الاتحاد

دنيا

نجيب محفوظ: الحكيم أحق مني بنوبل


القاهرة ـ حلمي النمنم:
خصص منتدى 'كاتب وكتاب' بمعرض القاهرة للكتاب ندوته الاولى لمناقشة بعض الكتب التي صدرت عن نجيب محفوظ خلال عام 2005 فتمت مناقشة كتاب د· وفاء ابراهيم 'الفلسفة عند نجيب محفوظ' وكتاب القاص عبدالعال الحمامصي 'هكذا تكلم نجيب محفوظ' وادار الندوة الروائي يوسف القعيد·
اختارت د· وفاء الفلسفة عند محفوظ لأنه درس الفلسفة في الجامعة، وتخرج فيها عام 1934 وتتلمذ على يد الشيخ مصطفى عبدالرازق ومنصور فهمي وابراهيم بيومي مدكور وآخرين، وقرر ان يكمل دراساته العليا بالفلسفة وكان مقررا ان يسافر في بعثة تعليمية الى جامعة السوربون لنيل الدكتوراه ولكن عائقا بيروقراطيا حرمه من السفر فقرر ان يواصل دراسته في جامعة القاهرة وسجل نفسه لنيل درجة الماجستير مع استاذه الشيخ مصطفى عبدالرازق، وكانت حول فلسفة الجمال في القرآن الكريم لكنه انشغل بالأدب فلم يواصل الدراسة وبقيت المؤثرات الفلسفية في اعماله الادبية·
وتذهب وفاء ابراهيم إلى أن نجيب محفوظ تأثر في اعماله بفلسفة التاريخ فهو في رواية 'عبث الاقدار' يقدم التاريخ وكأنه بناء الهي مقرر من قبل على الانسان وعلى البشر ولا يد لهم فيه وهم مجبرون عليه، وفي روايته 'كفاح طيبة' نجد البطل الفرد صانع التاريخ من خلال شخصية 'احمس' الذي يسعى الى الاستقلال والبناء اما في رواية 'امام العرش' فتظهر نظرية التحدي والاستجابة' حيث شعر 'تحتمس' بان هناك تحديا من المحيطين بمصر فقرر ان يجعلها امبراطورية و'مينا' كان لديه تحدي الانقسام بين شمال الوادي وجنوبه، بحري والصعيد وكانت استجابته بالسعي الى الوحدة فوحد القطرين وإلى اليوم يحمل لقب 'موحد القطرين'·
واستفاد محفوظ من الفلسفة بأسلوب آخر وهو الاستعانة بفلسفة ما او نظرية في عمل من اعماله· وتوقفت د· وفاء ابراهيم عند نظرية 'كانط' الفيلسوف الالماني وتحاول ان تقرأ رواية محفوظ 'ليالي الف ليلة وليلة' على ضوء فلسفة كانط حيث في الرواية شخصيات تقدم عالم الايمان الثابت والقوي الذي لا تزعزعه الحوادث مثل الشيخ عبدالقادر البلخي، فهو مؤمن صوفي وهناك الذين يصيبهم الواقع بتحولاته مثل 'عجر الحلاق'· اما الواقع في الرواية فهو الانفتاح الاقتصادي الذي عرفته مصر بعد انتصار اكتوبر 1973 وقد انتهى محفوظ من كتابة الرواية في 1979 وكانت هذه السياسة في ذروة آثارها السلبية على المجتمع والافراد·
والواقع ان قراءة د· وفاء هذه يمكن ان تثير عدة اشكاليات صحيح ان القضايا والابعاد الفلسفية موجودة في معظم اعمال محفوظ لكن يصعب القول ان فلسفة بعينها هي التي سيطرت عليه في عمل، وان كانت الاعمال التي اختارتها هي اقل تلك الاعمال التي ظهر فيها البعد الفلسفي، فهناك رواياته الفلسفية بحق مثل 'قلب الليل والطريق والشحاذ' وغيرها اما 'ليالي الف ليلة' فهي تحمل نوعا من الحنين الى ماض جميل في حياة البطل والكاتب·
محلية وعالمية
كتاب عبدالعال الحمامصي يختلف كثيرا عن كتاب د· وفاء فهو ليس دراسة لمحفوظ ولكنه اعادة نشر لمجموعة حوارات مع محفوظ اجراها الحمامصي منذ اوائل السبعينيات وحتى بعد فوز محفوظ بنوبل في عام 1988 واهمية هذه الحوارات انها اجريت على فترات متباعدة وتدور في حوالي 30 عاما ويحدد الحمامصي عدة سمات لمحفوظ منها ما يطلق عليه 'مصريته الصميمة' فهو من جيل ثورة 1919 الذي تأثر بأفكارها والانتماء المصري الصميم لكنه لم يكن مثل د· حسين فوزي الذي اخذته مصريته الى تصور الابتعاد عن العالم العربي المحيط بنا وليس مثل توفيق الحكيم الذي دعا يوما الى حياد مصر على غرار سويسرا، كان هو دائما مدركا للعلاقة بين مصر ومحيطها العربي، وقد وضح ذلك في اعماله وفي حواراته ويربط بها الروح المحلية في اعماله فقد اهتمت رواياته الاولى بأزقة القاهرة وحواريها وقدم الأسر الفقيرة والشباب المصري والفتيات الطموحات وهذه المحلية هي التي اوصلته الى العالمية فنال نوبل،
ويضيف الحمامصي ان اهم ما لمسه في محفوظ وحواراته هو وفاؤه الشديد لمن سبقوه فقد اعترف بانه تعلم كثيرا من مسرحية توفيق الحكيم 'اهل الكهف' فقد حملت معنى الفن واستفاد هو من ذلك كثيرا في اعماله واضاف اليها ذلك المعنى 'الفن'، فلم تكن اهل الكهف مجرد حكاية تاريخية او قصة دينية لكنها مع الحكيم صارت معان كثيرة حدث لها خلق حقيقي ورغم تقدير محفوظ لاساتذته ومن تعلم منهم خاصة الشيخ مصطفى عبدالرازق وسلامة موسى وطه حسين لكن تقديره للحكيم كان مختلفا حتى انه بعد ان فاز بجائزة نوبل قال لم يكن ممكنا ان انالها انا اوغيري من الكتاب العرب في وجود توفيق الحكيم كانت اللجنة ستجد حرجا في ان تمنحها لكاتب غيره فهو يستحقها بجدارة ومن سنوات، لذا انتظرت لجنة الجائزة موت الحكيم ثم جاءت الينا لكن ماذا لو فاز بها محفوظ في وجود الحكيم؟
ويجيب محفوظ: بالتأكيد لم اكن سأرفضها فأنا بحاجة لها ماديا ومعنويا لتأمين مستقبل اسرتي التي لم اترك لها شيئا ومعنويا يحتاج الأديب الى التقدير والاعتراف خاصة اذا جاء من جهة لها طابع دولي وجائزة تحمل هذا الزخم الدولي الضخم، وكنت سأذهب الى الحكيم واتحدث معه واستأذنه في ان اقبلها فهو استاذي وهو يستحقها قبلي وقد اعتبر محفوظ الجائزة تتويجا لجهود جيله والاجيال السابقة عليه·
والنقطة الأخيرة التي توقف عندها الحمامصي يطلق عليها هو التواضع النبيل وذلك انه ذات مرة انتقد رواية 'زقاق المدق' بأن نهايتها فيها قدر من الترهل أو التطويل في الوصف ولو انها كانت اقل من ذلك لظهرت اجمل وأروع، ويقول انه فوجيء بعد هذا النقد بمحفوظ يتصل به ويعرب له عن موافقته على هذه الملاحظة، وأرجع ذلك الترهل الى انه كتبها في فترة مبكرة من حياته الابداعية ولو انه اعاد كتابتها ثانية فسوف تختلف النهاية بالتأكيد·
وقد لا نتفق مع الحمامصي في وصف تلك الحالة بالتواضع، هي، روح ليبرالية حقيقية تجعل محفوظ يتقبل ملاحظات الآخرين وانتقادهم لاعماله ويحاول الاستفادة منها او يتسامح معها ولولا ذلك ما احتمل هجوم اليسار المصري عليه في الخمسينيات والستينيات حيث اطلقوا عليه كاتب البرجوازية الصغيرة وهاجموه بضراوة واطلقوا على اعماله احكاما بالغة القسوة وقد لا يحتمل ذلك كتاب آخرون ويوسف ادريس مثلا كانت تزعجه بشدة اي ملاحظة او مأخذ على عمل من اعماله·
وقال الحمامصي ان محفوظ بدأ حياته الادبية باصدار ثلاثية تاريخية فرعونية وهي 'عبث الاقدار ورادوبيس وكفاح طيبة' وتساءل: لماذا لا يعاملها النقاد مثل ثلاثية 'بين القصرين والسكرية وقصر الشوق'؟ واختلف معه يوسف القعيد في ذلك موضحا ان ثلاثية بين القصرين لم يكتبها محفوظ كثلاثية ولكن كانت رواية واحدة فلما دفع بها الى الناشر سعيد السحار تخوف الأخير من ان ينشرها في كتاب واحد وقال له 'ايه الداهية دي كلها'؟ وتم تقسيمها على هذا النحو ويمكن ان نضيف الى ما سبق ان ثلاثية بين القصرين يجمع بينها وحدة الموضوع وتواصل الاجيال فهي في النهاية باجزائها تتناول سيرة تاريخ اسرة احمد عبدالجواد اما الروايات الثلاث السابقة فلا تربطها وحدة الموضوع ولا الشخصيات الا انها تدور جميعا في رحاب التاريخ الفرعوني لكن لكل منها موضوعا مغايرا·
ضد السفر
استغراق نجيب محفوظ في الطابع المحلي كان سببا في رفضه السفر للخارج وهو بين ابناء جيله واصدقائه لم يكن محبا للسفر وكان توفيق الحكيم وحسين فوزي يسافران سنويا الى اوروبا كذلك كان طه حسين ولويس عوض فضلا عن مجايليه مثل احسان عبدالقدوس ويوسف السباعي وأنيس منصور ويوسف ادريس الذي كتب ثلاث روايات من خلال رحلاته مثل 'رجال وثيران' عن مصارعة الثيران في أسبانيا، وروايته 'نيويورك '80 بعد رحلته للولايات المتحدة وروايته عن فيينا لكن محفوظ لم يسافر طيلة حياته الا الى الاسكندرية صيفا ومرة واحدة زار بورسعيد في طريق عودته من الاسكندرية وكان لابد ان يمر بها اما في اتجاه الصعيد فلم يتجاوز حدود مدينة الجيزة وسافر الى الخارج 3 مرات فقط وكان مضطرا، المرة الاولى كانت الى اليمن بقرار من المشير عبدالحكيم عامر حين قرر ارسال وفد من الكتاب الى اليمن لمتابعة الجيش المصري هناك وحاول الاعتذار لكنه لم يتمكن وكان المشير مُصرا والمرة الثانية كانت الى يوغسلافيا في مؤتمر أدبي يمثل الجمهورية العربية المتحدة وكان السفر بقرار من الرئيس جمال عبدالناصر فاضطر الى ركوب الطائرة للمرة الثانية، والمرة الثالثة كانت بأوامر الاطباء حين سافر الى لندن لاستئصال جزء من الامعاء ورفض السفر لكن الحاح الاطباء وضغط الاصدقاء دفعه للموافقه ويذكر انه رفض السفر الى استوكهولم لتسلم جائزة نوبل والقاء كلمة وقد اناب عنه ابنتيه لحضور الحفل ومحمد سلماوي لالقاء الكلمة مما كان موضع تساؤل واندهاش في العالم كله لكنها طبيعة محفوظ غير المحبة للسفر وهو الطابع الذي انعكس على شخوص رواياته·
القرض الحسن
صحح يوسف القعيد بعض المعلومات التي وردت من المتحدثين مثل قول د· وفاء ابراهيم ان نجيب محفوظ عمل في بداية حياته بمؤسسة الرهنيات والصحيح انها مؤسسة القرض الحسن وكانت تتبع وزارة الاوقاف وهي الى اليوم تتمثل في القرض الحسن الذي يمكن ان تقدمه الوزارة عبر بنك ناصر الاجتماعي الى الفقراء والمحتاجين، وكان وجود محفوظ في هذه المؤسسة مصدرا ومادة لعدد من رواياته الاولى مثل 'بداية ونهاية' فقد التقى فعليا بالبطلة الأم حين ذهبت اليه تشكو حاجتها وتطلب معاونة المؤسسة وقد تتبعها نجيب وعرف الكثير من تفاصيل حياتها وظروفها وكانت نواة روايته التي عكست انهيار الطبقة الوسطى في المدن المصرية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية·

اقرأ أيضا