الاتحاد

الملحق الثقافي

نجيبة الرفاعي.. تكتب بـ «عين الكاميرا»

أقلام نسائية إماراتية (6)
تحتل الكتابة النسوية مكانة استثنائية في المشهد الثقافي الإماراتي. فهي غنية بأقلامها واسمائها. مبادرة في موضوعاتها. غزيرة في انتاجها. متنوعة في إبداعاتها ما بين الشعر والقصة والرواية والريشة. هنا إطلالات على “نصف” المشهد الثقافي الإماراتي، لا تدعي الدقة والكمال، ولكنها ضرورية كمدخل للاسترجاع والقراءة المتجددة.

نجيبة محمد حسن الرفاعي قاصَة إماراتية من جيل التسعينات، ويمكن أن نطلق عليها لقب “حاصدة الجوائز” في مسابقات القصة القصيرة على مستوى الدولة، حيث نالت جائزة غانم غباش للقصة القصيرة، وجائزة راشد بن حميد للثقافة لعامين متتاليين وحصلت فيهما على المركز الأول، وجائزة المرأة الإماراتية في الأدب والفنون التي ينظمها المجلس الأعلى لشؤون الأسرة في الشارقة، إضافة إلى العديد من التكريمات وشهادات التقدير التي حصلت عليها من بعض المؤسسات المعنية بالثقافة والفكر والإبداع.
في مسيرة الرفاعي نحو خمس مجموعات قصصية هي: قصاصة من الورق 1995، أول خطوة في الحلم 2006، نبض في حياتي 2000، لن ننسى 2004، أنفاس الورد 2005، وفيها تتميز القاصة برحابة إبداعية، ولغة شاعرية تجذبك إلى دواخل الشخصيات، لتكشف لنا عن عوالم ومساحات جديدة في النفس البشرية بكل تناقضاتها، الشعوري والحسَي والإنساني، من خلال التشبيهات البلاغية والنزعة الوجدانية الشفيفة في تصوير الواقع.
ومن ذلك نقرأ ما كتب على الغلاف الخارجي للمجموعة: “لا يعنيني أن يعرفوا اسمي، أو يحفروا قصتي في سجل تاريخهم، لا يعنيني أن يصنعوا لي تمثالاً أو يصيغوا لي نشيداً، فأنا لست بمعجزة، ولا إنسانة معجونة بالخرافة، كل ما أردته أن أرسم بسمة الرضا على وجه أمي، ومع أنني لن أرى ابتسامتها، إلا أن وهج سعادتها سينير قلبي، وسأتذوق حلاوة حبها في عروقي. يوم أن ولدت، كان ذلك اليوم عرسا، أذابوني في أحضانهم، استنشقوني، زرعوني في أياديهم كتعويذة حظ يلثمونها صبحا ومساء...”.
يبدو لنا من خلال ما سبق مدى تأثر نجيبة الرفاعي وتركيزها في جانب التشبيهات البلاغية التي تمتاز بدقة الاختيار للفظ حتى يكون ملائماً للوصف وخلق الصورة الفنية بما لها من قوة التأثير.
وإذا قرأت قصتها “قصاصة من ورق” وكيف حاولت فيها تلمس بعض الصور المغرقة في الظلم الاجتماعي وإبراز بعض الأفكار “تيمات” من نماذج مقهورة.
إلا أن الأهم من ذلك أن بناء القصة واللغة والحوار جميعها تكشف عن مقدرة في تركيب صورة فنية مزدوجة المعنى والدلالة، مع استثمار أمثل للتشبيهات، وربط ذلك بالواقع المعاش بطريقة جاذبة ستكون محور موضوعنا.

بدايات شعرية
نجيبة الرفاعي الحاصلة على بكالوريوس في علوم الأحياء بدأت حياتها الكتابية منذ أن كانت على مقاعد الدراسة، صبية حالمة تحاول كتابة الخواطر الشعرية، ونظم أبيات في مدح الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، كما نظمت العديد من القصائد في حب الوطن، حالمة بأن تصبح يوماً شاعرة كبيرة يشار إليها بالبنان.
في ذلك تقول: “كنت أظن بأنني سأصبح شاعرة عظيمة في المستقبل، وأن الشعر هو طريقي إلى عالم الأدب، وحينما عرضت قصائدي على مدرسة اللغة العربية، أوصتني بقراءة المزيد من الشعر لصقل موهبتي، فرحت أنهل بنهم من روائع المتنبي وأبي فراس الحمداني ونزار قباني وأبي القاسم الشابي وغيرهم. ثم عرضت شعري على أحد الشعراء الكبار، فأثنى على موهبتي، لكنه أوصاني بتعلم الأوزان الشعرية والعروض وتركيب القافية، فوجدت أن الأمر سيكون صعباً، فاكتفيت بقراءة الشعر لإثراء ملكتي اللغوية وتوسيع خيالي، ولم أكن أعلم أنني أحمل لمسات من التقنيات اللغوية وذلك الجمال الفني الذي يصنع الصور وتراكيب الجمل لبناء قصة.. لم أكن أعلم وقتها أنني مشروع قاصة قادم”.

المفارقة والحدث
أول قصص نجيبة الرفاعي حملت عنوان “القافلة” عام 1993، ونشرتها في ذلك الوقت في مجلة محلية هي “الإصلاح”، وتحكي عن معاناة أم في بلد تفترسه الحروب، وتنتظر قافلة المساعدات، وحين تصل القافلة يهجم عليها الجياع بصورة جنونية، فتعود الأم منكسرة، خاوية اليدين بلا طعام لابنتها الصغيرة.
القصة الثانية التي نشرتها الكاتبة كانت بعنوان “القيد” عام 1999، وجمعت فيها ما بين الواقعي والمتخيل والتعبير الذاتي.
لقد بدأت نجيبة الرفاعي تلفت إليها الأنظار من خلال مجموعاتها القصصية المتتالية، ونشرها لبعض قصصها من خلال مشاركتها في رابطة الأديبات التي توفر مناخاً ثقافياً وأدبياً مشجعاً على حوار التجارب، وكان من ثمار ذلك الردود الإيجابية والاهتمام النقدي الذي حظيت به الرفاعي بعد نشر قصتها “آمال تموت ببطء”، وهي إحدى قصص مجموعتها “قصاصة من ورق”. استمدت القاصة مادتها الحكائية من وحي الواقع. مجمل القصة يتحدث عن فتاة تدعى “عنود” التي ظلمها أبوها فأبعدها عن المدرسة، وهي ما زالت في طور الطفولة لتهتم بشقيقتها الصغيرة بعد رحيل الأم. تبقى “عنود” لنحو خمسة عشر عاماً صديقة وفية للحلم للخلاص من المنزل الخانق والحياة الرتيبة، لأنها كانت تفتقد على الدوام التعليم والحصول على المعرفة، كما تفتقد للحرية وصقل التجربة الحياتية، ولكل ذلك كانت تعوض الفقد باللجوء إلى أحلام اليقظة.
المفارقة في قصة نجيبة الرفاعي تتشكل حينما يأتي “أحمد” لخطبة “عنود” لكن والدها يرفضه بحجة فقره، وتسير الأحداث سريعة ليعود أحمد ثانية بعد أن أصبح طبيباً مشهوراً، لكي يخطب شقيقة “عنود” التي تستسلم وتذهب إلى العنوسة. كتب الناقد السوري عزت عمر حول هذه القصة: “القصة كما لاحظنا تذهب منذ بدايتها نحو رصد المفارقة القاسية وإدانة القرار والتسلط الأبوي، ولذلك لم نجد القاصة تهتم بالتفاصيل الصغيرة لحياة البطلة عنود، لولا بضعة الأسطر التي كتبتها عنها في مطلع القصة، والقصة كما نعلم هي فن العناية بالتفاصيل، فهي التي سترسم الفضاءات، وهي التي عبر لغتها ستؤكد اللحظة الإبداعية عند الكاتب”.
لكن في تقديرنا أن نجيبة الرفاعي نجحت في “آمال تموت ببطء” في بناء صورة احتجاجية ملأى بالتفاصيل الداخلية التي كانت تنبعث لنا في شكل أحلام لأنثى مقهورة في مجتمع ذكوري، تتسيد فيه السلطة الأبوية مساحة المشهد الاجتماعي، كما نجحت في خلق ذلك الوعي المغلق الجميل المسكون بألم ومرارة “عنود” وليس ذلك الوعي التدميري الذي كان يمكن أن يعكس لنا صورة احتجاجية مرفوضة من خلال جملة التفاصيل الصادرة عن الصراع المادي أو الظاهر في تركيب الشخصيات. لقد رصدت الرفاعي حالة للمرأة وهي سجينة العادات والتقاليد وواقع لا يمكن تغييره.
وكانت عناصر المفارقة والتضاد المستخدمة ضمن تشبيهات رائعة هي محور مهم في بناء صور فنية متحركة على الرغم من ذلك السكون الذي كان يغلف مكان الحدث.

بعيداً عن المحلية
عن الاتكاء على الواقع والمعاش في بناء شخصيات ومواضيع قصصها ونجاحها في التوفيق بين المتن الحكائي والمبنى الحكائي تقول نجيبة الرفاعي: “منذ أن بدأت الكتابة قررت أن أجعل الواقع هو المنبع الرئيسي لأحداث قصصي وشخصياتها، وذلك إيماناً مني بأن تجسيد الواقع هو مفتاح النجاح الحقيقي والمتواصل للكاتب، حين يستطيع التعبير عن ذات القارئ بكل ما يحيط به من بيئة وأحداث حياتية يعيشها وشخصيات يتعامل معها، ولغة بسيطة يتحاور بها مع الآخرين، ومشكلات يمر بها في حياته، ومنذ أن أصدرت مجموعتي الأولى “قصاصة من ورق” وأثنى عليها النقاد بسبب ما عالجته من أحداث في إطار واقعي، فحرصت بعد ذلك بأن يكون المعاش واليومي هما المصدر الأساسي لما أكتبه”.
في هذا السياق تأتي المجموعة الثانية “نبض في حياتي” كي تجسد واقع مجموعة من الطالبات المراهقات بكل ما فيه من تناقضات وأحاسيس وصراعات نفسية. قصص المجموعة وجهتها الكاتبة للأسرة كاملة، بما في ذلك العاملات في حقل التعليم والتدريس، وهي بمثابة رسالة تدعو إلى فهم المراهقات ووضع استراتيجية لكسر الحاجز الذي يقف حائلاً من دون تعبيرهن عن شخصياتهن وأحلامهن.
وفي مجموعتها “لن ننسى” خرجت الرفاعي من الواقع المحلي إلى الواقع العربي، حينما جسدت مشاعر الفلسطينيين واغترابهم في وطنهم، وعمقت تلك المشاعر ورسمت ملامحها في إطار شخصيات قوية، متحدية، متمردة، فهنا مرارة الأم التي تفقد ابنها في ساحة المواجهة مع جنود الاحتلال، ومرارة الأب الذي لا يستطيع حماية أطفاله من مدافع الحقد والكراهية، وشوق الحبيبة التي تنتظر حبيبها الذي يستشهد في النهاية لأجل تراب الوطن.
وفي المجموعة ثمة قصص ترصد أيضاً تلك العادات والتقاليد الجميلة للشعب الفلسطيني في مختلف مدنه وقراه المحتلة، ومدى التمسك بالأرض كشعار للشرف والجذور والتاريخ، ومن ذلك قصة “سنعود” وتحكي عن شوق وحنين ذلك العجوز إلى بيته القديم وقريته التي اضطر قسرا على هجرها والنزوح عنها واحتفاظه بمفتاح الباب حتى يسلمه بعد ذلك إلى حفيده. وهناك أيضاً قصة “المجنونة” التي تحكي قصة أم فقدت عقلها بعد أن قتل جنود الاحتلال زوجها وابنها أمام عينيها. كما نجد الواقع المرير في شكل آخر من خلال قصة “وسط الركام” التي تتحدث عن صحفي مهمته تغطية الأحداث اليومية فيتواجه بعنف جنود الاحتلال ويشاهد المجازر وتكسير العظام، وصرخات النساء والأطفال، ومعاناة أبناء الشعب في حصاره وإذلاله على المعابر.

تنويعات وتفاصيل
لقد شاهدنا تنويعات من أشكال الواقع الذي طرحته علينا القاصة من خلال قلمها الأنثوي الذي تحول في كثير من المواقع إلى “عين كاميرا” دقيقة جداً في رصد التفاصيل والأحاسيس والمشاعر الإنسانية في إطار ذلك التماسك البديع بين المضمون والشخصيات وتكثيف تنامي الحدث حتى آخر لحظة.
وربما تكمن قدرة نجيبة الرفاعي في ذلك النسق الجميل من التعبيرات الحية التي توحي بما يحدث لنا في الحياة، وتلك الفنيات التي صدرته لنا بعذوبة تكسر الكثير من المشاهد والصور المظلمة القاتمة التي كانت تصلنا أحياناً بإيقاع رمزي يمنح القارئ مساحة مظللة لاستنتاج ما بين السطور وكشف المستور بطريقته الخاصة، وقد حقق ذلك للكاتبة حضوراً لافتاً على المستوى الثقافي والنقدي.
كما نلحظ جزءاً من ذلك في قصة “أول خطوة في الحلم” مضافاً إلى ما نجده من أثر للسيرة الذاتية، حيث تقدم القاصة ثبتا لمتاعب اليوم الأول في مشوار معلمة كانت تظن أنها تحمل رسالة سامية وتريد تحقيقها فيفاجئها واقع اللامبالاة والفساد في المدرسة التي نقلت إليها.
وقد استخدمت القاصة عنصر السرد الوصفي لتحقيق نبرة الصوت الاحتجاجي وإن كان خافتاً بعض الشيء.
لقد نجحت نجيبة الرفاعي في حجز مقعدها في صالون الإبداع القصصي ومنصة أجناس القول الأدبية في الإمارات، بعد أن نجحت في الخروج من أطر القصة التقليدية إلى عالم القصة الجديدة، من خلال تلك الجملة القصصية الواعية التي بثتها في جنبات ما تكتبه، جرأة عالية وروح شابة وثابة مدهشة في العناوين والخطوط والتعابير اللونية، والشخصيات وأسلوب الأداء سواء في بساطته، أو منطقيته، وهو ما أوصل قاصتنا إلى ترجمة بعض قصصها إلى الفرنسية من خلال الكتاب الذي أصدرته وزارة الثقافة وتنمية المجتمع بالتعاون مع رابطة الأديبات الإماراتيات في المجلس الأعلى للأسرة بعنوان “مختارات من قصص المبدعات الإماراتيات بالفرنسية” من ترجمة الدكتور مولدي فروج وإبراهيم الدرغوثي ومراجعة الكاتبة التونسية المقيمة في الإمارات ريم العيساوي. وتضمن الكتاب نصوصاً لكل من: نجيبة الرفاعي، وأسماء الزرعوني، وباسمة يونس، وسارة النواف، وشيخة مبارك الناخي، وفاطمة السويدي، وفاطمة محمد الهديدي.

اقرأ أيضا