القاهرة (الاتحاد) شرع الله سبحانه وتعالى العبادات لغايات وأهداف سامية تعطي ثمارها للفرد والمجتمع وفي الدنيا والآخرة، وإن كان بعض هذه الغايات غير معلوم لنا، لكن يكفي أن أداءها يتجلى فيه معنى العبودية المطلقة لله والامتثال لأومره، وقد أكد القرآن الكريم أن الحج كله منافع، منها الظاهرة ومنها الباطنة، حيث يقول تعالى: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِع لهم ...)، فالحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام وشعيرة مقدسة له مقاصد شرعية كثيرة تعود بالنفع على الفرد والأمة. منافع عامة يؤكد الدكتور محمود أحمد كريمة أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر: عندما أمر الله سبحانه وتعالى نبيه إبراهيم عليه السلام أن يؤذن في الناس بالحج، بيَّن أن من يلبون تلك الدعوة المباركة فإنهم سيشهدون منافع لهم، يقول تعالى: «وَأَذِّن فِي النَّاسِ  بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ  رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِير». وقال: إذا تأملنا رحلة الحج والاجتماع فيه، حيث يأتي الناس من كل فج عميق نجد أن الله سبحانه قد أراد أن يكون الحج ملتقى للمسلمين جميعاً، من مشارق الأرض ومغاربها، من أجل تحقيق التّعارف والتّواصل بينهم، وتحصيل المنافع الاقتصادية والاجتماعية لمن حج ولمن لم يحجّ، وتبادل التجارب والخبرات المتنوعة التي يملكها كل شعب من الشعوب أو قبيلة من القبائل. وأشار إلى أن الحج أضخم مؤتمر إسلامي، وتظاهرة إيمانية رائعة يشترك فيها صنوف العباد من مختلف الأجناس والطبقات والقوميات على موعد واحد، وفي أرض واحدة يرددون هتافاً واحداً ويمارسون شعاراً واحداً، ويتجهون لغاية واحدة وهي الإعلان عن العبودية والولاء لله وحده والتحرر من كل آثار الشرك والجاهلية بطريقة جماعية تؤثر في النفس وتشبع المشاعر. مغفرة الله ويعَدد الدكتور محمود عاشور وكيل الأزهر الأسبق منافع الحج الدينية وتتمثل في مغفرة الله عز وجل لعبادة وقد تواصلوا مع الله وكانوا ضيوفاً عليه، كما قال الرسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحجاج والعمار ضيوف الله وزواره إن سألوه أعطاهم ،وإن دعوه استجاب لهم وإن استغفروه غفر لهم»، أما المنافع الدنيوية فتتمثل في تبادل المتاجر، وكذلك الناس يتعارفون ويتعاضدون، ويذكرنا الحج أننا أمة واحدة لا فضل لأحد على غيره وليس هناك عظيم وحقير ولكن الكل يأتي بملابس الإحرام متجرداً من الدنيا يؤكد أننا جميعاً أبناء آدم وحواء، وأننا سواء أمام الله سبحانه وتعالى، لا فرق بين إنسان وآخر، فهذا المؤتمر العظيم الرائع الذي دعا إليه المولى سبحانه وتعداده ملايين النسمات لا يستطيع بشر أياً كانت قدرته وقوته أن يجمع مثل هذا العدد الهائل. وحدة الأمة كما أكد الدكتور صبري عبدالرؤوف الأستاذ بجامعة الأزهر، أنه في الحج يشهد المسلمون أروع مظاهر المساواة والتواضع والأخوة الإنسانية بإلغاء الفوارق وخلع أسباب الظهور الاجتماعي، والظهور بلباس العبادة الموحد «الإحرام»، حيث يحس الجميع بالمساواة، ويستشعر المسلمون وحدة الأرض ووحدة البشر، فهم يقطعون آلاف الأميال، استجابة لنداء العقيدة وتلبية لهتاف الإيمان، ويلتقون بمؤتمرهم الكبير فيتذاكرون شؤونهم ويتشاورون في أمور حياتهم وعقيدتهم ويتبادلون الخبرات والتجارب والآراء والعادات الحسنة ويتعرف بعضهم على أخبار البعض، فيزداد الوعي وتنمو المعرفة وتشحذ الهمم من أجل الإصلاح والتغيير والاهتمام بشؤون الأمة والعقيدة. والحج بما أنه تجمع بشري ضخم ينتج حركة بشرية هائلة يتبعها تحرك اقتصادي ومالي واسع عن طريق النقل والاستهلاك، فينتفع العديد من المسلمين ويشهد مجتمعهم حركة اقتصادية ومالية نشطة. وعلى صعيد المجتمع، فإن منافع الحج تتضح جلياً من خلال هذا التجمع الكبير يجمعهم إجابة النداء الإلهي «وأذن في الناس بالحج..» فيجيبوا هذا النداء بقولهم: «لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك» بقلوب مؤمنة طاهرة متحابة متوادة هدفهم واحد، هيئتهم واحدة ولباسهم واحد متوجهين لرب واحد فيتحقق لهم التعارف بين المجتمعات الإسلامية. مظهر عظيم أكد العلماء أن من مظاهر المنافع الدنيوية أيضا ما يحصل من صدقات أو يقدم من ذبائح الهدي والضحايا والكفارات عن محظورات الإحرام، مما يكون فيه توسعة على فقراء مكة وغيرهم، وفي الحج مظهر عظيم من مظاهر البر والصلة، فتجد الابن يحج بأبيه أو أمه، فيذلل له الصعاب، وييسر له العبادة، ويتحمل في ذلك المشقة والجهد براً بوالديه وابتغاء لمرضاة ربه، وطلباً للأجر والمثوبة، فالحج تجارة رابحة مع الله. والمنافع هي: التجارة في الدنيا والأجر في الآخرة، وتنكير كلمة «منافع»، كما يقول الطاهر بن عاشور: للتعظيم المراد منه الكثرة وهي المصالح الدينية والدنيوية، لأن في الحجّ فوائد جمة للناس، لأفرادهم من الثواب والمغفرة لكل حاج، ولمجتمعهم لأن في الاجتماع صلاحاً في الدنيا بالتعارف والتعامل، فالحج موسم تجارة وعبادة، ومؤتمر اجتماع وتعارف، تنسـيق وتعاون، وهو الفريضة التي تلتقي فيها الدنيا والآخرة.