الاتحاد

دنيا

مرتزقة الاختطاف

ظلت القبيلة في العالمين العربي والإسلامي حتى نهاية القرن الثامن عشر تحافظ على أخلاق الفرسان في الدفاع عن المظلومين من العزل والنساء والأطفال وحماية المال والنفس، وكانت ظاهرة الغزو والخطف غير مشروعة بل نادرة إن لم تكن محرمة·
وقد ساعدت بعض مظاهر التمدن في إزاحة المظاهر التقليدية للقبيلة في المناطق التي زحف التعليم اليها وظهرت فيها القوانين ونشأت المؤسسات الخدمية الحديثة، كما ساعد بعض التطور على التحول نحو سلطة القانون ومؤسسات الدولة الحديثة وتعزيز قيام مؤسسات ثقافية واجتماعية تجمع بين الأصالة والمعاصرة من أخلاق وقيم وعادات تؤسس لمبادئ العدالة وتكافؤ الفرص والمساواة·
ولكن وفي ظل اقتصاد تقليدي موسوم بالفقير استفادت بعض المناطق من المشروعات التنموية المتاحة واتجهت نحو تحديث مؤسساتها، في حين استمرت معظم المناطق النائية على ما هي عليه من بداوة إلا فيما ندر من ظهور بعض مردودات التحديث، فيما اتخذت بعض نظمها التقليدية أشكالاً عدائية للمؤسسة النظامية الرسمية وللمجتمعات المدنية التي لم تحقق لها من وجهة نظرها نمواً يلبي حاجتها الاقتصادية، أو يساعدها على رفع مستوى أبنائها مقارنة بالمناطق التي تعرضت للتحديث المؤسسي مبكراً·
وبسبب ضعف الاقتصاد لبعض المناطق المحرومة، أو بسبب التشتت السكاني والعمراني الممتد على مساحة واسعة من الأرض التي يقتلها الجفاف وقلة الأرض المزروعة والمأهولة بغالبية الأميين، فإن مؤسسات الدولة القائمة فيها تجد نفسها قليلة الحيلة في مكافحة الجهل والمرض والفقر وتوفير البيئة المناسبة للاستقرار والتطور، فلا زال الناس يلجأون إلى أدوات التخلف من شعوذة ودجل·
الرعاية التي أولتها الدولة لحماية هؤلاء وفرض سياسة التسامح معهم باعتبارهم غير مسؤولين عن أعمالهم بسبب الجهل وقلة ذات اليد، جعلت آخرين يتلقفونهم كي يصنعوا منهم مجرمين محترفين للقتل والنهب والسلب والاعتداء والتقطع بل ذهبت أبعد من ذلك لتوظيفهم في عصابات لتحقيق مآرب سياسية وشخصية، فلم تعد المهنة في البادية أو القرية المحروق زرعها مكاناً مناسباً للسعي من أجل الرزق· ولم تعد مهنة التقطع والاختطاف من أجل تلبية حاجة أو الحصول على ما يسد الرمق فقط أو يرد الاعتبار، بل أصبحت مهنة للثراء والإيذاء وتنفيذ عقوبات وسداد ديون ثارات واغتصاب لممتلكات الآخرين، وأصبح الاختطاف وسيلة ضغط فعالة للحصول من الدولة ومؤسساتها على التنازلات·
كيف يمكن معالجة هذا الوضع وقد أساء لنا داخلياً وخارجياً ؟ وكيف يمكن حماية المنجزات والمؤسسات والمدن والناس من مثل هذه الشرذمة التي لم تحترم العرف القبلي ولا الأخلاقي والتي تمارس عملها تحت سمعنا وبصرنا جميعاً، وتسيء إلى الاستثمار وإلى الاستقرار وإلى الأمن الاجتماعي والأمان

اقرأ أيضا