الاتحاد

الملحق الثقافي

السيف العربي.. جسد فارع للفخر والحرب

لا أحد منا لم يحفظ هذين البيتين لأبي تمام الطائي:
السيفُ أصدق إنباءٍ من الكتبِ
في حدّه الحد بين الجدِ واللعبِ
بيضُ الصفائحِ لا سودِ الصحائفِ
في متونِهنَ جلاءُ الشكِ والريبِ
هما اثنان السيف والقلم، ذاك يفضحه بريقه حين يلمع وقت الحسم، ولا يعرف إلا الخجل فيخبئ طوله الفارع في قرابه وقت الهزء، وهذا جماله في سواده، وما بين البياض والسواد لغة، لغة فيها حكايات لا نهاية لها، ولكن أبرزها حكاية “عنترة بن شداد” حين تصارع هذان القطبان بين مقبضه وحدّه بين يده ولسانه.
عنترة لم يتغزل بالسيف، بل تعشق ببياض أسنان عبلة، بريق التماع الشمس على صفحة من بلاط أبيض، لكنه من الغريب حقاً أنه جمع الرمح والسيف.
ولقد ذكرتك والرماح نواهلٌ مني
وبيضُ الهندِ تقطُر مِن دمي
فوددتُ تقبيلِ السيوفِ لأنها
لمعت كبارقِ ثغرُكِ المتبسمِِ
فما بين صفائح بيض وصحائف سود ينجلي الشك، تنجلي الحقيقة، بالدم والكلمة.
طوله باسق وما بين السيف العربي وسيف القادسية فرق كبير.. السيف العربي ممتد ومستقيم كالبرق، مدبب كالشوكة، محفور كالنهر من نهاية مقبضه حتى التقاء شفرتيه، له شفرتان، يحصد الرقاب يميناً وشمالاً، أما سيف القادسية ففيه انحناءة للداخل، مقوس في خفة جناح الطائر أشبه بهلال لا يريد أن يكتمل، لا تخيب شفرته الوحيدة في فعلها.
قالت العرب: للسيف أسماء لا حدّ لها، صفات، وكنايات، وما بين السيف والرمح فرق كبير، فالأول آلة العرب لما فيها من قرب للعدو، والثاني آلة العجم لما فيها من بُعد عن العدو.
وقيل إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عدّل من وصف كعب بن زهير بن أبي سلمى له في قصيدته البُردة حين قال:
إن الرسولَ لسيف يستضاء به
مهند من سيوفِ الهند مسلولُ
فعدّل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من الوصف فقال: بل قل:
“إن الرسول لنور يستضاء به
مهند من سيوف الله مسلولُ”.
حيث ارتفع شأن السيف مما هو واقعي إلى ما هو كوني بالرغم من أن كلا الوصفين كان آلته السيف.
سيوف عربية عُجنت بالشهامة، وباللغة حتى وصلت أسماؤها إلى 300 اسم، وأجمل السيوف منها الناحل، وهو ما بدا ضعيفاً إلا أنه ناحر وما بين لامه ورائه دم يسال.
قيل إن العرب كانت تضع السيوف بين آذان الخيول في أول هجمة أو صولة لهم في ساحة الحرب، فيظل الفرس يحدق في رأس السيف الثابت بين أذنيه وكي يسبق رأس السيف المدبب تراه يركض عجلاً ولأن رأس السيف ثابت، نجد الفرس في أقصى سرعة له وهو يثير النقع تحت قدميه وبهذا قال المتنبي:
وجردٍ مددن بين آذانها القنا
فبتن خفافاً يتبعن العواليا
تلك هي السيوف العوالي التي تشبه جسد المحبوب كما هو عند ابن أبي حصينة:
والسيف مشحوذ الغرار كأنه
جسم المحب نحافة ونحولا

حكاية السيوف
ذلك جانب من حكايات السيوف العربية، أما الجانب الآخر منها، فنجده في كتاب “سيوف عربية” الصادر عن هيئة أبوظبي للثقافة والتراث.
كتاب يحكي تاريخ السيوف العربية ومنبعها، حيث الهلال الخصيب الذي أنتج آلةً كالهلال مصنوعة من النحاس المزرنخ ثم من القصدير ثم من الحديد منذ القرن الثالث عشر قبل الميلاد.
عرف العرب سيوف الهند واليمن، والسيوف المشرقية وسيوف بصرى، ولشرف مقامها امتزج بها حُلية الذهب والحرف العربي، وكتب علماء العرب فيها كتباً كان أشهرها وأولها كتاب أبي يوسف يعقوب الكندي “رسالة في أنواع السيوف والحديد” فقسم السيوف فيه إلى:
1 - السيوف العتيقة، وهي اليمانية والهندية.
2 - السيوف غير العتيقة، وهي الرسوب والبهائج والرثوث والسليمانية.
3 - السيوف المولدة، وهي الخُراسانية والبصرية والدمشقية والمصرية والكوفية والسرنديبية.
كان النصل مستقيماً ذا حد واحد أو ذا حدين، ثم غدا منحنياً ذا حدٍ واحد، وهذا ما قاله لي النحات العراقي محمد غني حكمت، حيث سمّي الأول السيف العربي، والثاني سيف القادسية.
وإن أول من صنع السيف في بلاد العرب هو الهالك بن عمر بن أسعد بن خزيمة، في حين تشير المصادر إلى أن سعد بن سيل، جد قصي بن كلّاب لأمّه، كان أول من حلّى السيوف بالفضة والذهب، وأهدى إلى كلّاب والد قصي مع ابنته “فاطمة” والدة قصي سيفين محليين فجُعلا في خزانة الكعبة قبل الإسلام. وقبل أن أدخل معكم في مسميات جسد السيف وأجزائه قطعة قطعة، لنذهب إلى أوائل السيوف في جزيرة العرب ومن صنعها وما هي أسماؤها؟ تقول المصادر إن سيوف اليمن من أشهر ما صُنع، وهي من السيوف العتيقة المجوهرة بالعقيق والفصوص الملونة اللاهثة، صلبة، لا تهدى إلا للملوك حين يبرق ذهبها السائح على مقبضها فتبتهج الوجوه بابتسامة الرضا.
في الوقت ذاته نجد السيوف الدمشقية التي قيل إن الشعرة تُشطر نصفين حين يمر نصل السيف عليها وهو ما انتصر به صلاح الدين الأيوبي على الصليبيين.

صناعة السيف
يصنع الصناع نصله أولاً كصياغة الصائغ، ثم يعمد إلى التطريق، وهنا تختلف الضربات على المعدن الساخن بين الشدة واللين لغرض التشكيل بلا زوائد أو نقصان، ثم تأتي الصنفرة والصقل بغية مساواة الأسطح وإزالة الشوائب وتلميع الجهتين لإعطائهما بريقاً لامعاً، وتأتي صناعة الغمد من الخشب والبطانة من الجلد الحيواني المتنوع، والغمد الذي يُسمى عامياً بالجراب ويكنى لسانياً بالبيت أسوة ببيت الإنسان، حيث يمنح السيف أنسنة قل نظيرها، والخشب متعدد الأصول ما بين “الساج” و”الصندل” و”السيسم”. ويطابق الغمد شكل السيف مستقيماً أو منحنياً. النصل جسد السيف، والسيف الشكل المكتمل مع المقبض الذي يتكون من الواقية والقائم والقبيعة، ويثبت المقبض بالنصل عن طريق اللسان وعادة ما يزين المقبض بالعاج الأملس، الأبيض المنزلق. ويجمع ابن المعتز في بيت من الشعر وصفه للمقبض والنصل فيقول:
ترى فوق متنيه الفرند كأنما
تنفس فيه القين وهو صقيل
وما بين المقبض والنصل تجلس الواقية “البرشق” وفائدتها ذكية، فهي التي تمنع انزلاق سيف العدو إلى المقبض، حيث يد الفارس التي تقطع حال الملامسة، وتزين الواقية بقطع من الأحجار الكريمة كالفيروز.
وكما يُزين رأس العروس، يزين أعلى الغمد بخيوط الذهب والنقوش الذهبية خاصة على المقابض والأغمدة ولا مجال لتزيين الأنصال إلا بتلك التي تُطعم بالأحجار الكريمة وهي للزينة فقط، ويعيب ذلك البُحتري بقوله:
فلا كسيت تلك السيوف لزينة
بيان اللجين واحمرار الحمائل
نجمات خمس ونقوش هندسية، وهي جميعها إسلامية ظهرت إبان العصرين الأموي والعباسي، أما وجه الغمد الخارجي فتعشق فيه المعادن الذهبية والفضية في جمالية زخرفية لا نظير لها وتُطبع النقوش على المعدن بطريقة الروسمة باستخدام إزميل خاص يدعى “المترشة” يراعى فيه الدقة.

عيوب السيوف
ولا يُعاب على أنصال السيوف إلا بعد خروجها من الحرب، مثلومة، منهكة، باكية على الرقاب التي مرت عليها، ويذهب الفارس حالما تضع الحرب أوزارها إلى الصائغ ليتتبع نقاط الثلمات تلك ليزيلها، وكلما كثرت الثلمات دلت على الشجاعة، وهو عيب جميل كما قال فيه النابغة الذبياني:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم
بهن فلول من قراع الكتائبِ
قيمة السيف مزدوجة في ذهن العرب، بين شكله الجميل، وحِليته الأخاذة وطوله الفارع ومضاء نصله، وبريق شفتيه “يميناً وشمالاً” وطوله الأنيق، وامتداده الفارع.
أما مضمونه، فيحكي عنه ما نُقش عليه “ولله جنود السموات والأرض”، حيث القيمة الكونية والرمزية له.

سيوف الرسول
كان للرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- سيوف عدّة منها: البتار والمعصوب والمخذم. أما أشهر سيوفه -صلى الله عليه وسلم- فهو ذو الفقار بلا منازع، وقد غنمه له في إحدى المعارك الإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) ومنه جاء شعار المسلمين “لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي”، فأصبح هذا الحدث منقوشاً على أكثر السيوف، وقد أهداه -صلى الله عليه وسلم- إلى الإمام علي ثم صار إرثاً لبنيه من بعده.

الدقات
كل جزء في السيف العربي يرمز إلى معنى، وكل مشغول فيه له غاية، وحين يتحول الغرض إلى غاية فُضلى، سامية، يكون الرمز سامياً، ولكي نفهم هذا المعنى لنشرح جزءاً من المشغول على مقبض السيف، وهو أشبه بالمسامير أو ما يطلق عليه بـ “الدقات”، وهي تشير “رمزاً” إلى قيم دينية وقبلية، فعلى سبيل المثال يرمز وجود خمس دقات على المقبض إلى أركان الإسلام الخمسة: الصوم والصلاة والحج والزكاة والشهادة “أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله”، وهي في جميعها تشير إلى غرض استخدام السيف. وفي الدقات ثلاث أو خمس ولا وجود لغيرهما على الأسياف والأنصال.

القبيعة
جزء من المقبض في نهايته تحديداً، وتكون في العادة أكبر من المقبض لمنع انزلاق السيف من اليد، فضلاً عن أنها توفر ثقلاً موازياً للنصل، كما يمكن أن تستخدم كوسيلة لتثبيت اللسان في المقبض. يجتمع العاج والذهب والجلد والأسلاك والخشب في احتفال جميل حين تتعشق جميعها تحت يد الفارس فوق المقبض.
ويجتمع الجلد والفضة والذهب والخشب والحرف العربي والحلية فوق الغمد، حيث يرفع الفارس شعاره “إن العزة لله”. ومن أجل تزيين هذا الجسد تصنع “الكركوشة” من خيوط مذهبة.
وحين تنتهي المعركة يخلد نصل السيف إلى الاغتسال، ثم إلى النوم بين أحضان أغمادها، حيث يلخص المتنبي كل ذلك فيقول:
وبتنا نُقبل أسيافنا
ونمسحها من دماء العدا
أو حين يصفه قيس بن الخطيم:
بسيفٍ كأن الماء في صفحاته
طحارير غيم أو قرون جنادب
ويعرف عن الفارس العربي أنه إذا كان فوق حصانه استخدم السيف المنحني، وإذا كان محارباً على الأرض فيستخدم السيف المستقيم.. ولا أدري لماذا؟

تقديم السيف
يقدم السيف قديماً باليد اليمنى دلالة على الخضوع والتقدير والاستسلام للشخص متسلم السيف، وهذا ينطبق على من يسلم له كالحاكم والقائد أو الأب دليلاً على الطاعة لهؤلاء الأشخاص الذين اقتضت الأعراف والتقاليد العربية أن يكونوا أولي الطاعة وعليه القوم وعلى الجميع الخضوع لهم بخالص النية. وحديثاً يسلم السيف بكلتا اليدين، اليمنى واليسرى ولنقل يجلس السيف على كفين مفتوحتين في المراسم الاجتماعية والسياسية واتباع أصول الدبلوماسية العالمية، فيقوم القادة والملوك بتقديمه هكذا واستقباله بالطريقة نفسها دلالة على تساوي الطرفين بالمقام.
ولم يتطرق الكتاب إلى أسباب احتفاظ المراسيم الرسمية في استقبال الملوك والشيوخ ورؤساء الدول بالسيف في يد رئيس الحرس الذي يقوم بحركات عدة تعارفت عليها جميع الأمم ولم تتخل عنها، وكأنما قول عنترة يصدق على السيف في كل الأزمنة:
يضحك السيف في يدي وينادي
وله في بنان غيري نحيب

التوقيع
التوقيــع يعني “الختم”، وهو حصة الصانع وشرفه ودمغته، ولا يذكر في الأعم الأغلب الصانع اسمه، وإنما يستعيـــض عنه بختمه عامة تُعرف حال رؤيتها عائدة لمن، وهي “العز في الطاعة والغــنى في القنــاع”، فتقــول هــذا السيف صناعــة فلان، و”لا إله إلا الله محمد رسول الله” على شكل كمثرى، فتقول هذا السيف من صناعة فلان، أو على شكل طولي فتقول هذا السيف من صناعة فلان.. أما لماذا غاب اسم الصانع، فتلك قصة الإخفاء وعدم الارتحال مع السيف في تنقله خوفاً من عواقبه. وهذا لا يعني المطلق في هذه الأعراف، بل هناك من الصناع من يوقع باسمه فيقول فيه “صُنع من قبل... ويذكر اسمه”، وهذا يشبه لديهم توقيع الفنان على لوحته أو منحوتته ومنهم من صناع السيوف أسد الله وكلبو علي ومصري.

أجزاء السيف
السيف ثلاثة أجزاء:
1 - مقبص
2 - غمد
3 - نصل
من أول المقبض نجد “الثومة” Thooma ثم نجد “الصعوس” Touous ثم “السواطر” Sawatir ثم “سيلان” Selan ثم “برشق” Barshaq.
ومن أول الغمد نجد “العقرب” Agrab ثم “درية” Dreeyeh ثم “بنود” Binood ثم “فطية” Fateeha ثم “قبه”Gubbah ثم “عجب” AJib وأخيراً “نعل” Naal.
أما النصل فلا أجزاء له.

صدأ السيف
لا يصدأ السيف قديماً، أما هذه الأيام فقد علاه الصدأ حقاً، ولا فائدة من تلميعه وتزيينه، إلا في حال عرضه بالمتاحف.
و”الشحذ” لغة هو تجديد حدّ السيف أو شفرته، وقديماً كانت تصقل بحجر مبتور، خشن لمحو آثار الثلمات والخدوش والندب من على سطحه، تتبعه عملية الصقل بواسطة حجر ناعم بغرض تلميعه. أما اليوم فاستخدمت طرق حديثـــة مقتبســـة من طــرق الماضي باستخدام معادن خشنة وناعمة في عملية اسمها “الصنفرة”، وهناك تنظيف بالموجات فوق الصوتية.


المعلومات والصور مستقاه من كتاب «سيوف عربية»
الصادر عن هيئة أبوظبي للثقافة والتراث

صُناع السيوف في الخليج

من صُناع السيوف في الخليج العربي عائلة اشتهرت باسم “عائلة الصايغ”، وهي عشيرة آل مبارك التي عُرفت لاحقاً بعائلة الصايغ والتي سكنت منطقة البطحاء في السعودية ثم انتشرت في أرجاء الخليج العربي.
ذهب بعضهم إلى منطقة الزبارة ـ ما يُعرف اليوم بدولة قطر ـ ومن هناك قام أجداد عشيرة آل مبارك بالسفر إلى البحرين على متن السفينة ذاتها التي سافر عليها موكب آل خليفة الملكي ليتخذوا من البحرين موطناً لهم ولأجيالهم القادمة. يعود اسم الصايغ الذي تبنته العشيرة فيما بعد إلى أصل المهنة التي امتهنها الأجداد وتجارتهم وتخصصهم في مجال صناعة الحُلي والتحف والسيوف والخناجر. والصائغ من يصوغ ويشكل المعادن، وهذا حدث منذ 200 عام، حيث احترفت عائلة الصايغ البحرينية صناعة السيوف والخناجر للأسر الحاكمة في البحرين وعلى نطاق منطقة الخليج العربي. ومن أشهر شخصيات العائلة المرحوم الحاج موسى بن يوسف بن موسى بن طاهر الصائغ وأخوه المرحوم الحاج أحمد بن يوسف بن موسى بن طاهر الصائغ. استطاع هذان الصائغان الخبيران أن يخلقا اسماً محفوراً في تاريخ العائلة من خلال ما صنعاه من سيوف بديعة. وفي كل جزء من الخليج العربي تسمع اسم الصايغ لتتذكر السيف العربي.

اقرأ أيضا