الاتحاد

الملحق الثقافي

من المؤلف إلى القارئ.. رحلة معاناة

تتطور عملية نشر الكتاب بأشكاله كلها، الورقي والإلكتروني، بصورة مضطردة، بعد أن أصبحت لها قوانينها وضوابطها ومحدداتها. ولهذا صار لا بد من الاطلاع على هذه العناصر التي تضبط عملية النشر وتعرف بقوانينها ومحدداتها المختلفة. وتعكس عملية النشر مستوى التطور الثقافي في المجتمعات، كما أنها أحد المؤشرات المهمة للحكم على الوعي الحضاري لأي من هذه المجتمعات، فكلما زاد إنتاج أوعية المعلومات في بلد ما دل ذلك على زيادة الوعي الثقافي له، إضافة إلى أن حركة النشر تلقي بظلالها أيضا على الجوانب الاقتصادية والسياسية للمجتمع.

في هذا السياق ينبغي التعرف على الكيفية التي تتم بها عملية النشر، والمراحل التي تجري فيها، والعوامل المؤثرة بها، وباختصار الإجابة على سؤال: “كيف تنشر كتاباً”، وهذه كلها وسواها كانت مجالا لورشة أقامها مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث في دبي، للتعريف بمراحل نشر الكتاب، بدءا من المفهوم اللغوي للنشر، وصولا إلى الإجابة على أسئلة مثل: لماذا نؤلف؟ ما أبرز معوقات التأليف؟ وما مجالات التأليف؟ وما أهم المهارات الإبداعية في التأليف وغيرها، وصولا إلى عملية طباعة الكتاب وتوزيعه، والوسائل المتبعة لتسويقه، والعوامل المؤثرة في سعر الكتاب، وحاضر فيها الدكتور علي عبد القادر الطويل. وهنا تعريف بالخطوط الأساسية للمحاضرة.
يستند المفهوم اللغوي للنشر على أنه هو الإذاعة أو الإشاعة، أي “جعل الشيء معروفا بين الناس”، أما المفهوم الاصطلاحي للنشر فهو كونه العملية التى يتم بمقتضاها توصيل الرسائل الفكرية التى يبدعها المؤلف إلى القرَّاء. أما الأركان الثلاثة الأساس في النشر فهي الجمع والطبع والتجليد. وبخصوص الخطوات التي تمر بها عملية نشر الكتاب فهي تتمثل بمراحل أساسية تبدأ من التأليف وتوقيع العقد بين المؤلف والناشر، ثم الحصول على ترقيم دولي ثم الطباعة وتوزيع المطبوع والترويج له وتسويقه ضمن أحدث الأساليب وأنجعها.
بداية يشمل النشر كل الأوعية الثقافية، مثل: المسموعات والمرئيات كالأسطوانات والأشرطة الصوتية والتسجيلات المرئية، المصغرات مثل: الميكروفيلم والميكروفيش، المطبوعات كالكتب، والدوريات، المُحَسَّبَات والمليزرات كالأشرطة والأقراص الممغنطة، والملفات الإلكترونية والأقراص المدمجة، والوسائط المتعددة الخ...

علاقة المؤلف بالناشر
سنترك عملية التأليف التي هي ركن أساس في عملية النشر، لأنها تتعلق بالمؤلف قبل أن يفكر في النشر، خصوصا حين يكون التأليف إبداعيا، فالشاعر يكتب سواء فكر في النشر أم لا، والمبدعون جميعا كذلك، يكتبون لأسباب مختلفة ومتنوعة، فبعضهم يقول إنه يكتب للمتعة، والبعض الآخر يكتب للتعبير عن هاجس مقلق، والبعض الثالث يكتب ربما ليصبح من المشاهير وأصحاب الحضور والفاعلية في محيطه وعالمه.
وننتقل إلى المراحل التي تلي عملية التأليف، ففي ما يتعلق بالخطوة التالية لهذه المرحلة نخطو نحو المرحلة الثانية المتعلقة بقيام العلاقة بين المؤلف والناشر، وهي علاقة تختلف ـ كما ذكرنا ـ من بلد إلى آخر، وتعتمد أساسا على قوانين هذا البلد أو ذاك، وما إذا كان موقعا على الاتفاقيات الدولية بشأن حقوق المؤلف المادية والأدبية والمعنوية، وهو ما يدعونا إلى التوقف عند هذه العلاقة في عالمنا العربي خصوصا وفي العالم على وجه العموم.
تتخذ علاقة المؤلف بالناشر مستويات عدة، وأهمها المستوى الاقتصادي، ومعلوم أنه في عالمنا العربي لا يمكن للمؤلف أن يعيش من دخل مؤلفاته، فالمقابل المادي الذي يحصل عليه المؤلف لا يفي بمتطلباته الحياتية، والعزوف عن القراءة سبب من أسباب قلة نسخ الكتاب. أما بخصوص المستوى الاقتصادي في الدول الغربية ففي العالم الغربي يمكن للكثير من المؤلفين أن يعيش من دخل مؤلفاته نظراً لارتفاع أعداد النسخ المطبوعة من الكتاب، وإقبال القراء. وفي أمريكا مثلا تُعَدُّ مهنة التأليف واحدة من أفضل عشر مهن، حيث يستطيع غالبية المؤلفين العيش من دخل مؤلفاتهم.
وللمؤلف عددٌ من الحقوق الأدبية أبرزتها جميع الاتفاقات الدولية، من أهمها: حق تقرير النشر وتحديد طريقته، حق نسبة الكتاب إلى مؤلفه، حق المؤلف في إدخال ما يراه من تعديل في كتابه، حق سحب الكتاب من التداول.
ومن حقوق المؤلف الإضافية حقوق جانبية غير ثابتة، إذ يمكن للمؤلف الحصول عليها إذا صادف كتابه قبولا في إحدى الوسائل الإعلامية أو تمت ترجمته إلى لغة أخرى، وتعدُّ دخلاً إضافياً لكل من الناشر والمؤلف. وبخصوص الاتفاقيات القانونية بين المؤلف والناشر فهي تشتمل على ثلاثة أنواع من الاتفاقيات، هي: نسبة مئوية من ثمن بيع النسخة. وبمقتضى هذه الطريقة يقوم الناشر بتمويل وإدارة عملية النشر، ويحصل المؤلف على نسبة مئوية من ثمن بيع كل نسخة تباع من كتابه.
والنوع الآخر هو شراء المادة العلمية، حيث يشترى الناشر من المؤلف حقوق التأليف كاملة أو جزئية حسبما يتم الاتفاق عليه، سواء لطبعة واحدة أو عدة طبعات أو لمدة زمنية معينة، وذلك نظير مبلغ إجمالي يتم الاتفاق عليه بين الناشر والمؤلف، وبمقتضى هذا الاتفاق يتحمل الناشر تكاليف طباعة الكتاب وتوزيعه، وهذه الطريقة تكون في غير صالح المؤلف وخصوصا إذا حقق الكتاب رواجاً كبيراً، ويكثر استخدام هذه الطريقة في حالة المؤلفين المبتدئين وكتب السلاسل والكتب المترجمة وكتب التراث المحققة.
أما النوع الثالث فيقوم على اقتسام الربح بعد تغطية التكاليف، ويتم بمقتضى هذه الطريقة أن يقوم الناشر بإدارة عملية النشر كاملة ويتحمل كافة التكاليف، ثم يسترد التكاليف التي دفعها، ثم يتم اقتسام الربح مع المؤلف والاقتسام هنا لا يعنى المناصفة بل التقسيم بنسب معينة تتفاوت حسب طبيعة الكتاب ومكانة المؤلف. ويتم ذلك كله مع بيان مدى العقد والغرض منه ومدة الاستغلال ومكانه.

في المطبعة
بعد توقيع العقد والموافقة على نشر الكتاب وتحديد المواصفات المطلوبة له، يتم دفع الكتاب إلى المطبعة، التي يناط بها عملية تعدد النسخ. والطرف المسؤول عن هذه الحلقة أساساً هو الطابع الذي يجسد الرسالة الفكرية في كيان مادي ملموس. ويدخل الكتاب في مراحل الإنتاج المعروفة: الجمع، الطبع، والتجليد. ثم تبدأ مرحلة الترقيم الدولي المعياري للكتاب المعروفة بـ(ISBN) - ردمك، وهو “المواصفة القياسية التي وضعتها المؤسسة العالمية للمواصفات (ISO)، لمنح رقم تسلسلي عالمي يسمح بترقيم الكتب والإصدارات في جميع أنحاء العالم، ويؤمن تعريفاً فريداً لكل كتاب أو منشور صادر عن أي دار نشر، ولا يجوز إعادة استخدام الرقم الدولي لمطبوع معين لمطبوع آخر”. كما يضاف رقم التدقيق ورقم العنوان ورقم الناشر ورقم المجموعة.

التسويق والتوزيع
ونأتي إلى الحلقة الثالثة في النشر المتمثلة في تسويق الكتاب وتوزيعه، وهي الحلقة الأخيرة في النشر التي تمثل الجانب التجاري في عملية النشر، وينعكس نجاح هذه الحلقة على بقية الحلقات الأخرى، فالتسويق هو الهدف الأساس من عملية النشر برمتها، وعملية التسويق هذه تهدف إلى تلبية احتياجات المستفيدين، فهي تبدأ بالتعرف على هذه الاحتياجات ويتم ذلك من خلال دراسات السوق، حيث يحرص الناشر التجاري على نجاح عملية التسويق لأسباب مادية بحتة وهو ضمان الحصول على ربح معقول.
وهناك أدوات لتحقيق الأهداف التسويقية تتمثل في خطة تسويقية للكتب الصادرة حديثا، لأن العشوائية في التسويق تؤدى إلى خسارة مؤكدة. وهذه الأدوات هي: تخطيط الخدمة أو المنتج (الكتاب)، التسعير ويضم: (سياسية الخصم)، وسائل الاتصال بالسوق وتشمل: البيع، الترويج، والإعلان. وفى الدول المتقدمة تحرص دور النشر على الاستعانة في التسويق بمؤسسات متخصصة تعنى بدراسة سوق الكتاب من خلال دراسة ثلاثة محاور، هي: العادات القرائية،
ونظم التعليم، والتعرف على الناشرين وتجار الكتب والمشترين، والدعاية والإعلان عن الكتب حيث تتم الدعاية والإعلان بعد طبع الكتاب مباشرة، وقبل طرحه في السوق. ومعروف أن عملية الترويج والدعاية للكتب تختلف من ناشر إلى آخر بل تختلف من كتاب إلى آخر عند الناشر الواحد. ويجمع الناشرون على أن تكلفة الإعلان مرتفعة جداً، مما يجعل تأثير الإعلان في زيادة المبيعات محدوداً، لذا فإن هناك بعض دور النشر التي تلجأ إلى زيادة نسبة الخصم بديلا عن الإعلان.
وأخيرا نتناول وسائل وأساليب التوزيع التي تشمل، أولاً: متاجر الناشر (نقاط البيع المباشرة) حيث تحرص جميع دور النشر على أن يكون لديها منفذ خاص، وغالباً ما يكون مقر الدار نفسه، ويستخدم هذه الطريقة جميع الناشرين، وبهذا فإن الناشر يجمع بين النشر والتوزيع، فهو ناشر وموزع في الوقت نفسه. ثانياً: متعهدو توزيع الصحف، حيث تمتلك هذه المؤسسات الصحفية عادة شبكة واسعة من مراكز التوزيع التي تغطي معظم أنحاء البلاد، ويرجع عزوف الكثير من الناشرين عن استخدام هذه الوسيلة إلى ارتفاع النسبة التي تحصل عليها هذه المؤسسات حيث تتراوح هذه النسبة ما بين ( 35- 40% ) من سعر الكتاب المباع، كما أن النسخ التي لا تباع ترد إلى الناشر. وثالثاً: مندوب المبيعات، ويقصد به البيع من الباب إلى الباب، وهو من الوسائل الناجعة في تسويق الكتب، وهى تعنى الذهاب إلى المستفيد أينما وجد سواء كان هيئة أو شخصاً، ويستخدم هذه الوسيلة بعض الناشرين، وخصوصا دور النشر المتخصصة في كتب الأطفال. رابعاً: البريد العادي والشحن الداخلي، وهي من الطرق التقليدية المتبعة في توزيع الكتب، وهذه الطريقة ليست ذات فاعلية وخصوصاً في حالة الطلبيات الصغيرة لارتفاع تكاليف البريد والشحن. خامساً: عن طريق الإنترنت، ويعد التوزيع والتسويق عبر الإنترنت من الوسائل الحديثة التي أفرزتها التكنولوجيا الحديثة، فقد عملت على إزالة الحواجز الجغرافية، واللغوية، وظهر ما يسمى بالتجارة الإلكترونية. سادساً: التصدير، ويعد تصدير الكتب من أهم منافذ التسويق، حيث تقوم الكثير من دور النشر بتصدير الكتب إلى الخارج، وذلك على هامش المعارض العربية والدولية التي يتم الاشتراك فيها.
ويبقى الحديث عن العقبات التي تواجه تصدير الكتب، ومنها عقبات داخلية وعقبات خارجية، وأبرز هذه العقبات تتمثل في ارتفاع تكاليف الشحن الجوى والبريدي، والتي تقترب أحيانا من سعر الكتاب نفسه وتلجأ بعض دور النشر لتفادى ذلك إلى وكيل في إحدى الدول العربية تسمح له بتصدير كتبها لأن سعر الشحن هناك منخفض، والإجراءات الروتينية للتصدير التي تستغرق وقتا طويلا ومنها موافقات التصدير، والرقابة التي تتم على الكتب من قبل الحكومات والدول الأخرى، وخاصة كتب السياسة والدين، حيث تقوم بعض الدول برفض بعض الكتب التي تختلف مع توجهاتها أو مصادرتها، والإجراءات الجمركية والرقابية، وأخيرا عمليات التزوير وانتحال التأليف.

اقرأ أيضا