الاتحاد

الملحق الثقافي

عبر فراغ العالم أبحث عنك

رافائيل ألبرتي *
ترجمة: عبدالكريم كاصد

الفردوس المفقود
عبر العصور،
عبر فراغ العالم،
يقظاً، ابحث عنك.

خفيّاً ورائي
يحرس،
دون أن يمسّ كتفي
ملاكي الميّت.

أين هو الفردوس
أنت يا من كنت هناك، أيها الظلّ؟
بصمتٍ يسأل.

مدنٌ بلا ردّ
أنهار بلا كلمات، قمم بلا أصداء
بحار خرس

لا أحد يدري
رجال مسمّرون واقفون
على ضفة قبورٍ بلا حراك
يجهلونني

طيور حزينة
أغانٍ متحجرة،
توجهٌ مذهول

عميان لا يعرفون شيئا
رياح قديمة، بلا شمس
هامدة على المسافات.

متكلسة، تنهض للرحيل
ساقطة على قفاها
ما تقولهُ قليل.

باهتة، تهرب السماوات منّي
والحقيقة التي تخفيها
بلا شكل

الآن وعند نهاية الأرض
على الحدّ الأخير
تنزلق العينان

في الهاوية السوداء
أبحث عن ذلك الدهليز الأخضر
وقد مات فيّ الأمل.

آه يا ثلمة الظلال!
يا غليان العالم!
أيّ اختلاطٍ للعصور أنت!

إلى الوراء! إلى الوراء!
يا لرعب الظلمات الخرس!
يا لروحي كم هي ضائعة!

استفقْ، أيها الملاك الميت
أين أنت؟
أضيء بشعاعك الأياب!

صمت، صمت
ساكنة دقّاتُ لا نهاية الليل.

أيها الفردوسُ المفقود
أنت مفقود لأبحث عنك،
أنا، بلا ضوء، إلى الأبد

غزلية بلا شفاء
لأن نيراناً حزينة أضاعتك أخيراً
وسحب بطيئة سهرت
لتقطع الطريق إلى القصر، والسجن الثلجيّ
حيث الوردة تنسى الأشباح

قلبي بلا صيحة حربٍ، ولا كتائب
يتقدّم وحيداً لاقتحام هذه الأضواء، ومرايا الرماد
وهي تحملُ موتىً إلى البلد الميت.

انظري صدره صاعداً
جدولين من الماء والدم، نحو صدرك
محترقاً بجمرات جوفاء، بسيطة، زائفة،
يا زهرتي، ألمي، الذي لا شفاء منه

دعوة إلى الهواء
أيها الظلّ، أدعوك إلى الهواء
يا ظلّ عشرين قرناً،
إلى حقيقة الهواء
الهواء، الهواء، الهواء

أيها الظلّ الذي لا يفارق كهفه أبداً
لم تُعد إلى العالم
الصفير الذي وهبه إياه الهواء
في ساعة الميلاد
الهواء، الهواء، الهواء

يا ظلاّ بلا ضياء
أيها المنجميّ في أعماق عشرين قبراً
عشرين قرناً فارغاً بالهواء
بلا هواء، بلا هواء، بلا هواء

أيها الظلّ إلى القمم أيها الظلّ
قمم حقيقة الهواء
الهواء، الهواء، الهواء

خديعة
أحدٌ ما خلفكِ، وراء ظهركِ
أحدٌ يغمض عينيكِ بالكلمات

خلفك، بلا جسدٍ،
ولا روح،
صوت حلمٍ مكسور
ضبابيّ.
صوتٌ ضبابيّ،
مكسور.

بكلمات، وزجاج زائف

عمياء، في نفقٍ ذهبيّ،
من المرايا الخبيثة،
تلتقين بالموت
في سرداب.

وحيدة أنت مع الموت هناك،
في سرداب.

صعود
أوتارٌ تصفر سُمعتْ
وهي تسوط مجرّحة الجدران والرطوبة.

أسئلة مؤجلة بين الطحلب والظلمة المعلّقة
سُمعتْ.
سمعتها.

كلاّبات صامتة كانت تجوب الصمت
صمت الماء المشدود، بحثاً عنك

قبرٌ مكسور
صمت الماء المشدود
وأربعة أثلامٍ تبحث عنك

صدى روحٍ غارقة في حلمٍ محتضر
صدى روحٍ لا ارض لها، لتفقدها ولا بحار
أربعة أصداء تهرب عالياً

صوب الضوء،
صوب السماء،
صوب الريح.


الدقيقة الشريرة
عندما كان لي القمح منازل نجومٍ وآلهة
والصقيع دموع غزالٍ جمدتْ
غطّى أحدهم بالجبس صدري وظلّي
وقد خانني

تلك كانت دقيقة الرصاصات التائهة
دقيقة الاختطاف عبر البحر
اختطاف الرجال الذين أرادوا أن يكونوا طيوراً
دقيقة البرقية المفاجئة
دقيقة لقية الدم،
دقيقة موت الماء الذي طالما حدّق في السماء

حملة استكشافية
لأنّ الملائكة والمنازل انزلقت صوب البرد،
نام البطّ والتنوب، تلك الليلة، موحشين
كان معروفاً أن الدخان يسافر بلا نار
وأن القمر اضاع ستة من حرّاس الغابة،
من أجل ثلاثة دببة.

من بعيد، بعيد جدّاً
كانت روحي تمسح البخار عن زجاج الترام،
لتختفي في الضباب العائم لقناديل الشارع
وكان القيثار يدفن زهرة في الثلج،
وحدوة حصان تدفن ورقة يابسة
وحارس الليل هو صحراء.

* هذه المختارات من مجموعة “عن الملائكة” وهي المجموعة الشعرية الخامسة للشاعر رافائيل ألبرتي اصدرها سنة 1929، عندما كان في سن السابعة والعشرين ولاقت وقتها نجاحاً ساحقاً.
يقول البرتي عن مجموعته هذه التي كتبها قبل صدورها بعام واحد: “سنة 1928 هي سنة الحبّ، الغضب، الجنون، الحنق، السقوط، العوز. آنذاك اكتشفت ملائكة ليست ملائكة اللوحات والنقوش المسيحية المجسّدة، بل هي الملائكة الشبيهة بقوى الروح القاهرة القابلة لأن تخلق وفق الحالات الأكثر اضطراباً وسريّة في طبيعتي فأطلقتها عصائب عبر العالم، تجسيدات جديدة، عمياء ، لكلّ ما هو موجود في أعماقي من أشياء مدمّاة، موحشة، محتضرة، مخيفة، وطيّبة أحياناً، لكلّ ما كان يلاحقني”.
ويعلق عليها المترجم الفرنسي برنار سيزيه في مقدمة ترجمته إلى الفرنسية: إنها ديكور من الوحشة ينتشر في المقاطع الشعرية التالية: المدن، الأنهار، الجبال التي بلا اصداء، المحيطات الخرساء. في جغرافيا الموت هذه، تبدو الارض والسماء فارغتين. في الصمت أو الظلمات.. تبدو الإشارات والاصوات مذهولة. وحده الأمل يبقى”.
ثم يضيف إلى تعليقه هذا قوله: “عبر الأقسام الثلاثة لهذه المجموعة الشعرية ذات الوميض الجحيميّ حيث كلّ قسم يبدأ بهذه الكلمات المستعارة من غ. أ. بيكر: “ضيف الضباب” يفصح القلب الجريح باضطراباته، بشكاواه، بمخاوفه، بحنينه، بفرحه.
تظلّ هذه المجموعة تعبيراً عن أزمة خانقة محدودة. إنها تسجل تحوّلاً رئيسيّا في خطّ مسيرة ألبيرتي الشعرية. الخلاص الذي نشده في القلق وجده، بعد زمنٍ قصير، في لقائه بالإنسان التي اصبحت زوجته فيما بعد.

اقرأ أيضا