النميري إلى الأسباب التي دفعت الناس إلى التفكير بـ»المسابيح»، قائلاً: نجد في العصر الحديث عدداً من الأساور «الطاقة» كانت توضع حول معصم اليد، كان يستمد منها الإنسان الطاقة الإيجابية ويفرغ الطاقة السلبية من هذه الأحجار. وفي السابق، أدركوا هذه الحقيقة والمعلومة، فالمسبحة تحتوي على مكونات لها مواصفات معينة، مثلاً مسبحة الكهرمان مادة غير موصلة للكهرباء، وفي الوقت ذاته فهي تولد طاقة استاتيكية كهربائية، فعندما يسبّح الإنسان بهذه المادة فإنه يفرغ جزءاً من الطاقة السلبية التي في جسمه ويأخذ جزءاً من الطاقة الإيجابية التي تكونها المسبحة، فعملية التسبيح ليس فقط عملية نفسية مثل ما يدعي البعض، لكنها تخفف من حدة التوتر أو أنها تستخدم للذكر، لكن فسيولوجيا لها وظيفة في عملية إفراغ الطاقة السلبية الموجودة في جسم الإنسان وتزويده بطاقة إيجابية هو بحاجة لها، والكهرمان مثال بسيط من عدة أمثلة يمكن أن نتعرف من خلاله إلى مزايا بعض الأحجار التي شكلت بها «المسابيح» قديماً، نجد أيضاً حجر الأرز روم أو اللؤلؤ الأسود، وهو من الصخور البركانية التي تنبعث منها طاقة حرارية وهذه المادة سببها أيضاً أنها تمتع بوجود طاقة كهربائية كامنة تمد الإنسان بجزء من الطاقة الإيجابية التي يحتاجها. وهناك أمثلة عديدة على الفوائد الصحية والنفسية والجسمية لاستخدام المسبحة.
وهناك بعض الاعتقادات بأن هناك أنواعاً من «المسابيح» تبعد الكوابيس، ومنها ما يبعد التوتر النفسي، ومنها ما يولد نوعاً من السعادة.. فكل نوع من «المسابيح» له قيمة وله فائدة وأهمية.

مواد وخامات
ويشير د. النميري إلى أن «المسابيح» تصنع من عدة مواد أهمها الكهرمان، وهي مادة صمغية وجدت منها الشفاف والمعتم، وتتميز بقدرتها على مرور الضوء من خلالها. أما حجر الكوبال، فيعد نوعاً من الكهرمان قبل أن يصل إلى التصلب، وعادة ما يتراوح عمره ما بين خمسمائة ألف سنة إلى مليون سنة، وكلما زاد عمر الكوبان كلما أصبح من السهل تحويله إلى حجر الكهرمان. ومن أغنى أنوع الكهرمان هو الكوبال نظراً لكونه ليس له صلابة عالية، وبالتالي رهف الاستخدام دقيق الملامح يمكن تشكيل النماذج المطلوبة منه، ولكن يجدر من يقتنيه المحافظة عليه حتى لا يتعرض للكسر.
والأنواع الأخرى من الكهرمان منه ما هو أبيض اللون أيضاً، فالكهرمان عادة ما يكون أسود اللون، وكلما تقدم به العمر تحول إلى اللون الأبيض، لذا يعتبر نوع الكهرمان الأبيض هو الأغلى نظراً لقدمه. والتعامل مع الكهرمان يتم على عدة مراحل، فالكهرمان الحر يقطع كما هو، حيث تؤخذ حبة الكهرمان وتضغط حتى نحصل منها على شكل معين، وقد يضغط الكهرمان تحت طاقة حرارة عالية حتى يتم تغيير بعض مكوناته، فتظهر تشكيلات فنية رائعة للكهرمان.
والنوع الذي يأتي بعد الأبيض، هو اللون البلغمي، وهو الأصفر المعتم الذي بدأ يتحول إلى البياض في أجزاء منه، وهذا يأتي في الدرجة الثانية من حيث الغلاء، وبعدها يأتي الأصفر، وهو يضم الألوان الأحادية وقبل الأصفر يأتي الأحمر وقبله يأتي الأخضر وهو من الكهرمان النادر.

اللؤلؤ والنارجيل
ومن الخامات الأخرى أيضاً، نجد اللؤلؤ الطبيعي، والذي استخدم في عمل المسبحة، ولكن لا يمكن إنتاج «المأذنة والتفاسير» من حبات اللؤلؤ، إلا باستخدام أحجام محددة من اللؤلؤ. كما تم إنتاج السبح أيضاً من مادة الكوك وهي النارجيل، وتعتبر من السبح ذات القيمة الروحية، لكون عصا النبي سليمان عليه السلام كانت من النارجيل، فحينما توفاه الله تعالي، لم يدرك من حوله خبر وفاة، نظراً لكونه جالساً ومتكئاً على عصاه، ولصلابة العصا وقوتها استمرت وبقي هو في وضعه والناس لم تجرؤ على إيقاظه، مدة من الزمن، حتى أراد الله أن يعلم من حوله بوفاته فأرسل الدابة فنخرت العصاة حتى سقط فتكشف لهم الأمر. من هنا اكتسب النارجيل قيمة روحية، هذه القيمة حولت جزءاً من مكونات النارجيل، وهي الذكرة غير المنبتة، إلى قطعة من الخشب القوي الصغير مفرغة من الداخل، ويعتبر هذا الخشب هو الأقوى حتى الآن، نظراً لصلابته، كما تم إنتاج حبات صغيرة جداً منه بدقة متناهية دون أن تتعرض للكسر، في حين يصعب إنتاج أحجام صغيرة من حبات السبحة بخامات أخرى.
وعن عملية تشكيل حبات المسبحة، نجد أن حجم الحبات الكبيرة يصل قطرها في الغالب بين 10 إلى 12 مليمتراً، والحبات الصغيرة تكون ما بين 6 إلى 7 مليمترات، وهذا لا يعني أنه ليس هناك أحجام أكبر. فهناك أحجام قد تصل إلى 33 مليمتراً، فهي تتراوح حسب المتطلبات.

الزيتوني والدائري
ويضيف د. النميري قائلاً: ونجد أن الشكل الإسطنبولي هو الأكثر قبولاً للسبحة، ثم يأتي الشكل الآخر الزيتوني والدائري، إذا هناك أشكال وقصات مختلفة للحبة وما يزيد جمالها أنه كلما كان هنالك تعقيد في إنتاج الشكل كلما زادت قيمتها، فـ»المسابيح» التي تنفذ يدوياً والإنتاج اليدوي يحتاجان إلى تقنية، حتى تكتسب المسبحة متانة ودقة وتوازناً في الصنع، وعادة ما تختبر عملية التوازن من خلال حركة لفة ودوران الحبة حول الخيط، فحين تزيد مدة وفترة دورانه، كان ذلك مؤشراً بأن الحبة متساوية من جميع الجهات. وللحصول على هذا التساوي هناك معدات دقيقة جداً، منها المايكرومتر الذي يحقق التوازن الصحيح في القطعة، ويحدد مدى تساوي الأركان وتناسقها وتناظرها وتمنح المسبحة قيمة مادية عالية، فعلمية الخراطة وتشكيل الحبة بطريقة متقنة ومتوازنة أمر لا بد منه للحصول على قطعة جمالية فريدة.
ويذكر أن المادة الخام لا تمنح المسبحة القيمة المادية بقدر ما يهتم الكثيرون بمتانة صنع هذه المسبحة، التي تزيد من قيمتها، ففي أحيان كثيرة نجد أن المادة الخام بسيطة، ولكن قيمة المسبحة عالية، وهذا يعود أساساً إلى الدقة المتناهية في كل مراحل إنتاج وصنع هذه المسبحة.

مادة الفطران
ويذكر د. النميري قائلاً: المسبحة تمر بخمس مراحل إنتاج، تبدأ بمرحلة اختيار المادة، فبعد مادة الكهرمان، تأتي مادة الفطران، ويعتبر الروس هم أول من اكتشفوا وتنبهوا إلى القيمة الجمالية والفنية للفطران، وأكثر من صنعها واستفاد منها، ويقال إن أحد قياصرة روسيا أراد أن يبني قصراً من الكهرمان، مما دفع الروس إلى عملية صهر حجر الكهرمان وتحويله إلى مكعبات، بحيث يمكن الاستفادة منه في بناء القصر ومحتوياته من الكهرمان بعد أن تم تحويله إلى مادة الفطران، والذي صنعت في بداية القرن العشرين، وتم إنتاج كميات كبيرة منها، حتى يستفيد منها الملك في بناء قصره.
ويضيف النميري: من حسن حظي أنني عثرت على كمية كبيرة من مكعبات الفطران في اليمن، نظراً لعادات وتقاليد هذا البلد الذي يلزم العريس بأن يهدي عروسه عند الزواج قلائد من الفطران. ويتميز الفطران بعد تقطيعه بأنه يمكن أن يتم صبغة من خلال تعريضه لنوع معين من الليزر الذي يعمل على تغيير لونه، وبالتالي يمنحنا تشكيلة رائعة من الألوان التي لا يمكن الحصول عليها، فالفطران يأتي بالدرجة الثانية بعد الكهرمان، وهو عالي الصلابة إلى حد ما نظراً لكونه معالج بطريقة لا أحد يعلم سرها إلى اليوم. والنوع الآخر هو حجر اليسر وهو من المواد الطبيعية التي تعتبر أحد أنواع المرجان، وله ميزه لا توجد في الأنواع الأخرى، حيث يمكن تطعيمه بالذهب أو الفضة، كما أنه قابل للتشكيل. ولدي مسبحة من «اليسر الطبيعي» مكتوب عليها أسماء الله الحسنى، وعمرها 500 سنة، و«يسمى باليسر المكاوي»، وهناك أيضاً حجر الفيروز، حيث يتم تشكل حبات المسبحة به، وكلما كانت الشوائب فيه أكثر قلت قيمته، في حين نجد قوة زرقة حجر الفيروز دليلاً على نقاوته. أما المواد الأخرى، فهي بعض المنتجات الحيوانية وأشهرها قاطبة العاج، ونظراً لكون العاج محرم دولياً، فمنع نقله، وتداوله.

تزيين أعناق النساء

في مرحلة جديدة، تأتي عملية التصنيع واختيار التصميم، فكل مكونات وأجزاء المسبحة لها تصميم متعدد وتشكيلات مختلفة، ومن ثم تأتي مرحلة «الصنفرة»، وهي الطريقة التي تستخدم في صقل حبيبات المسبحة وإكسابها قدراً من نعومة الملمس حتى يسهل استخدامها مسبحة يد، وقد تسبق هذه المرحلة، إذا أردنا عملية تزيين هذه الحبيبات ببعض النقوش والزخارف، وأيضاً تغيير لون الحبات، تعريضها لتقنية خاصة لتمنحها الصبغة الطبيعية للمادة، ثم تضم وتجمع الحبات في الخيط الملائم لها من حيث القوة واللون. ولم يتوقف استخدام هذه المواد في إنتاج المسبحة، وإنما تطورت الأفكار أيضاً في استخدامها وإنتاج عقود رائعة تزين أعناق النساء.


أكبر مسبحة كهرمان في العالم
يؤكد د. النميري: بخلاف قيمة المسبحة ومدلولاتها النفسية، نجد أن للمسبحة أيضاً قيمة اجتماعية كبيرة، نظراً لارتباطها بشخصية الرجل في المجتمعات العربية، إلى جانب أهميتها الاقتصادية، فالمسبحة مثل السجاد العجمي مع مرور الزمن تزداد قيمتها. كما شرعت في إنتاج وتطوير عدد من «المسابيح» منها المسبحة الألفية المنتجة من خشب الكوك وتحتوي على حبات صغيرة لحجمها 5 مليمترات وتضم 99 حبة وعشرة فواصل.. وتم تطوير المسبحة الألفية إلى ألفية، أربعينية، سبعينية، وأملك ما يقارب خمسة آلاف مسبحة قيمة، إلى جانب أكبر مسبحة كهرمان في العالم تمسك باليد.