الاتحاد

عربي ودولي

النصر لحمساوي خطة شارون والانسحاب الأحادي من الضفة الغربية


أحمد خضر :
يمثل انتخاب حركة حماس في المجلس التشريعي الفلسطيني انقلاباً ديمقراطياً في الحياة الفلسطينية ، ذلك ان فتح هي العمود الفقري في منظمة التحرير ، وصاحبة الدور الأساسي في جميع المعارك والحروب التي خاضها الفلسطينيون دفاعاً عن قضيتهم، تجد نفسها اليوم قد فشلت أمام حركة حماس التي لم يمض على انطلاقتها أكثر من ستة عشر عاماً ، وفي الواقع فإن الشعب الفلسطيني قد صوت لصالح التغيير ومحاربة الفساد والمفسدين الذين هم حفنة قليلة أساءت للقاعدة الفتحاوية العريضة ، وعموم الشعب الفلسطيني ، ولم يصوت لصالح استمرار العنف أو المقاومة المسلحة ، لأن الشعب الفلسطيني يدرك أنه وصل إلى حد الإنهاك ولا يريد أن يقاتل حتى آخر رجل ·
من ناحية أخرى فإن المقاومة لم تقتصر على حماس وحدها لأن معظم الفصائل والقوى على الساحة الفلسطينية شاركت في مقاومة الاحتلال ضمن ما سمي بعسكرة الانتفاضة منذ خمس سنوات ، وعلى رأس هؤلاء جميعاً كتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة فتح ، وهو بالمناسبة ما أساء لفهم القضية الفلسطينية ، وأدى إلى تراجع التأييد والتعاطف الدولي لها ، حيث وصفت هذه التنظيمات بالإرهابية ، بينما العالم كله يتفرج على الفلسطينيين وهم يخوضون معركة انتحارية خاسرة مع أقوى جيش في الشرق الأوسط ، بل وينظر للأمور من زاوية أن الجيش الإسرائيلي يطارد مجموعة من العصابات والإرهابيين الذين يستهدفون المدنيين الإسرائيليين ويعمل على ضبط الفلتان الأمني ، بينما في الانتفاضة الأولى كانت الأمور مختلفة تماماً حيث اعتمدت على الحجارة والمظاهرات السلمية التي أثارت إعجاب العالم بأطفال الحجارة ، ونقمته على الجنود الإسرائيليين الذين كانوا يقومون بتكسير عظام الأطفال ·
فخ الترويض
لقد تبدلت الأمور الآن ووجدت حركة حماس نفسها بين قطبي الرحى لأن العالم يعتبرها منظمة إرهابية ، فإما أن تسحق أو تنهج نهجاً برغماتياً ، لذا كان لا بد لها من خوض الانتخابات في المجلس التشريعي للمحافظة على وجودها ، وهو ما يعني أنها بدأت تتكيف مع المرحلة السياسية الراهنة ، ولا يمكنها في هذه الحالة أن تضع رجلاً في السياسة وأخرى في الإرهاب على حد تعبير المجموعة الرباعية ، ومطلوب منها إذا أرادت المشاركة في العملية السياسية ، وفتح أقنية مع أمريكا وأوروبا وإسرائيل أن تجيب على أسئلة المرحلة بوضوح تام ، وهي الاعتراف بإسرائيل وإلقاء السلاح ، والتحول إلى حزب سياسي سلمي ، وإذا وصلت إلى هذه النقطة تكون قد استدرجت إلى فخ الترويض والتدجين الذي وقعت فيه منظمة التحرير في أوسلو ، لكن إذا بقيت حماس مصرة على التمسك ببرنامجها الانتخابي وهو ما لا نتوقعه ، فإن إسرائيل سوف تستثمر النصر الحمساوي ( المدوي ) لتطبيق خطة شارون بالانسحاب الأحادي ، وإكمال بناء جدار الفصل العنصري ، وتهويد القدس وعزلها عن الضفة الغربية بحجة عدم وجود شريك فلسطيني للتفاوض معه ·
إن خطة شارون التي هي من بنات أفكار شمعون بيريز ويشارك فيها حزبا ( كاديما والعمل ) تقوم على استغلال بعض المظاهر العسكرية الفوضوية للفلسطينيين ، مثل إطلاق صاروخ بدائي ، او عملية انتحارية داخل المدن الإسرائيلية ، لكسر ما يسمى بالتهدئة عبر إطلاق عملية عسكرية كبيرة ، واستخدام العنف بشكل مفرط في مدن مثل نابلس وجنين والخليل ورام الله وبيت لحم وغيرها من المدن والقرى والبلدات والمخيمات ، والقيام باغتيالات متواصلة للمطاردين وزج الألاف في السجون من أجل انهاك أبناء الفلسطينيين كلياً والوصول بهم إلى حافة الهاوية ثم الانسحاب من جانب واحد من الضفة الغربية بنسبة لا تتجاوز22,5 %، أي 4ـ 5 % من مساحة فلسطين التاريخية ، كما حدث في غزة ، فبعد حالة الإنهاك التي أصابت أهالي قطاع غزة جراء تجريف الأراضي ، والقصف الجوي من قبل الطائرات واغتيال المناضلين وضرب البنية التحتية وغير ذلك من مظاهر العدوان الإسرائيلي السافر الذي بلغ أقصاه قامت إسرائيل بالانسحاب من جانب واحد وهو ما اعتبر في نظر البعض بأنه انتصار رغم أن غزة لا تمثل أكثر من 1% من مساحة فلسطين التاريخية ·
وكذلك الحال سيحدث في الضفة الغربية ، فعندما يتم استكمال بناء الجدار ، وتهويد القدس ، ستقوم إسرائيل بالانسحاب الأحادي ، مع الاحتفاظ بثلاث كتل استيطانية كبيرة تشكل أصابع إسرائيلية داخل الضفة الغربية ، إضافة إلى المستوطنات المختلفة التي يطلقون عليها ( محاسيم أمنية ) وهي كثيرة جداً ومنتشرة ، والانسحاب هنا يكون فقط من المدن وبعض البلدات فيما يبقى الفضاء في يد إسرائيل حيث تستطيع احتلال المدن والمناطق التي انسحبت منها ومطاردة أي إنسان ، أو فعل ما تريد في اللحظة التي تختارها ، ذلك أنه طالما يوجد أكثر من 3 ملايين فلسطيني في أحشاء إسرائيل فلا بد أن يكون هناك ضبط للأمن من خلال السيطرة العسكرية المطلقة ، وهذا ينطبق على تنقل وحرية السكان ، أما منطقة الأغوار والجسور على نهر الأردن فلا يمكن أن تتخلى عنها إسرائيل تحت أي ظرف من الظروف لأنها تعتبرها بؤراً أمنية ، وعلى هذه المنطقة من الأرض بإمكان الفلسطينيين أن يسموا هذا الكيان ما يشاؤون ، فيما تكون جميع المشاريع والاتفاقات الدولية وآخرها أوسلو قد تبخرت ·
حفلة تنكّرية
وقد وصفت صحيفة هآرتس الإسرائيلية الانتخابات التشريعية الفلسطينية بأنها حفلة تنكرية شاركت فيها السلطة الفلسطينية وإسرائيل والعالم لتكريس الاحتلال وتمويله بالصدقات بواسطة دولة الكرتون المقبلة ·
إن المشاركة الإسرائيلية والعالمية في احتفالات الديمقراطية الفلسطينية ، والتقارير حول مجرى الانتخابات والتحليلات الواردة لنتائجها ، وما سيترتب عليها هي بلا شك ردود فعل وأصداء مفهومة حول حدث يعتبر ( تاريخياً ) فما الذي يمكنه أن يكون أكثر أهمية وإثارة للآمال من عملية ديمقراطية تنصب أخيراً نظاماً نظيفاً ورافضاً للعنف ، ومنادياً بالتسوية ـ وذلك يمكن له أن يكون شريكاً ؟
كان هذا فيما لو فازت فتح بقيادتها الشابة من أمثال مروان البرغوثي ومحمد دحلان وجبريل الرجوب ود·حنان عشراوي ، وسلام فياض ، ود· مصطفى البرغوثي ، أما وقد فازت حماس الآن بأغلبية كاسحة ، فإن الإسرائيليين لا يرفضون التفاوض معها ، وآخر استطلاعات الرأي في إسرائيل تؤيد ذلك بنسبة 67 % ·
صحيح أن انتصار حماس يفسد الاحتفالات قليلاً ويثير تساؤلات حول ( المرحلة التالية ) التي يضطر فيها الإسرائيليون لمواجهة قضية الاتصالات مع (منظمة إرهابية) في نظرهم ، ولكن بعد إعادة التفكير قد تخدم هذه النتيجة بالتحديد المصلحة السياسية الإسرائيلية لأن تشكيل حماس لحكومة السلطة الفلسطينية سيؤكد الاستراتيجية أحادية الجانب التي تركز عليها أحزاب ( الوسط ) الإسرائيلي
( كاديما والعمل ) ودعايتهما الانتخابية : بما أن حماس تنادي بتدمير إسرائيل ، فمن حق إسرائيل إذن أن ترسم حدودها الدائمة بنفسها ، لأنه ليس لها ( شريك ) في ذلك ·
إن ترسيم الحدود الدائمة وفقاً لاعتبارات تضمن غالبية يهودية ، يلزم إلى جانب وضع هذه الحدود وفقاً للمصالح الإسرائيلية بالإبقاء على مناطق مأهولة بالسكان الفلسطينيين على أمل أن يوافق طرف ما على إدارتها ، وأن تكون فيها شروط مادية وسياسية دنيا لإتاحة السيطرة عليها ، لأنه إذا لم يكن الأمر كذلك ، فلن تتمكن إسرائيل من التنصل من مسؤوليتها عن مصير مليوني إنسان ، وبذلك يضيع سعيها للحصول على شبح الدولة ثنائية القومية ·
إن هذا هو الدور الذي تعده إسرائيل للسلطة الفلسطينية ، وهذا هو سبب إبراز الانتخابات وكأنها تجري في دولة سيادية تقوم بانتخاب ( برلمانها ) و ( حكومتها ) · من المعروف بالفعل أن الفلسطينيين ينتخبون لأنفسهم
( لجنة اجتماعية ) مجردة من الصلاحيات السلطوية ، وتدير منطقة خالية من السيادة ، ولكن هذا كما يلمحون ، ليس إلا مرحلة تمهيدية للحظة التي تكلف فيها إسرائيل خاطرها وتفك ارتباطها بصورة أحادية الجانب عن المناطق التي لا تهتم بها ، عندها ستتحول السلطة إلى حكومة تفرض سيادتها على المناطق المحررة من ( الدولة الوطنية ) الفلسطينية ·
سر النصر الكاسح
ليس هناك حدود للمهزلة فإسرائيل التي رفضت في أيام أوسلو أي استخدام لمصطلحات مثل الحكومة والبرلمان والرئيس ورئيس الوزراء ـ التي تشير إلى وجود السيادة ـ تقوم بالتأكيد على هذه المفاهيم الآن حتى تكرس الوهم بأن هناك حكومة فلسطينية ستنتظر على أهبة الاستعداد ـ وإن لم تكن شريكة ـ لالتقاط الفتات الذي تلقيه لها إسرائيل بعد أن ترضي مطامحها الديمغرافية ·
إن ما حصل هو تصويت احتجاجي ضد الممارسات التي خلقت فجوة بين القيادات والشارع الفتحاوي والشعب الفلسطيني الذي قبل التحدي ، وقام بتلقين السلطة وفتح درساً قاسياً ،وهذا هو سر النصر الكاسح الذي حققته حماس في انتخابات المجلس التشريعي ، وليس خافياً إذا قلنا إن العديد جداً من كوادر فتح ومؤيديها لم يصوتوا لقائمة فتح احتجاجاً على قياداتهم التي وصفها بوش بالقيادات الهرمة ، لقد صوتوا ضد نهب المال العام والفساد وتسلط الزعامات والمحسوبية السياسية ولحالة التفكك والضعف التنظيمي ، حيث أعطى بعض الزعامات نفسه براءة ذمة ليرسم مسار التاريخ نيابة عن الجماهير ، ويجمع ما يشاء من مال وثروة ،فيما الأرض تميد من تحت أقدام الجميع والتي أوشكت أن تصبح إسرائيلية ·
الفقراء وضعوا حماس على المسرح السياسي حباً في التغيير والإصلاح والتجريب، ونحوا حركة فتح جانباً أربع سنوات قادمة ليس كرهاً في فتح ، أو حباً في حماس وإنما كرهاً في مرحلة سياسية لم تحقق فيها السلطة شيئاً يذكر للفلسطينيين ، وبقيت قضيتهم تتراجع ، وأرضهم تنهب ، وقدسهم تهود ، وأوضاعهم المعيشية تزداد سوءاً وتردياً ، صوت الفلسطينيون ضد ( اللحم الأبيض ) وهو مصطلح يطلقونه على العائدين الذين استولوا على المواقع الرئيسة في السلطة وعلى الشركات الاحتكارية وتركوا الفتات للكفاءات وحملة الشهادات العليا من أبناء الأرض المحتلة ·

اقرأ أيضا