الاتحاد

الملحق الثقافي

على الأرجح فرويد قال ذلك..

خلاف بين صديقين عجوزين أدى إلى الكشف عن سرقة لقى أثرية. والصديقان على معرفة ببعضهما البعض منذ الطفولة، واستمرت العلاقة حتى ما بعد مجيء أحدهما إلى الإمارات عام 1975، وقبل نحو 20 سنة، أي في حدود عام 1995 قام الصديق (66 سنة) الذي جاء إلى الإمارات بإيداع “أمانة ثمينة” لدى صديقه الآخر (69 سنة)، و”الأمانة” عبارة عن كيس بلاستيكي بداخله أصداف وعملات قديمة، طلب منه الاحتفاظ بها دون إعلامه عن مكان عثوره عليها، وانه طلب “الأمانة” بعد أن نشب بينهما خلاف عائلي ومشادات كلامية قبل نحو 8 سنوات (أي في عام 2002)، وتعذر تسليمها له ـ حسب الأخير ـ بسبب انقطاع علاقته به وانشغاله.

الذي جاء إلى الإمارات، صار مقيماً الآن في السويد، ومن هناك اشتكى على صديقه مطالباً بإرجاع الأمانة. وعلى الأرجح فإن السويديين أبلغوا سفارة الإمارات الجديدة هناك بالأمر، فالكيس يضم لقى أثرية قام الصديق الأول باستخراجها أثناء عمله على حفارة بحرية في جزيرة ـ حالة البحراني ـ داخل الحدود البحرية لإمارة أبوظبي، ومن ثم احتفظ بها “بشكل غير مشروع” وهربها خارج البلاد. و”الأمانة” الأثرية هذه تضم أكثر من 33 عملة نقدية معدنية مختلفة الأحجام والأشكال وتم سكها بتواريخ مختلفة وقديمة، إضافة إلى مجموعة، يبدو أنها غير عادية، من الصدف البحري، واعتبر المختصون هذه اللقى “كنزاً مهماً”.

أمانة؟
وأول ما يُلفت في هذا الخبر الذي تداولته الصحف المحلية في مطلع مايو من هذا العام، استخدام مفردة “أمانة”، فالرجل، وهو عربي على أية حال، والذي هرّب هذه اللقى، واعتبرها حظاً شخصياً، ترك الكيس المسروق والمهرب لدى صديقه كأمانة. ولربما بيني وبين نفسي أعتبر ذلك نوعا من طيش الشباب، ومن الرغبة الجامحة في الإثراء السريع، ولكن ذلك الرجل، والذي يصفه الخبر الصحفي دائماً بالمستثمر والمقيم أو الذي غدى الآن حاملاً للجنسية السويدية، ما يزال وبعد عشرين سنة، ويقترب عمره من السبعين عاماً، ما يزال يُسمي تلك السرقة “أمانة” ويطالب باسترجاعها، بل أكثر من ذلك، إنه يشتكي على صديق طفولته وعمره (يبدو من الخبر بأن بينهما علاقات عائلية) من أجل هذه “الأمانة” المسروقة.
أظن أن تلك اللقى عادت إلى الإمارات، كما وأظن كذلك بأن الكثير غيرها قد تعرض للسرقة والنهب، خاصة في فترة “الانتداب البريطاني” الطويلة على المنطقة، وخاصة لم تكن هنالك حدود واضحة للدولة، ولا جمارك ومدققون على معرفة بأهمية وحساسية الهند. وحتى بعد ذلك، حين نشأت الدولة فلقد تمزقت موضوعة الآثار بين الدوائر المحلية لكل إمارة، والدوائر الاتحادية المتعددة هي الأخرى. ولقد فشلت وزارة الإعلام والثقافة السابقة ووزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع الحالية في صياغة تصور اتحادي حول الآثار، يمتد من القوانين حتى المتاحف، وهو فشل مؤسف على أية حال ومُضر للغاية. إن هذا التشظي بين المتاحف الصغيرة للآثار واللقى القليلة التي نكتشفها في قبورنا لن يشكل أبداً في ذهن أي زائر سيناريو متخيل لما كان يحدث هنا، في هذه المنطقة، عبر العصور المتلاحقة. وحده متحف وطني اتحادي من الممكن أن يقدم ذلك. كما بإمكانه أن يعمل على وضع لائحة لما يمكن رصده من “منهوبات” لاستردادها، أو على الأقل رصد نقاط تواجدها في العالم.
إن هذا المتحف قد يلم شمل المدفون تحت الرمل. ونحن ينبغي علينا معرفة ذلك، لسنا مناجم آثار كما هو حال مصر أو بلاد الرافدين أو الشام أو الجناح الغربي للجزيرة العربية أو اليمن. لقد تفاهم التقاء البحر والصحراء على آبارنا، ولم تترك للظل إلا الغرق أعمق في الظل.
كما وأيضاً، من الخلل الكبير في البحث الأثري عندنا هو غياب شبه شامل للكادر الوطني أو غيره من أبناء المنطقة، والركون نهائياً إلى المشاغل التنقيبية للآثريين الغربيين، المهوسين بالمستحدثات، متجاهلين مثلاً البحث والتنقيب في عصور ما بعد الميلاد، ومنها العصور الإسلامية.
ولكن علينا من الجانب الآخر أن نلتفت إلى أن ناهبي المواقع الأثرية لم يكونوا دائماً من الغرباء والأجانب، فالأهالي طوال التاريخ لم يكفوا عن السطو على تلك “المواقع”، ليس لأنهم فحسب لم يكونوا على إدراك بأهميتها، وهو إدراك حديث على أية حال، ولكن لأن كل ما كان حولهم أو من بين أيديهم، كان قابل دوماً لإعادة الاستعمال. هذا غير هاجس “الكنز” والذي كان من التمثيلات الرمزية في المجتمعات القديمة خصيصاً، لكنه لم يخفت في التاريخ الحديث، فالباحثون عن الذهب مثلاً في أنهار أميركا وأميركا اللاتينية، يقدمون سيراً تراجيدية في سجل هذا البحث الإنساني، الغني والمعبِّر عن شخصية الإنسان العظيم والرخو، الحالم، والزهد، القادر والملقى على قارعة الفشل.
والبحث عن البترول لم يكن بعيداً على الإطلاق عن هذه الأسطورة، وأوائل الغربيين الذين آمنوا بمستقبل البترول في الخليج والجزيرة العربية، دون أن يجدوا، أو وجدوا بعد هلاك كبير، من يستمع لهم، تكاد أن تكون أفلاماً تراجيدية مذهلة. ولقد تحاورت مع العديدين الذين يقارنون بين الولايات المتحدة التي شهدت “أساطير” البحث عن الذهب (تلك الأساطير التي عبر عنها بعد ذلك في روايات وأفلام جمة)، وبين الحال الاجتماعي في منطقة الخليج بعد النفط.

الكعكة
ورغم الظروف التاريخية، والفرق الديمجرافي إلا أن المشتركات لربما تكون أوضح، في الأخلاقيات التي تبرز في كلا المجتمعين، فالجميع أو الأغلبية تتسابق على الحصول على أكبر قدر من محصول الذهب المكتشف، أو من “كعكة النفط” الموضوعة على الطاولة. لكن ذلك أبداً لم يكن ليجعلني أتخيل بأن هناك شركات ما زالت إلى الآن تبيع للناس في الإمارات “أجهزة للكشف عن الذهب والمعادن في باطن الأرض”.
وكنت أظن أن مثل هذا التنقيب “من الأعمال السيادية للدولة”، إلى أن اكتشفت عبر خبر نشرته الصحف المحلية (“الإمارات اليوم” مثلاً، 13 أبريل 2010) بأن هناك شركات كثيرة تبيع “أجهزة للكشف عن الذهب والفضة والألماس والمعادن الأخرى على عمق 20 متراً تحت الأرض بمدى أفقي ثلاثة كيلومترات مربعة، ويبلغ سعر الجهاز 25 ألف درهم، وجهاز آخر للكشف عن المعادن نفسها على عمق 40 متراً تحت الأرض، بمدى أفقي نحو 4500 متر مربع، ويبلغ سعر الكشف عن المياه 45 ألف درهم بعمق 1000 متر مربع”.
ليس هذا فحسب، بل أن هذه الشركات تغري الوافدين العرب، وخاصة من السودانيين، كما يوحي الخبر، لشراء الأجهزة وإعادة تصديرها إلى بلدانهم الأصلية. ورغم المبالغ الكبيرة، فإن أغلب هذه الأجهزة كما فهمت هي أجهزة معطوبة، لا تقدم أكثر من الإشباع النفسي المؤقت لأولئك الحالمين بالعثور على كنز في مكان ما.
“لا يشبع الإنسان إلا التراب”، هكذا كانت تقول لنا أمهاتنا. ولكن بالتأكيد، فإن من أسوأ أحلام اليقظة هي أحلام اليقظة، وهي ككل الأحلام التي من هذا النوع تحكمها بنية من تلك التي كان يصطلح العالم النفسي يونغ على تسميتها بالأنماط الأولية، أو الأولية الجماعية. فالإماراتي الذي فضل عدم ذكر اسمه، في الخبر الصحفي، والذي يقول “إنه تعرض للنصب من إحدى هذه الشركات حيث اشترى جهازاً للكشف عن المياه الجوفية بمبلغ يتجاوز 40 ألف درهم، وتبين بعد ذلك عدم جدواه، مشيراً إلى أن بعض معارفه تعاملوا مع الشركة نفسها واشتروا أجهزة ذات استخدامات أخرى من بينها أجهزة تكشف عن المعادن على عمق 50 متراً تحت الأرض، وتبين عدم فاعلية هذه الأجهزة”.
لا هذا الإماراتي، ولا “معارفه” يختلفون عندي عن ذلك الإماراتي من الفجيرة، والذي قرأت خبره قبل شهور، وكيف استطاع “مشعوذ” أفريقي أن يأخذ منه أكثر من 200 ألف درهم كي يدله على كنز، يسيل له اللعاب، مدفون في أحد البساتين القديمة. “الكنز المدفون” سيظل إلى الأبد مغرياً للسعي البشري، إنه قيمة أساسية، أو علامة من العلامات التي يصادفها ذلك السي نحو تطوره، بل أن البواعث هي في الأساس من كل نزوع إنساني. لكن ما يجب قوله وأنا أوشك على اختتام هذه المقالة، إن تلك البواعث إذا لم يلازمها تصعيد روحي وتحويل (نتذكر هنا أولئك الخيمائيين الذين حولوا الرماد إلى ذهب، أو أولئك الرحالة التي تحولت الأحجار وهم يكونوها على زنار رحلتهم إلى ذهب)، فإن الحياة بلا شك ستعود سريعاً إلى أن تكون غابة.
وهنا أسأل رفيقي عبدالله حبيب، من قال يا عبدالله بأن البشر لم يتركوا الغابة إلا قبل قليل، من قال ذلك: لربما فرويد. على الأغلب من قال ذلك سيجموند فرويد.

اقرأ أيضا