الاتحاد

دنيا

فاروق وجدي طفل في السبعين

القاهرة - ياسر سلطان:
'سوسة··· كف عروسة'، ما أجمل هذه الكلمات التي يرددها الأطفال عندما يلعبون ويصفقون، إنها تراث مازال يفرض وجوده، وترتبط هذه الألعاب التي يمارسها الاطفال بأغنيات تلقائية مثل 'يا وابور يا مولع، حط الفحم' و'أنا الغراب النوحي·· أخطف وأروح لسطوحي' وغيرها من الأغنيات المعبرة الأخرى· وتراثنا الشعبي غني بهذه الألعاب كلعبة 'الحجلة' التي يمارس فيها الاطفال الرسم على الأسفلت بالطباشير الملون، ويقفزون في رشاقة من مربع لآخر، وايضا لعبة 'كرسي الباشا' و'نطة الانجليز' و'المراجيح والنيشان وصندوق الدنيا والأراجوز' الذي كان لسان حال الشعب في أوقات الشدة، ومن الألعاب الجميلة 'التعلب فات وفي ديله سبع لفات' والعديد من هذه الألعاب انقرض أو في طريقه الى الانقراض بفعل طبيعة العصر الذي نحن فيه وما به من مستحدثات جديدة وأساليب مختلفة للتسلية·
هكذا قدم الفنان التشكيلي فاروق وجدي لمعرضه الذي يقام حالياً في قاعة 'قرطبة' بالقاهرة، معبرا عن شعوره بالأسى على زمن الطفولة الغابر·
تدور أعمال فاروق وجدي في جملتها حول المضمون الرئيسي الذي حاول الفنان لفت الانتباه اليه بتسجيله في لوحاته وهو العاب الاطفال المحببة التي ربما غابت ملامحها في الذاكرة، واحتلت مكانها ألعاب الكمبيوتر والفيديو جيم·
ويأتي هذا المعرض في سياق اهتمام الفنان بالموروث الشعبي وحرصه على تسجيل العادات ورصد العلاقات والمظاهر الاجتماعية الخاصة التي تكاد تندثر كالحكايات والحواديت ومظاهر الاحتفال بالمناسبات والعاب الاطفال التي يتناولها في معرضه قائلا: الطفل، خلاق، ومبتكر، وفنان بالفطرة والطفل المصري كغيره يحمل في جيناته ارثا حضاريا كبيرا من العصر الفرعوني وحتى الاسلامي، ومن خلال ممارسته اللعب في الحارة المصرية قديما أو حديثا، وتحت ظلال النخيل في الريف وعند تسلقه لأشجار التوت والجميز ابتكر مجموعة كبيرة من الألعاب التي تنمي التقارب بين الاطفال وتزيد رابطة الحب·
الحُكشة
واضاف: الآن وانا أقترب من السبعين تذكرت هذه الألعاب التي مارستها صغيرا ولم يعد لها وجود الآن· فلقد مارست على سبيل المثال حين كنت طفلا في القرية لعبة 'الحكشة' التي يلعبها الاطفال بجريد النخل الذي يضربون به كرة مصنوعة من القماش، وهي إحدى الالعاب التي تتميز بالحيوية واعمال الذهن، وبقدر ما بها من خصوصية فانها تتشابه كثيرا مع لعبة 'الهوكي' المعروفة·
وقال: حين شرعت في رسم هذه الاعمال بدا الأمر كما لو انني استدرجت الى عالم شاسع من البهجة والصفاء، إذ وجدت نفسي أمام كم هائل من العاب الاطفال، مثل بالنسبة لي تحديا كبيرا، فرحت اسجل ما استطعت تذكرة من هذه الالعاب التي تعد من ابرز مظاهر التراث الشعبي التي يجب ان نلتفت اليها بالتسجيل والدراسة·
واضاف: وفي هذه الرسوم كان لدي اهتمام بهذه اللحظة التي تعطي الانطباع الدائم عن اللعبة وبألوان دافئة مثل الطبيعة المصرية، والساخنة كمشاعر الاطفال ويدفعني الخوف من شحوب الذاكرة، واختفاء معالم هذه الصور من ذهني ولم أقصد هنا التسجيل المباشر وانما اردت ان اقدم بعض الرموز التي توحي بهذه اللعبة التي تتجسد أمامي على مساحة التوال حسب الحالة النفسية التي مارستها وأنا صغير· أو شاهدتها أو تذكرتها كبيرا، وهكذا بدا كل عمل من الأعمال المعروضة قائما بذاته وله شخصية مستقلة تتجسد فيها روح هذه اللعبة أو تلك·
ألوان وألحان
ومن معارضه التي تركت علامة في الوسط الفني المصري ذلك المعرض الذي اقامه عام 1995 وتناول فيه جانبا من أغنيات الفنان محمد عبدالوهاب· إذ كانت كل لوحة فنية تمثل أغنية أو لحنا من الحان عبدالوهاب التي من أكثر الألحان الموحية لدى الفنان فاروق وجدي كما يقول· اذ لا يلذ له العمل والابداع الا على انغام موسيقاه وألحانه حتى ألح عليه ذلك الهاجس الذي دفعه الى ترجمة هذه الالحان والكلمات التي طالما أثرت فيه الى اشكال وعناصر ومفردات مرسومة على التوالي·
وهذه ليست المرة الأولى التي يحاول فيها الجمع بين التشكيل والموسيقى اذ سبق له ان قدم مجموعة من الأعمال المرسومة من وحي أوبريت 'الليلة الكبيرة' للشاعر الكبير صلاح جاهين تناول فيها المظاهر المرتبطة بالموالد، وما بها من ثراء في الشكل واللون والتناول الذي يمس جانبا مهما من جوانب الحياة والثقافة والحس الشعبي الذي يرى ان الاهتمام به تراجع امام هجمة الاتجاهات الحداثية الوافدة من الغرب·
ويتمنى الفنان فاروق وجدي من خلال معرضه القاء الضوء على العاب الاطفال التراثية التي تكاد تندثر، والتي يتمنى ان يراها تمارس داخل المدارس في حصص النشاط المدرسي لانها تنمي الخيال لدى الاطفال وتوجد بينهم الألفة والمحبة، والصداقة، وغيرها من المشاعر والعلاقات الحميمة·

اقرأ أيضا