الاتحاد

الملحق الثقافي

مشاهد من حياة المازني

صدرت طبعة جديدة من كتاب إبراهيم عبدالقادر المازني “قصة حياة”، وكانت طبعته الأولى قد صدرت عام 1961 أي بعد وفاة المازني بحوالي 12 عاما، وهو في الأصل مجموعة من المقالات نشرها بالصحف في حياته، وتدور حوله ومشواره، وهذا ما دفع النقاد أو بعضهم إلى أن يطلقوا عليها سيرة ذاتية للمازني، وهذا القول فيه مبالغة كبيرة، لأن المقالات بها مشاهد ومواقف من حياة المازني، لكنها ليست سيرة ذاتية بالمعنى المتعارف عليه نقديا وأدبيا. وقد اختار المازني من حياته المشاهد التي تحمل طابع العمومية، حتى وإن تعلقت به هو.
ولد المازني في القاهرة عام 1889 لذا فإن حياته تقدم وصفا للأحياء الشعبية بالقاهرة نهاية القرن التاسع عشر مثل طريقة التعامل داخل الأسرة، والبيوت وما تضمه من غرف وأفنية، حيث في كل بيت فرن لإعداد الخبز، وكان والده مزواجا، ومع ذلك فإن أمه كانت تحبه، ولبست السواد عليه بعد وفاته لمدة 32 عاما، ولم تكن تقبل أي كلمة سوء بحقه، كانت ترى الزواج حقه، وبعضهن كن يخترن للزوج زوجته الأخرى، وكان له أخ غير شقيق يعيش معهم في البيت وتزوج باثنتين، رغم انه كان يعيش على مصروف والده، لم يكن لديه أي عمل، والمسألة أن الابن حين بلغ سن المراهقة كان على والده أن يزوجه باعتباره ابنه البكري وأول فرحته، ولكن بعد أن تزوج هذا الشاب ـ الفتى ـ لم ينجب، فقلقت الأسرة وكان لابد من أن يتزوج مرة ثانية كي ينجب، لكنه لم ينجب كذلك، وتبين فيما بعد أنه عقيم، ورغم أن أخاه تزوج من اثنتين لكن كان والده لا يضربه إذا حدث منه أي خطأ، وكان هذا الشاب يتخوف من أن يشعل سيجارة أمام والده.
ويقدم المازني وصفا دقيقا للعلاقات الإنسانية والاجتماعية داخل الأسرة أولا، وبين أبناء الشارع والحي الواحد، وقد تغير ذلك تماما الآن، تحت وقع الزحام وتطور الحياة.
مشهد آخر يقدمه المازني لحالة المدارس والتعليم في ذلك الزمان، كانت المدارس أهلية غالبا وفقيرة، ولم يكن التدريس منتظما على النحو المعروف الآن، والتحق هو بإحدى المدارس التي، لم ينل مديرها أي قدر من التعليم، وكان الرجل يقر ويعترف بذلك، والأمر مشاع، ويقال: لكنه “إدارجي” أي جيد الإدارة، وكان من السهل أن ينهي تلميذ دراسته بالمدرسة الأولية ثم يعود إليها في العام التالي مباشرة مدرسا للتلاميذ وهكذا، وكانت المدارس بالمصاريف، حوالي أربعة جنيهات سنويا، وكان يمكن لبعض الطلاب أن يحصلوا على نصف مجانية أو مجانية كاملة، وفقا لظروفهم الاقتصادية، لذا يقول المازني: كانت مجانية التعليم مذلة، فهي ترمز إلى الفقر والعوز، ورغم أن المجانية كانت تمنح لظروف قاهرة، لكنها كانت تأتي بالرشوة، لابد من الدفع إلى اللجنة التي تقر المجانية، وقد تعرض هو لذلك المشهد وهو طفل، فقد توفي والده فجأة، وبدد أخوه ما تركه الوالد في ثمانية شهور، حيث دخل في نزوة نسائية ابتلعت الميراث كله، وجاء قريب لهم يقترح أن يحصلوا على نصف مجانية لإبراهيم، وكانت المصاريف أربعة جنيهات، لكن القريب طلب من والدته ثلاثة جنيهات لإنجاز المطلوب، وأخيرا ابلغ الام بما تحقق، لكنه مع بداية العام الدراسي تبين أن لا شيء حدث واعترف القريب بأنه كان في احتياج للمبلغ في أمر خاص به وانفقه، وانه استفاد منه بعد أن عجز عن إنجاز نصف المجانية.
عمل المازني سنوات طويلة من حياته بالتعليم حتى صار ناظر المدرسة الابتدائية قرابة عقدين وفي أثناء ذلك وقعت ثورة 1919 وشارك فيها تلاميذ المدارس، وخرجوا جميعا للتظاهر وكان رجال الأمن يلقون القبض عليهم، ولم تكن هناك أماكن كافية لاعتقالهم أو التحفظ عليهم فسيق تلاميذ المدارس الى مسجد محمد علي بالقلعة ووضعوا فيه، والمسجد في هذا الموقع لم يكن يتردد عليه مصلون بكثرة، وكانت مهمة المازني هي العمل على تدبير طعام وفرش لهم، فالمسجد كان رطبا، وكان الوقت شتاء، ويذكر أن بعض التلاميذ الذين لم يكن ألقي القبض عليهم كانوا يذهبون إلى مسجد محمد علي بعد أن كانوا قد وضعوا على أجسادهم أكبر كمية من الملابس وفيها ما يمكن حمله من أطعمة، كي يتناولها المعتقلون الصغار، ثم يذهبون إلى مسجد محمد علي ويدعون انه كان مطلوبا القبض عليهم لكنهم هربوا.
لقد تحدث كثيرون عن مشاركة طلاب المدارس العليا بمظاهرات ثورة 1919 وكذلك طلاب المدارس الثانوية لكن تلاميذ المدارس الابتدائية لم يذكرهم أحد من قبل في هذا السياق.
وما جاء في كتاب المازني “قصة حياة” حول التعليم في المدارس يقتضي مراجعة وإعادة دراسة خاصة من المهتمين بالتعليم، لان بعض ما يتحدث عنه مازال قائما الى اليوم في مدارسنا، مثل إقدام المعلمين على ضرب التلاميذ ضربا مبرحا، وهو من واقع خبرته يقول إن المدرس الذي يحتاج إلى معاقبة تلميذه لا يصلح لهذه المهنة، وخير له أن يشتغل بغيرها، وان العلاقة بين المعلم وتلميذه ينبغي أن تقوم على المودة والاحترام.
ترك المازني التعليم واتجه إلى العمل بالصحافة حيث تبنت صحيفة “الأخبار” التي كان يصدرها أمين الرافعي الدعوة إلى اكتتاب عام لإقامة تمثال نهضة مصر وكان المازني هو الذي يقوم بتلك المهمة وتم جمع ستة آلاف جنيه وانطلقت شائعة في الحي أن المبلغ موجود في بيته، وفي ليلة هم أحد اللصوص بدخول البيت لسرقة المبلغ، وانتبه إليه المازني وتصوره ضيفا بحاجة إلى معونة، فانهار الرجل نفسيا واعترف له بالقصة المضحكة المبكية وكانت تلك بداية علاقة انسانية متميزة بين الكاتب وذلك اللص.
ولا يفوت المازني أن يتحدث عن ديوانه الشعري الأول الذي صدر عام 1913 ويوجه إلى بعض أبياته انتقادات حادة ويكتشف أن فيه عبارات سقيمة تدل على قصر نظر وضعف خيال، وربما قلة خبرة، وكان بعض أصدقائه يريدونه أن يعيد طباعته لكنه رفض للأسباب النقدية التي يراها فحاولوا صرفه عنها باعتبارها وجهة نظره هو وقد لا يرى القارئ ما يراه هو لكنه أصر على عدم طباعته.
لو كتب المازني سيرة حياته كاملة لكانت مفيدة للقارئ وللثقافة العربية لكنه اكتفى فقط ببعض مشاهد منها، أظن أن القارئ سوف يستمتع بها.

اقرأ أيضا