الاتحاد

تقارير

«لبى ديفس» والحق الفلسطيني

قد لا يعني اسم السيدة "لبى ديفس" عضو البرلمان الفيدرالي الكندي (مجلس العموم) شيئاً لكثير من القراء، ومعظم العرب الكنديين ربما لم يسمعوا باسمها قبل أسابيع، فهي ليست من الساسة الكنديين الذين تتابع أجهزة الإعلام الكندية أخبارهم العامة والخاصة، أو تظهر صورتها في الصفحات الأولى. لكن- خلال الآونة الأخيرة- أصبحت سيرة "لبى ديفس" على كل لسان، وصورتها في الصحف الكندية اليومية سواء القومية أوالمحلية.
لنبدأ القصة من بدايتها...فـ"لبى" نائب فيدرالي عن دائرة "شرق فانكوفر" وناشطة في مجالات حقوق الإنسان والمناضلة الحقيقية عن حقوق المظلومين والمضطهدين وضحايا التمييز العنصري، وانضمت إلى الحزب "الديمقراطي الجديد" وتدرجت في صفوفه حتى أصبحت نائبة عنه في منطقة "شرق فانكوفر" إحدى قواعده الشعبية الراسخة. وهي معروفة باهتماماتها ودفاعها الصادق عن حقوق الشعب الفلسطيني السليبة، وقد قامت ضمن مجموعات دولية بزيارة قطاع غزة المحاصر بعد الغزو الإسرائيلي والفظائع التي ارتكبتها تل أبيب ضد الأطفال والنساء، والتي زادت من حدة الاحتجاج والإدانة لها واضطر مجلس الأمن إلى التحقيق فيها.
"ديفس" أجرت مقابلة مع صحيفة محلية، تحدثت خلالها عن مشاهدتها -أو بالأحرى شهادتها- عن الأحوال المأساوية والظروف اللاإنسانية التي يعيشها سكان غزة والتي كما رأت، أن المجتمع الدولي لا يوليها الاهتمام الإنساني اللائٍق بها. ووصفت -بالحق- الاحتلال الإسرائيلي الذي بدأ عام 1948 بأنه (الاحتلال الأطول في العالم).
بعض الصحف القومية "الأمينة" تلقفت عبارة (الاحتلال الأطول في العالم)، وتجاهلت ما ورد على لسان "ديفس" من حديث عن أحوال سكان غزة المحاصرين وظروفهم المأساوية. وتحركت الآلة الإعلامية الصهيونية وفتحت نيرانها القوية وجندت أقلامها المعروفة للهجوم على تلك السيدة التي تجرأت أن تذكر العالم بالحقيقة الواضحة وضوح الشمس، ووصفتها بكل الصفات الجاهزة، ضد كل من يتطاول ويمس "العجل المقدس" المسمى إسرائيل. ووجد رئيس الوزراء الكندي المشغول قطعاً هذه الأيام بمتابعة الأزمات التي خلفتها له، قمة مجموعة الثماني، ليتحدث عن تصريحات النائبة الفيدرالية معتبراً إياها مشابهة لتصريحات الصحفية الأميركية الأشهر "هيلين توماس"، التي أرغمت على الاستقالة من عملها بعد أن عملت على تغطية أخبار البيت الأبيض لقرابة أربعة عقود، وأرغمها اللوبي الصهيوني الأميركي على الاعتذار المهين.
وواصلت بعض الأقلام التهجم على "ديفس"، وطالبت باستقالتها من عضوية مجلس النواب، كي تصبح "أمثولة" يجب أن يتعظ بها كل من يتعدى الحدود ويقول كلمة حق ضد إسرائيل، ولو كانت تلك الكلمة تقرير ما هو معلوم من احتلال الدولة العبرية لفلسطين الذي أصبح أطول احتلال في التاريخ المعاصر.
وحتى "جاك ليتون"- رئيس الحزب "الديمقراطي"- الذي يعتبره العرب الكنديون صديقاً لفلسطين ومحامي الحق الفلسطيني، سارع بوصف تصريحات زميلته الشجاعة بـ"الخطأ الكبير"، واتصل بالسفير الإسرائيلي للتبرؤ من مواقف "ديفس" (مشيراً إلى أنها لا تعبر عن رأي الحزب). ولقد كان موقف "جاك ليتون" صدمة حقيقية لكثير من أعضاء حزبه من الكنديين العرب وغيرهم من قواعد هذا الحزب اليساري!
إزاء الهجوم الجارف ضدها من اللوبي الصهيوني ورئيس حزبها، اضطرت النائبة الأمينة أن تصدر بياناً صحفياً اعتذرت فيه عن "سوء الفهم" الذي صحب تصريحاتها تلك، ولكنها في الوقت ذاته رفضت اتهامها بكراهية إسرائيل والشعب اليهودي، مؤكدة موقفها الثابت وتأييدها لحل الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية، وهو الموقف الذي قرره وعمل على تحقيقه المجتمع الدولي، وأعلنت بل استهجنت أن يطالب البعض باستقالتها من عضوية مجلس العموم، وهي تعرف أنها في ذلك مدعومة ومؤيدة من قاعدتها الانتخابية، بل قالت إنها تعرف أن هنالك تعاطفاً حقيقياً في الوسط النيابي الكندي (لكنه خائف من الحديث حول هذا الموضوع).
لقد أرادوا أن يجعلوا من "ديفس" الكندية أمثولة كـ"هيلين" الأميركية، ومثل هذه المحاولات الماكرة ومحاولات الإرهاب الفكري الذي تمارسه الآلة الصهيونية الإعلامية ستستمر، ولن يعدم الحق والعدل مدافعين أمناء شجعان. وكما قالت السيدة المحترمة "لبى ديفس"، فإنه سيكون دائماً هناك من يتعاطف مع حقوق الشعب الفلسطيني وعن حقوق العرب في مختلف أنحاء المعمورة.
لكن السؤال المؤرق حقاً: ماذا فعلنا نحن "أصحاب هذا الحق" لدعم ومؤازرة المحامين والمدافعين عن حقنا؟


عبدالله عبيد حسن

اقرأ أيضا