الاتحاد

تقارير

كينيا وأجواء الاستفتاء على الدستور الجديد

لا يستطيع "ديفيد نجيندو" نسيان ذلك اليوم الذي أعقب الانتخابات الكينية المتنازع عليها عام 2007 عندما اجتاح جيرانه كنيسة القرية التي يقطن فيها مسلحون بالفؤوس وأحرقوها بالكامل، فمازال صراخ النساء والأطفال الذين لجأوا إلى الكنيسة بحثاً عن الحماية يرن في أذنيه، حيث قضت جدته و35 آخرون من قبيلة "كيكويو" التي ينتمي إليها. واليوم يعود الخوف مجدداً ليستوطن نفوس "الكيكويو" في القرية الصغيرة الواقعة في "الوادي المتصدع"، في ظل الاستفتاء الذي طرح أمس حول كتابة دستور جديد للبلاد، وهو الدستور الذي يؤيده أفراد قبيلة "كيكويو" فيما يعارضه جيرانهم في الوادي من أعضاء قبيلة "كالينجين"، الأمر الذي يثير الرعب لدى "نجيندو" المتوجس من عودة العنف واستهدافهم مجدداً من قبل "كالينجين".
ويُذكر أن الدستور الجديد الذي طُرح أمس للاستفتاء الشعبي يرمي إلى معالجة الاختلالات القائمة في عملية توزيع السلطة بين القبائل الكينية المختلفة والتي كانت وراء الانقسامات الحادة التي شهدتها البلاد عقب الانتخابات الرئاسية عام 2007، وأسفرت عن مقتل ما لا يقل عن ألف شخص في مناطق عديدة من البلاد.
الاستفتاء يعد اختباراً حقيقياً لقدرة هذا البلد الحليف لأميركا في شرق أفريقيا على ترميم العلاقات بين مكوناته المتنوعة ومعالجة الانقسامات المتفشية بين قبائله، وفي حال تم إقرار الدستور الجديد، وهو ما ترجحه أغلب استطلاعات الرأي، ستقطع كينيا مع فترة الرئيس السابق "دانيال أراب موي" الذي حكم البلاد لأربعة وعشرين عاماً مكرساً سيطرته السياسية من خلال إجراءات يرى البعض أنها عمقت الشروخ العرقية في البلاد.
وتشهد كينيا في الفترة الحالية استقطاباً حاداً بين مجموعات دينية وإثنية مختلفة يطال مجموعة من القضايا المثيرة للجدل التي يعِد بها الدستور الجديد، ومن بين القضايا الجدلية توزيع الأراضي وإدراج المحاكم الإسلامية، فضلا عن اعتراف الدستور الجديد بحق الإجهاض، بحيث تتخذ الانقسامات طابعاً أوضح في "الوادي المتصدع" الذي يواجه فيه الدستور الجديد معارضة شرسة من قبل "الكالينجين" باعتبارهم المجموعة العرقية المسيطرة على المنطقة، فقد تلقى أفراد من قبيلة "كيكويو" بالإضافة إلى قبائل أخرى صغيرة تهديدات مبطنة، بما فيها رسائل غير موقعة تدعوهم إلى الرحيل من منازلهم، وبالفعل غادرت العديد من الأسر بيوتها متوجهة إلى البلدات المجاورة هرباً من العنف الذي قد يندلع عقب إقرار الدستور الجديد، وهو ما حدا بالسلطات الكينية إلى نشر أكثر من 18 ألف شرطي في منطقة "الوادي المتصدع" لحفظ الأمن وحماية الأهالي، وقد حل شعور طاغ بعدم الارتياح في مناطق بعينها مثل "كيامبا" بسبب تاريخ طويل من العنف عرفته المنطقة.
الدستور الجديد- حسب قبيلة "كيكويو"- وإنْ كان سيغير المشهد السياسي تغييراً راديكالياً، إلا أنه لن يبدل شيئاً في علاقاتهم المتوترة مع "كالينجين"، وهو ما توضحه "جريس وانجويي" بقولها "لا نستطيع الوثوق بهم"، فهي كانت مع العديد من أبناء قبيلتها داخل الكنسية في يوم السنة الجديدة للعام 2008 بعدما كان العنف قد اندلع قبل يوم من ذلك إثر إعلان فوز الرئيس "مواي كيباكي" في الانتخابات الرئاسية الذي ينتمي إلى قبيلة "كيكويو"، وفي تلك اللحظة التي لجأت فيها "انجويي" إلى الكنيسة تعرضت هذه الأخيرة لهجوم من قبل أفراد "كالينجين" واستطاعت الهرب بأعجوبة من النار بعدما كسرت إحدى النوافذ ونفدت بجلدها من الحريق.
ومع أنه في مناطق أخرى من البلاد تعرض "كالينجين" إلى الاستهداف من قبل مجموعات عرقية مختلفة، إلا أنهم في منطقة "الوادي المتصدع" حيث يشكلون الأغلبية كانوا الطرف المعتدي، وهو الأمر الذي أشار أليه "كيبكورير مينجو"، أحد أعيان قبيلة "كالينجين"، مؤكداً استمرار حالة التوتر بين "كالينجين" و"كيكويو"؛ ويرجع هذا الاحتقان في العلاقات بين القبائل الكينية واندلاع العنف في فترات متقطعة إلى استقلال كينيا عن بريطانيا في عام 1963 عندما وزع الرئيس الأول للبلاد، "جومو كينياتا"، أراضي زراعية في "الوادي المتصدع" على أفراد من قبيلته "كيكويو" مثيراً مشاعر الاستياء لدى الطرف الآخر، وبتولي الرئيس "موي" السلطة عام 1978 أعاد الأراضي إلى قبيلة "كالينجين" لتصبح المنطقة قاعدته الانتخابية الأولى.
لكن بعد الاضطرابات التي شهدتها البلاد بسبب الانتخابات الرئاسية للعام 2007، تمكنت الطبقة السياسية من التوصل إلى اتفاق لتقاسم السلطة بين "كيباكي" وخصمه "رايلا أودينجا" الذي يحظى حزبه بتأييد "كالينجين" لإنهاء الصراع الدامي الذي اندلع في العام 2008.
ومن ضمن ما جاء به اتفاق تقاسم السلطة كتابة دستور جديد للبلاد يطرح لاستفتاء عام، وينص على الحد من سلطة الرئيس لمنع أي قبيلة بعينها من الهيمنة السياسية على البلاد، كما يضعف مراكز القوى المحلية، بالإضافة إلى سماحه للحكومة المركزية باستعادة الأراضي التي وزعت لأغراض سياسية.
ومع أن الحكومة الأميركية أعربت رسمياً عن دعمها للدستور الجديد ودعت الكينيين إلى التصويت لصالحه، تعارض الجماعات المسيحية المحافظة في الولايات المتحدة بعض البنود مثل الاعتراف بالمحاكم الإسلامية الخاصة بالأقلية المسلمة في البلاد، بالإضافة إلى إدراج حق الإجهاض في حال تهديد الحمل لصحة المرأة.


سودرسان راجافان - كينيا

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست»

اقرأ أيضا