الاتحاد

عربي ودولي

سيندي شيهان هل من مزيد؟

السعد عمر المنهالي:
الجميع ·· المؤيدون للحرب الأمريكية في العراق ومعارضوها، تركوا كل شيء وانشغلوا بأمر واحد فقط، هو قانونية الإجراء الذي قام به رجال الشرطة في مبنى الكابيتول مقر الكونجرس الأمريكي، عندما ألقوا في الأول من فبراير الجاري 2006 بناشطة السلام والمناهضة لحرب العراق 'سيندي شيهان' خارج المبنى، بسبب قميص كتب عليه عبارة '2245 ·· قتيلا·· هل من مزيد؟ في إشارة إلى تزايد عدد قتلى الجيش الأمريكي في العراق· ورغم أن المرأة أخرجت بهدوء ولم يتم توقيفها لأكثر من أربع ساعات، فإنها توعدت المسؤولين بمقاضاتها، لعدم احترامهم حقها في التعبير كمواطنة أمريكية عن رأيها في مبنى الحرية العريق الذي يقارب عمره القرنين!
ولدت 'سيندي لي ميلير' في العاشر من يوليو عام 1957 في 'بيل فلاور' -تبعد 20 ميلا جنوب مدينة لوس انجلوس' في ولاية كاليفورنيا، وعاشت هناك حياة طبيعية، لم تتصف حياتها المبكرة بشيء خاص، سوى أنها كانت تشارك في برامج الطلاب الموهوبين، غير أنها لم تتمتع بالجرأة قط·
اقترنت 'سيندي' بـ'باتريك شيهان' صديقها في المدرسة العليا عام 1974 وهي لا تزال في السابعة عشرة من عمرها، فشغلتها حياتها الأسرية، وانغمست في التفاصيل اليومية كأي أم عادية ترعى بيتها وأبناءها بعد أن رزقت بولدها الأكبر 'كاسي' في مايو عام ،1979 ثم رزقت بثلاثة أبناء (فتاتين وولد)· في حين عمل 'باتريك' زوجها مندوب مبيعات·
كرست 'سيندي' أكثر من ثلاثين عاما لرعاية أسرتها فانشغلت بزوجها وتربية أطفالها ورعايتهم، كما دفعها تدينها لتصبح عضوا نشطا في الكنيسة الكاثوليكية بت'نوروالك' ومن ثم 'كنيسة فكافيل' ثم أصبحت مسؤولة عن الشباب في كنيسة 'ماري'· وحسب ما يؤكده المقربون من أسرتها، أنها كانت أما ملتزمة كرست اهتمامها بمنزلها الذي كان أنيقا ومرتبا وطعام أسرتها المحضر أغلبه في بيت تملأه الضحكات أكثر من المشاجرات، يهتم بالولائم في الأعياد والمناسبات الاجتماعية·
180 درجة
التحق 'كاسي' الابن الأكبر لعائلة 'شيهان' بجيش الولايات المتحدة الأمريكية بعد انتهائه من دراسته الثانوية عام 2000 -ككثيرين من أقرانه- ليستطيع توفير المال اللازم لإكمال دراسته الجامعية، وذلك رغما عن رغبة والدته تماما، وظل ملتحقا بالجيش كميكانيكي لسيارات 'همفي' إلى أن غادر بلاده في أواخر شهر مارس عام 2004 إلى العراق لمشاركة جيش بلاده في حربها على الإرهاب·
لم يكن 'كاسي شيهان' قد أتم يومه الخامس في العراق منذ أن قدم إليها، وتحديدا في مدينة 'الصدر' في الرابع من ابريل عام ،2004 عندما أدى كمين إلى احتراق سيارة 'همفي' يبدو أنه كان بداخلها، -اعترف وزير الدفاع الأمريكي 'دونالد رامسفيلد' في الثامن من ابريل عام 2004 بخسارة قوات التحالف خلال أربع أيام فقط 35 جنديا على الأقل- المثير بالفعل أن الكمين نقل عبر شاشات التلفزيون -حسب قول سيندي-، فكانت الصدمة عظيمة على الأم الثكلى التي تلقت خبر وفاة ولدها بعد أن شاهدت الكمين من ضباط وزارة الدفاع·
غلبت مشاعر الحزن والأسى على 'سيندي' التي استقبلت جثمان وليدها كباقي الأمهات بعد عشرة أيام، وفي يونيو من نفس العام قابلت الرئيس الأمريكي في قاعدة 'فورت لويس' بواشنطن في حفل لتكريم ذوي ضحايا الحرب، غير أنها كانت الشعلة التي حولت كل مشاعر الأسى إلى بركان غضب فجرته 'سيندي' منذ ذلك التاريخ· فقد كانت الطريقة التي تعامل بها الرئيس الأمريكي -حد تعبير سيندي نفسها- 'حالة خاصة من الصلف وعدم الاكتراث'، وأنه تجاهل حتى معرفة اسم ولدها· دفعت هذه الطريقة 'سيندي' للخروج عما عرفت به خلال سنوات عمرها السابقة، فالمرأة التي قاربت الخمسين من عمرها والتي لم يذكر في حياتها أنها واجهت أحدا ما أو تجرأت عليه، إلى اتخاذ قرار بعد ما سمعته في الخطبة التي ألقاها على أسر الجنود بأن ' الضحايا كانوا يقومون في العراق بمهمة نبيلة' أن تطرح عليه أسئلة تطايرت منها حمم البركان الذي اشتعل في صدرها خلالها·
'ما هي المهمة النبيلة التي قتل ابني لأجلها في العراق؟ وطالما أنها نبيلة، فلماذا لم ترسل ابنتيك لهذا الشرف؟ ·· حملت 'سيندي' هذين السؤالين على رأس عدد آخر من الأسئلة لا يقل حدة وغضبا إلى مختلف الولايات الأمريكية تطاردها وسائل الإعلام الوطنية والعالمية، مطالبة بلقاء 'بوش' ليجيبها عن هذه الأسئلة التي اتضح أن الآلاف من الأمريكيين يحملونها، غير أنهم ترددوا طويلا قبل أن يعلنوها!
ظل الحديث عن المهمة الحقيقية للجيش الأمريكي في العراق من المحرمات، فالإشارة -حتى من بعيد- حول جدواها يدخل صاحبه دائرة الخيانة وإضعاف جيش الوطن· ولذا كان موقف 'سيندي' الأم الثكلى ومن حولها من ذوي الجنود المقتولين في العراق أقل استهجانا من غيرهم -رغم ما تعرضوا له من ضغوطات على الصعيد الضيق كالأسرة والجيران- كونهم مصدومين، الأمر الذي فتح مجالا لأسئلة لم تطرأ على ذهن الكثيرين داخل الولايات المتحدة الأمريكية·
عائلتها الكبيرة!
كان الإعلام الأمريكي أكبر المستفيدين من مجريات الأمر، فالقيود الذي وضعت حوله -بدرجة ما- ومنعته من استثارة الرأي العام حول المهمة الأمريكية في العراق، فقد وجد ضالته في نقل فعاليات 'سيندي شيهان' ومناصريها على شاشات التلفزيون الوطنية والمحلية، فلم تبق شبكة تلفزيونية أو إذاعية أو صحيفة لم يكن لـ'سيندي' مساحة فيها· وهو ما وصل ذروته عالميا بعد أن استقلت 'سيندي' حافلة متوجهة إلى 'كراوفورد' بتكساس قاصدة مزرعة الرئيس 'جورج بوش' في أغسطس عام 2005 حيث كان يقضي إجازة - وصفت صحيفة 'واشنطن بوست' هذه الإجازة بأنها الأطول في تاريخ الرئاسة الأمريكية منذ 36 عاما- واستقرت هناك بعد أن أقسمت أنها لن تغادر المكان قبل أن تقابل الرئيس ليجيب عن أسئلتها·
كان لموقفها هذا رد فعل سيئ على صعيد أسرتها، فقد وصفها زوجها 'باتريك شيهان' بالأنانية البغيضة، وقال أمام وسائل الإعلام -بعد أن جمع أبناءه حوله- بأنها تهتم بجدول أعمالها السياسية أكثر من أسرتها، وأكد أنه يختلف تماما مع أنشطتها· وتبدو الغرابة في توقيت تصريحاته كونها تزامنت مع اعتصام 'سيندي' في خيمة أمام مزرعة 'بوش' في تكساس، وتكاثف وسائل الإعلام حولها، وهو الأمر الذي وصل إلى حد طلاقهما بعد أكثر من ثلاثة عقود كانت 'سيندي' فيها قدوة بشهادة الجميع للأم المثالية!
تقول 'سيندي' إنها لا تزال تعشق عائلتها، غير أن عائلتها الإنسانية وسلامتها الملازمة للعدالة تستحق الكفاح والتضحية، وفي سبيل هذا فستظل تتظاهر رغم محاولات اعتقالها ومضايقتها المستمرة 'إلى أن يعود جنودنا إلى أمهاتهم وزوجاتهم وأهلهم وأصدقائهم، ولا تُثكل أم، ولا تترمل زوجة، هنا، وفي العراق، وفي أي مكان آخر في العالم بسبب العنف'· وهو ما يؤكد أن مشوار 'سيندي' طويل، وأمل عودة الأم الخمسينية لأسرتها يبدو بعيدا!
تزايد أعداد المناصرين لقضيتها، فالتف المئات حول خيمتها في تكساس، وأصبحت رمزا دفعت حركات السلام دعوتها في فعالياتها، سيما بعدما أصبحت وجها قاطبا لكاميرات وسائل الإعلام بسبب جرأتها، ولذا استطاعت أن تقود مظاهرة في سبتمبر 2005 في واشنطن شارك فيها ما يقارب ربع مليون أمريكي ينادون بعودة الجنود الأمريكيين من العراق·
قميص الحرية!
قال الرئيس 'بوش' أثناء وجوده في مزرعته في أغسطس 2005 في تعليقه على ما تفعله الناشطة 'سيندي'، 'لها كل الحق لتقول ما تريد وتعتقد·· هذه أمريكا'!· غير أن قوانين أمريكا اختلفت داخل قاعة الكونجرس الأمريكي· إذ تعامل الأمن معها بطريقة وصفتها وسائل الإعلام بأنها غير لائقة وقاسية -قالت في بعضها إن رجل الأمن صفعها-، بعدما طردت واعتقلت لأربع ساعات، رغم دعوتها القانونية من النائبة الديموقراطية 'لين وولسي' -كانت قد قدمت في مايو 2005 تعديلا كان ينص على إجبار الإدارة الأمريكية بوضع جدول زمني لسحب القوات الأمريكية من العراق غير أنه رفض- لحضور خطاب حالة الاتحاد الذي يدلي به رئيس الولايات المتحدة كل عام، وقد علل رجال الأمن إجراء طردها بأنهم حذروها كونها لبست قميصا كتب عليه '2245 قتيلا·· هل من مزيد!؟'، غير أنها قالت، إنها لم تقم بأي إجراء غير قانوني، وكل ما فعلته أنها أرادت إظهار الكلفة الإنسانية لحرب العراق، كما أكدت أنه لم يتم تحذيرها رغم أنها مرت عبر أكثر من نقطة أمنية، مما يؤكد أن ما حدث كان مخططا له منذ أن تأكد حضورها!
لم تستطع 'سيندي' سماع خطاب الرئيس وتعليقه على تواجد قوات بلاده في العراق، واستبعاده أي انسحاب أمريكي مفاجئ، بل وتعهده بملاحقة الإرهابيين هناك، وتأكيده على أن بلاده 'ستتحرك بشجاعة للدفاع عن الحرية وستحارب الطغيان في العالم، كما ستواصل قيادة العالم'· غير أن 'سيندي' لم تفقد الكثير من الإثارة سيما بعد أن كانت قد حضرت قبل يومين فقط خطبة الرئيس الفنزويلي 'هيوجو شافيز' أثناء اجتماع دعاة السلام في ختام 'المنتدى الاجتماعي العالمي' في التاسع والعشرين من يناير الماضي في كراكاس العاصمة الفنزويلية، والذي قال فيه 'اكتفينا من العدوان الإمبريالي··· ولتسقط الإمبراطورية الأمريكية، خلال هذا العصر يجب علينا دفن هذه الإمبراطورية ويجب ألا تقوم قائمة إمبراطوريات في العالم'، قال هذا بينما كانت 'سيندي شيهان' تقف على يمينه يحيطها بذراعيه·
Als_almenhaly@emi.ae

اقرأ أيضا

إقالة مفاجئة لقائد "الحرس الثوري" الإيراني