أحمد محمد (القاهرة) كانت قريش إذا اجتمعت بمنى، قال هؤلاء حجنا أتم من حجكم، وقال هؤلاء حجنا أتم من حجكم، وكانوا يقفون مواقف مختلفة كلهم يزعم أن موقفه موقف إبراهيم يتجادلون فيه، وقيل هو ما كان عليه أهل الجاهلية، كان بعضهم يقف بعرفة وبعضهم بالمزدلفة وبعضهم يحج في ذي القعدة والآخر يحج في ذي الحجة، فكل يقول ما فعلته فهو الصواب فأنزل الله تعالى: «الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب»، «البقرة: 197». قال البغوي، وقت الحج أشهر معلومات وهي شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة إلى طلوع الفجر من يوم النحر، ويروى عن ابن عمر شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة وكل واحد من اللفظين صحيح غير مختلف فمن قال عشرا عبر به عن الليالي ومن قال تسعا عبر به عن الأيام، فإن آخر أيامها يوم عرفة وهو يوم التاسع، وإنما قال أشهر بلفظ الجمع وهي شهران وبعض الثالث لأنها وقت، والعرب تسمي الوقت تاما بقليله وكثيره، وقال عروة بن الزبير وغيره أراد بالأشهر شوالا وذا القعدة وذا الحجة. طواف الزيارة ويبقى على الحاج أمور بعد عرفة يجب عليه فعلها مثل الرمي والذبح، والحلق وطواف الزيارة والمبيت بمنى، فكانت في حكم الجمع، ومن أحرم بالحج في غير أشهر الحج لا ينعقد إحرامه بالحج وهو قول ابن عباس وغيره وقال ينعقد إحرامه بالعمرة لأن الله تعالى خص هذه الأشهر بغرض الحج فيها فلو انعقد في غيرها لم يكن لهذا التخصيص فائدة، وذهب جماعة إلى أنه ينعقد إحرامه بالحج وهو قول مالك والثوري وأبي حنيفة رضي الله عنهم، وأما العمرة، فجميع أيام السنة لها إلا أن يكون متلبساً بالحج. وقوله تعالى: «فلا رفث ولا فسوق»، اختلفوا في الرفث، قال ابن عباس: الرفث غشيان النساء والتقبيل، والغمز وأن يعرض لها بالفحش، وقيل الرفث التعريض للنساء بالجماع وذكره بين أيديهن وقال عطاء: الرفث قول الرجل للمرأة في حال الإحرام إذا حللت أصبتك وقيل الرفث الفحش والقول القبيح، أما الفسوق فهو المعاصي كلها وهو ما نهي عنه المحرم في حال الإحرام من قتل الصيد وتقليم الأظافر وأخذ الأشعار وما أشبههما، وقال الضحاك هو التنابز بالألقاب، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه». ولا جدال في الحج، والجدال أن يماري صاحبه ويخاصمه حتى يغضبه أو أن يقول بعضهم الحج اليوم ويقول بعضهم الحج غدا، ولا جدال في الحج، أي استقر أمر الحج على ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا اختلاف فيه من بعد، وذلك معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض». أشهر الحج وقال محمد أبوزهرة في «زهرة التفاسير»، قد بيّن الله في الآية الكريمة بعض أحكام الحج، وفيها يبين ميقاته، وما ينبغي للمؤمن في وقت حجه، فهذه الأشهر هي ميقات تلك العبادة المقدسة، تكتسب تقديسا منها، وإن هذه الأشهر سميت أشهر الحج، لأن أركانه تستوفى، وتؤخذ الأهبة له، ويحرم به فيها، ومعنى فرض الحج فيهن الإحرام به، فإذا أحرم بالحج نزه نفسه ولسانه عن كل قول يؤدي إلى نزاع، ولذا قال سبحانه: «فلا رفث ولا فسوق ولا جدال»، وقد فسر بعض العلماء الرفث بما يكون بين الرجل والمرأة، والفسوق بالخروج عن محظورات الحج، كلبس المخيط والحلق من غير رخصته، والصيد، وغير ذلك مما حظر الله سبحانه، والجدال هو المماراة.