الملحق الثقافي

الاتحاد

مواجهة مع الفئران

فرد يده، وباعد بين أصابعها، فانبسطت الأجزاء المتغضنة، واختفت الانتفاخات، وشاهد الخطوط الثلاثة الرئيسة التي تتوسط الكف تعود إلى حالتها الطبيعية. مع ذلك، لم يرفع بصره عنها، لم تشبع منها عيناه، من رؤوس الأصابع حتى الرسغ، ومن طرفها الأيسر إلى رأس الإبهام. وفي اللحظة التي عبرت فيها عيناه التعرجات والأخاديد طولاً، وبينما تتداعى إلى ذاكرته مصافحات كثيرة لم تتجاوز محيط اليد، راحت تتشكل يده على هيئة ملعقة طعام.
من بين أسوأ الأوضاع التي يمكن أن تأخذها اليد، ليس هناك ما هو أشد على قلبه من الوضع الذي تأخذ فيه شكل ملعقة طعام. إنه الشكل الذي تشتهر به أيدي الشحاذين في البلد. أيد كثيرة، أيد مختلفة الأحجام والألوان، ناعمة وخشنة، ظاهرة وخفية، كلها تستجدي القليل دائماً، وهذا ما تفعله الملاعق عموماً، لكنه بالخبرة يعرف أن يده لا يعنيها كيف تكون أيدي الشحاذين، بل إنها على هذه الهيئة، على هذه الهيئة بالتحديد، تعني أنه يتضور جوعاً، وعليه أن يأكل. نهض من مكانه، وبعد وقفة قصيرة لضبط توازنه وتحديد اتجاهه، صار المجسم خلفه بالضبط، وفي ما هو يتقدم جهة النافذة، رأى حول المصباح فراشة تطير في خط متعرج، ورأى شعراً كثيراً يتساقط من ثيابه على نشارة الخشب.
فتح الباب المؤدي إلى الغرفة والمطبخ، دخل، وأغلق الباب بإحكام. اتجه إلى المرآة ليتفقد احمرار عينه، لكنه تذكر أن شرائح الجبن في الثلاجة، وكان عليه أن يخرجها منذ ساعة على الأقل؛ لأنه لا يحب تناول الجبن بارداً مع العيش. فتح الثلاجة الصغيرة، وكالعادة، امتلأت أركانها بضوء مائل إلى الأصفر، وانبعث من عمقها شتاء صغير، لكنه كان كافياً لأن يذكره بأيام البرد الطويلة المملة في الطائف. أخرج ثلاثاً من شرائح الجبن، وبحث في رفوف الباب عن مربى المشمش الذي كان اشتراه منذ يومين، لكنه وجد العلبة فارغة.
بعد أن أشعل العين الصغيرة في البوتاجاز، وضع عليها إبريق الماء ثم غطاه بصحن ووضع في الصحن شرائح الجبن من دون أن ينزع عنها أغلفتها البلاستيكية الرقيقة.
في طريقه إلى المرآة، أمسك بكيس خبز الصامولي، وحمله معه، وكان مركوناً بجوار سلة الأواني القريبة من مجلى الغسيل، فتحسسه بيده وهو ينظر إلى سطح الغرفة بحثاً عن وزغان متطفلة، وتأكد له من خلال لمس الكيس بأصابعه أن في الكيس أربع قطع فقط، وكانت ناشفة بعض الشيء، وعندما أنزل بصره إلى الكيس عرف لماذا، فقد كان مفتوحاً منذ الصباح. منذ زمن طويل كف عن لوم نفسه عند حدوث مثل هذا الخطأ، فقد اكتشف مع تكرر التجارب أنه يخطئ أكثر كلما لام نفسه على وقوع هفوة مثل هذه التي وقع فيها الآن. اكتشف أنه كان يعذب نفسه من أجل أشياء لا تستحق. قال إن الوقت سيمر في شكل أفضل مع الخبز الناشف إذا تناوله كما هو ولم يفكر في المخلوقات الكريهة التي تعيش معه في سكنه.
حتى مع افتراض أن بعضها اقترب من الكيس، وتشمم ما فيه فإنه، إن كان فأراً، سيتردد كثيراً في الدخول، فرائحة الخبز مع وجود السموم الكثيرة التي تنتظره في كل مكان تقريباً، ليست كرائحة الجبن حادة ومغرية.
للخبز رائحة الأشياء سريعة التغير، يكفي أن تمر عليه بضع ساعات مكشوفاً للهواء ليصبح شيئاً يابساً يحدث عند ثنيه صوت تكسر الخشب. الفأر حيوان ذكي لا يريد أن يموت بسهولة، فالموت بالنسبة إليه هو أن يقع ضحية مراهنة خاسرة مع الحياة، لذلك هو في منتهى الحذر مع المغريات، فأية هفوة تفقده حياته، وأغلب الظن أنه ينظر إلى الحياة كطبق من السم القاتل تتخلله أقماع صغيرة من العسل، وعليه أن يعيش كصياد متمرس يعرف ما الذي يستحق أن يفتح من أجله فاه. رغم ذلك، قال وهو يقف أمام المرآة وقد لبسته حالة خوف من التسمم، ها هي الفئران تموت في المطبخ بسبب أخطاء تافهة.
نظر إلى عينه المريضة في المرآة، وقد عزم ألا يأكل من الخبز، فرأى احمراراً على شكل لطخة كبيرة تحيط بالسواد. غسل وجهه، وركز على تنظيف عينه الحمراء حتى أحس بألم في ظهره، ثم تناول القطرة التي وصفها له الطبيب وقطر في عينه عدة قطرات. شعر بالقطرات مثل كائنات متناهية الصغر لها أسنان نارية تنغرس في عينه وتندلع فيها بشراهة، كائنات مفترسة داخل العين، العين الحمراء التي لا يدري كيف وصلت بها الأمور إلى أن تشكل له تهديداً بلغ من جديته أن حدا بالطبيب إلى أن ينصحه بملاطفتها على هذا النحو. بقطرة دواء يقول إنها ستخفف من تهيجها الغامض، وإنها ستعيدها مع مرور الوقت إلى حالتها الطبيعية، لكن ها هي القطرات في أفضل وضع لتسبب له مشكلة حقيقية مع هذه الفكرة التي يقول الطبيب إنها هي الحل المناسب، وإنه كان يقوم بالإجراء الصحيح عندما جاء إليه في ذلك الصباح مشتكياً من احمرارها الواضح، ومن الحكة التي فيها. أن يعرض عينه على طبيب ليفحصها، فهكذا يفعل الأطباء مع المرضى، قال الطبيب كلمة “المرضى” مثل أية كلمة يقولها لتهدئة الأعصاب، بل كان يبتسم عندما تلفظ بها. غريب أمره، لم يقل هو عن نفسه إنه مريض حينما سلَّم عليه في عيادته فاستقبله مرحباً وسأله عن الأحوال. قال إنه بخير، يتذكر أنه قالها بصوت مسموع، فرد عليه الطبيب قائلاً الحمد لله، ثم انهمك معه للحظات في حديث عام مثل الإجازة والصيف في الطائف، إلى أن سأله عن سبب زيارته.
قبل السؤال كان صديقه الذي يتمتع بصحة جيدة، وكان ينظر إليه وإلى عينه من دون تمييز صحي، ولكنه أول ما فاتحه بالموضوع تنحنح واتخذ وضعية جلوس مختلفة على الكرسي وتغيرت نبرة صوته، وحول نظره إلى الملف الذي بين يديه، ثم لما احتضن ذلك الجهاز البارد وجهه بدأت الأمور تأخذ منحى مختلفاً، صار في نظره مريضاً!
أمره بشيء من الجدية الجافية أن يأخذ الدواء بانتظام، وأن يبتعد مؤقتاً عن مكان عمله؛ لأنه ملوث وغير صحي، وطلب منه أن يعود إليه بعد أسبوع لمتابعة الحالة. وكان الدواء، هذه القطرة المفترسة التي تشتعل في عينه، ومن المحتمل أن تتضرر منها العين ضرراً بالغاً إذا أبقاها مغلقة مدة أطول. ثم إن كثيراً من الأشياء يراها عندما يغلق عينيه مغلفة بالسواد، الأصدقاء، المطر، جبال الشفا التي يحبها في الصيف، وأشياء أخرى كثيرة لها ألوان مختلفة ومظاهر تبدو جميلة في الرؤية العادية، والأغرب أنه يرى أمه من بين كل هذه الأشياء أشد سواداً، وكلما طال وقت النظر إليها ابتعدت أكثر في العتمة، وليس يدري هل هي التي تبتعد من تلقاء نفسها أم أن السواد الذي دونها يكبر ويتمدد؟ وفي الآونة الأخيرة أضيفت عين الصيدحي إلى أشياء جفونه المطبقة. تضايق من وجودها المتطفل، إذ يكفي أنها وجدت من الأساس نتيجة خطأ محتمل فصارت عيناً واحدة كبيرة بدلاً من عينين متجاورتين كالعادة. ظن أن المشاهد الأخرى ستجعلها أصغر، وقد تلقي بها وراءها فلا تظهر أبداً، لكن العين سرعان ما خيبت ظنه فبمجرد أن ثبتت في الرؤية، وما إن تعود على ظهورها القسري، حتى غدت الأشياء الأخرى هي التي تدور في داخلها، أضحت عيناً كبيرة داخل عينيه، وزادت كثافة العتمة عن ذي قبل. ومع هذه القطرة توحشت أكثر حد أنه يشك أحياناً في أن عينيه مغلقتان بالفعل.

* قاص وروائي سعودي، والنص فصل من رواية تصدر قريباً بعنوان “سفوح التين الشوكي”

اقرأ أيضا