ثقافة

الاتحاد

الشاعر حميد حداد يكتب بهدوء ينطوي على دفء

كما حقق الشاعر العراقي حميد حداد أمرا يبدو مستغربا في عنوان مجموعته الشعرية الجديدة “القول بما يشبه الصمت” فقد حقق أمرا مماثلا يبدو غريبا أيضا ألا وهو كتابة شعر هادئ الى درجة يبدو فيها باردا لكن لا يسعنا إلا أن نشعر بدفء خفي في معظمه.
مجموعة الشاعر العراقي حميد حداد الذي يعيش في هولندا جاءت في 64 صفحة متوسطة القطع وصدرت عن دار الحضارة للنشر في القاهرة. وقبل البدء بقصائد المجموعة يمكننا أن نأخذ عينة بليغة من شعره حملها غلاف الكتاب. انها بليغة بمعنى أنها قد تكون نموذجا جيدا في إظهار سمات من هذا الشعر ومنها القول الذي يشبه الصمت والبرودة التي تنطوي على دفء. إنها مأخوذة من قصيدة عنوانها “حديث سيلين”. يقول الشاعر في تصوير منسوج بمجاز وتجريد:
حياة قرب سور شائك
هي نفسها وأنت في الثلاثين تهرم
تمنح الثياب خوفها
ما يبرِر تمسكها بالتجوال معي
أو بهبوطها ليلا على نافذتي
إنها دعوة لارتكاب الخطأ ذاته..
لارتكاب الزمن ذاته
وهو يسيل بعيدا
ذاك الذي حدثنا عنه سيلين
سأترك الكف تهوي
بالدخان الذي تنفسته
بالأضواء التي تقترب كلما هربت
محتفظا بعقد اخضر على ذراعي
وبشباك ضخم ذهبي لامع
سأترك من يحدثنا عن ألمه النبيل.
يستطيع حميد حداد أن يضفي أحيانا على الحديث بين اثنين وعلى التحليل المنطقي بل الوصف المنطقي الهادئ أجواء شعرية لا تشع حرارة ولا هي باردة والأكثر نجاحا في ذلك أنها لا تبدو حتى “فاترة”. وقد يستفز هذا بعض القراء الذين يسعون إلى الحار الثائر أو حتى الصاخب المدوِي. في القصيدة الأولى وعنوانها “إرهاب” يقول حميد حداد:
“في آخر الحديث
كان ثمة شيء لم نتفق عليه
يتعلق بشخص
احدنا على الأرجح
لم نتفق عليه خشية المواجهة
اذكر أننا كنا نتهرب من
النظر إلى بعضنا
رغبة في التواطؤ”.
ويكمل هذا العربي الذي يعيش في الغربة فيقول كلاما قد لا يسع القارئ أن يربط بسهولة بين بعض أجزائه “لابأس في الأمر
لنترك الحديث والنظر معا
لنفكر بالسيدة التي
تتهمنا بالإرهاب بنظراتها المتشككة
لنفكِر بإرهابنا
لأنفسنا
بالمطلق الهشِ الذي
يدفع بالفكرة إلى التفجر
في فراغ الآخرين
لنفكر بالصمت
ولو رغبة في التواطؤ”.
و في “قصيدة هجاء” يبدو الأمر كأن هناك حديثا منطقيا هادئا على رغم عمق الموضوع وتفجره وعلاقته بالإنسان وكرامته. يبدو الشاعر كأنه يقرر حقائق مفجعة لكنها تورد ببرود منطقي شبه حيادي. تبحث عن الغضب فلا تشعر به. ترى هل استطاع تدجين غضبه؟ كأن لدي الشاعر “كاتم صوت” غريب يخفي الهدير وحتى الأنين. انه يخفيه لكن يبدو أن كل ما فعله هو أنه أخفاه “عن السطح” أو على الأقل هذا “ما شبه” للقارئ. يقول:
إن تعرف
بأنك فارس
تعرف أيضا
بأنك مقتول لا محالة
قتيل وهذا مجده الناقص
يرقد إلى جانبه”.
مثقلا بستة آلاف عام... أبي” أيها الوطن” انت تربكنا..” ويستمر قائلا مخاطبا وطنه بما يبدو أقرب الى تقريرية هادئة “منذ متى وأنا احبك؟” لا اذكر” لا اذكر ايضا” متى خرجت” عن طاعتك”. يضيف قائلا بما قد يجعل من الصعوبة على القارئ أن يربط بين أقسام كلامه “الشعب يحتمل التأويل” فلما أنا قلق إذن؟.. الحكاية تبدأ..” عندما يتهدم جدار الطين” عندما يدرك الحبل قصر قامته” يواصل السيارة رحلتهم: ويصمون آذانهم” عن صراخ البئر”.

اقرأ أيضا

نعيمة الحوسني: الأطماع تزيِّف الجغرافيا