الاتحاد

تقارير

«الحرائق» الروسية... فرصة لتعزيز دور بوتين

لعـب رئيـس الوزراء الروسـي فلاديمير بوتين دوراً محورياً في أزمة الحرائق الأخيرة التي دمرت ما لا يقل عن نسبة 20 في المئة من محصول الذرة وغيره من المحاصيل الزراعية الروسية. وعليه فإن من شأن تلك الحرائق المدمرة التي شبت أثناء أشد موجة حر تشهدها روسيا منذ عدة عقود، أن تحدث تغييراً في المشهد السياسي جراء صعود بوتين -الرئيس السابق ورئيس الوزراء الحالي- مجدداً إلى الواجهة. ذلك ما أكده نيوكلاي بتروفيتش -المحلل السياسي بمركز كارنيجي في موسكو- بقوله: لقد أتاحت أزمة الحرائق هذه لبوتين، فرصة كبيرة للظهور عبر شاشات التلفزيون باعتباره المسؤول الأول عن السيطرة على الكارثة.
وخلال الأيام القليلة الماضية، ظل بوتين يتنقل من مكان لآخر ويظهر عبر القنوات والفضائيات المحلية والدولية، ويتخذ من القرارات الحازمة الهادفة إلى السيطرة على الكارثة وعواقبها. بدا بوتين في صورة القائد الذي يستطيع تطييب خواطر شعبه بوعود تقديم المساعدات الإنسانية والاقتصادية للمتضررين، مع إلقائه اللوم والمسؤولية عما حدث على المسؤولين المحللين. بصورة عامة، فقد بدا بوتين أشبه بمنقذ لأمته.
وعلى أية حال، فقد اتخذ بوتين هذه الهيئة بالفعل، على رغم كونه مسؤولاً قيادياً في الحكومة الاتحادية، ويقع عليه اللوم مثل غيره من المسؤولين في عدم استعداد روسيا بما يكفي لكارثة حريق مدمر كهذه، على حد ما جاء في المقال الانتقادي الحاد الذي نشرته صحيفة "فيدموستي" الاقتصادية.
وأشار المقال إلى أن بوتين كان قد ألغى خدمة الغابات الحكومية قبل ثلاث سنوات، بينما خفض التمويل الحكومي المخصص سابقاً لتمويل إجراءات مكافحة الحرائق. وحسب ما جاء في الصحيفة، فإن روسيا تنفق الآن ما لا يزيد عما يقابل 4 سنتات فحسب على خدمات مكافحة الحرائق مقابل كل هكتار من أراضي الغابات، مقارنة بأربعة دولارات تنفقها الولايات المتحدة على المساحة المكافئة من غاباتها الطبيعية. ووفقاً للبيانات التي توفرت عن الكارثة حتى يوم الثلاثاء الماضي، ذكرت الحكومة أن نحو 529 حريقاً هائلاً لا تزال تستمر في منطقة وسط روسيا. وتشمل هذه الحرائق ما وصفه علماء الأرصاد الجوي بـ"طوق ناري" يشمل 90 حريقاً هائلاً في المناطق الريفية والضواحي المحيطة بالعاصمة موسكو. وقد نجمت عن هذه الحرائق كتلة هائلة من الدخان في سماء العاصمة.
ما يثير القلق أن هذه الحرائق غير المسيطر عليها قد سرت في قلب الأراضي الروسية، وأدت إلى مصرع 40 شخصاً على الأقل، بينما شردت الآلاف من بيوتهم. ولا يقل سوءاً عن ذلك أنها ضربت منطقة الفولجا المعروفة بانحدار أراضيها وكثافة الأعشاب فيها.
وخلال ما يزيد على الشهر، ظلت المناطق الأوروبية من روسيا تشهد ارتفاعاً في درجات الحرارة يزيد بمعدلات تراوحت بين 10-15 على معدل 23 درجة مئوية التاريخي الذي يسود روسيا في هذا الوقت من العام. وخلال الفترة نفسها، انخفض معدل هطول الأمطار بنسبة تقل عن ثلث المعدل الطبيعي في الجزء الغالب من المنطقة الوسطى الروسية.
وقد أسفرت موجة الجفاف الأسوأ في تاريخ روسيا هذه، عن تدمير ما لا يقل عن نسبة 20 في المئة من محصول الذرة، ما يعني استمرار معاناة المواطنين الروس، مع توقعات ارتفاع أسعار المواد الغذائية بصفة خاصة، خلال موسم الشتاء القادم.
وحسب تنبؤات الأرصاد الجوية، من المتوقع أن تواصل درجات الحرارة ارتفاعها لتصل حتى 40 درجة مئوية خلال الأسبوع المقبل، على رغم توقع هطول بعض الأمطار الخفيفة. ويلاحظ أن انتظار الروس لهطول الأمطار في الأسابيع القليلة الماضية لم يسفر إلا عن وميض البرق وهدير الرعد وزخات مطر لا تروي الزرع ولا تذهب عطش الحقول للماء.
أما سياسياً، فإن من أهم التحولات التي أحدثتها الأزمة، بروز بوتين، الذي ظهر عبر شاشات التلفزيون والنشرات الإخبارية، وقد تكررت الانتقادات التي وجهها إلى المسؤولين المحليين، مصحوبة بطمأنته للمنكوبين والمتضررين من الحرائق.
وفي نهاية الأسبوع الماضي شاهد الجمهور بوتين وهو يهرع إلى منطقة "نيزيني نوفوجرود" التي تعتبر الأشد تأثراً بالكارثة. وهناك تعهّد رئيس الوزراء بإعادة بناء المنازل التي دمرتها الحرائق قبل نهاية العام الحالي، إضافة إلى تهديده بفصل المسؤولين المحليين من وظائفهم، وإصداره أوامر لمسؤولي المنطقة بإلغاء عطلات نهاية الأسبوع إلى أن تنتهي فترة الطوارئ التي تمر بها المنطقة.
المحلل السياسي المستقل، "أندري بوينتكوفسكي" يقول: لقد تولى بوتين إدارة هذه الأزمة بحزم أكيد قوي، والواضح أنه لم يرد للنخبة السياسية وحدها أن تدرك أهمية دوره، بل أراد لجميع الروس أن يدركوا ذلك. وفي المقابل، فقد أعلن ميدفيديف عن حالة الطوارئ في سبع مناطق متأثرة بالحرائق، بينما أعرب عن تعاطفه مع المواطنين المتضررين. ووفقاً لما نشرته الصفحة المخصصة للكريملن في موقع "تويتر" الإلكتروني، فقد وصف الرئيس الروسي الكارثة بـ"المأساة المروعة".
كما بث ميدفيديف تصريحات أخرى في الموقع الرسمي الخاص به. غير أن زوار تلك الصفحة الرسمية، يقلون كثيراً عن عدد مشاهدي النشرات الإخبارية الليلية التي تذيع تطورات الأزمة، مع العلم أنه يكثر ظهور بوتين خلالها الآن. وهذا ما يدفع كثيراً من الروس إلى الاعتقاد بأن بوتين سيكون المرشح الرئاسي الوحيد القادر على الفوز بانتخابات عام 2012.


فريد فاير - موسكو

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا