الاتحاد

عربي ودولي

الولايات المتحدة لم تعد من أولويات السياسة الخارجية للتنين


بكين - الاتحاد - خاص:
هذه الدولة التي تتدخل في شؤون غيرها تدعى الولايات المتحدة، لا تستطيع الصين إلا أن تتقبل ذلك وإن على مضض، ثمة امبراطورية كونية لها امتداداتها في القرن، الصينيون الآتون من تراث قديم يعرفون كيف يستخدمون الحكمة في الوقت المناسب·
الصين تنمو اقتصادياً وعسكرياً أكثر فأكثر· هاجس القطب الآخر يقض مضاجع الأميركيين الذين تمر علاقاتهم مع بكين في حالات من التجاذب الدقيق· في اللحظة المناسبة يتدخل العقل· لا صدام، بل تفاهم يبدو، أحياناً، على شكل سوء تفاهم، ثمة استراتيجية مشتركة تدعى: الحاجة···
'الاتحاد' تضيء، في التحقيق التالي بعض الخفايا في العلاقات بين العملاق الأبيض والعملاق الأصفر:
ثمة شيئا ما في الولايات المتحدة يدعى 'لعنة الولاية الثانية'· العديد من المعلقين يعتبرون أنها بدأت تلاحق الرئيس جورج دبليو بوش، آخرها ارتفاع أسعار النفط الذي بدأ يرهق المواطن الأميركي، كما بدأت تنتشر القناعة بأن الوجود الأميركي في العراق هو أشبه ما يكون بالوجود في الجحيم'، حسبما يقول 'زبجنيو بريجنسكي'، متفقاً في ذلك، ولكن في وقت متأخر جداً، مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك·
حين يكون رجل ما رئيساً لأكبر وأقوى دولة في التاريخ، لابد أن يواجه، يومياً العاصفة ولكن هناك الكثيرين في واشنطن وغيرها الذين ينفخون في الريح عل ذلك يربك الرئيس فيفعل ما فعله الرئيس ريتشارد نيكسون في النصف الأول من السبعينيات حين استقال بفعل فضيحة ووترجيت، رغم حساسية قضية مونيكا لويفنسكي كونها تمس سمعة الرئيس شخصياً وتثير الاضطراب داخل العائلة·
قصة الرئيس الصيني
انهم ينفخون، لكن الرئيس باق في البيت الأبيض· الخصوم أثاروا، على نحو مدو، إعلان الرئيس الصيني هو جنتاو تأجيل زيارته الرسمية للولايات المتحدة، والتي كانت مقررة في مطلع سبتمبر الماضي الى موعد آخر، وهو الموعد الذي لم يتحقق، وكان أن استعيض عنه بلقاء بسيط وعاجل بين الرئيسين، دام تسعين دقيقة فقط، على هامش احتفالات العيد السبعين لتأسيس منظمة الأمم المتحدة، في نيويورك·
إن طبيعة هذا اللقاء، والظروف التي انعقد فيها، تكشف بوضوح مدى تردي العلاقات ما بين العملاقين الأبيض والأصفر، وإن كان هذا التردي لم يبلغ بعد درجة الصدام المباشر، فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وجدت الولايات المتحدة نفسها بحاجة شديدة الى مؤازرة الصين لها في حربها المعقدة ضد الإرهاب·· لكن الآن، وبعد تغير الأوضاع، يعتبر البنتاجون ان الحاجة الأميركية الى الصين لم تعد قائمة·
وفيما اعتبر الرئيس بوش ان الصين قد تغيرت كثيراً عما كانت عليه قبل أربع سنوات، فلا وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس ولا وزير الدفاع دونالد رامسفيلد يعرفان الآن كيف يتعاملان مع هذا البلد المتنامي اقتصادياً وعسكرياً وبسرعة قياسية، فيما يشتري الجيش الصيني الأسلحة التي يحتاجها علناً من حلفاء أميركا الأوروبيين وكذلك من حليفتها الأساسية إسرائيل، والى درجة نشأت معها أزمة بين واشنطن وتل أبيب ما لبثت أن عولجت·
التنين بصدد إعادة تحديد أولوياتها الاستراتيجية، وبعكس سلفه جيانج زيمن، أزاح الرئيس هو جنتاو الولايات المتحدة من وضعية 'أولى الأولويات' في سياسته الخارجية·
والواقع ان جنتاو، ومنذ وصوله الى السلطة قبل عامين، قام بزيارات رسمية عديدة الى بلدان أوروبية (منها زيارتان لفرنسا)، إضافة الى بلدان أميركية لاتينية، فضلاً عن بلدان الجوار، وصولاً الى كوبا وما تعنيه هذه الدولة في الكاريبي بالنسبة الى الولايات المتحدة·
زيارة الرئيس الصيني للأرض الأميركية جاءت في إطار مشاركته في القمة، ولحضور افتتاح دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة، لم تطأ قدماه واشنطن، وهي عاصمة الامبراطورية، وهذا لم يكن من باب الصدفة طبعاً، بل نوعاً من إظهار موقف ما حيال القطب الأكبر الذي تعمل بكين على الاحتفاظ بمسافة ما معه·
تذكروا 'باول'
لا أحدى ينسى كولن باول، يوم كان وزيراً للخارجية في الولاية الأولى، عندما قال 'إن العلاقات الأميركية - الصينية الآن هي على أفضل ما يمكن أن يكون منذ إقامة العلاقات بين البلدين'· ولعلها المصادفة المثيرة ان والد الرئيسي، أي الرئيس 'بوش الأب'، كان أول سفير لبلاده في بكين عندما حملت ديبلوماسية البينج بونج الرئيس ريتشارد نيكسون الى هناك في تلك الزيارة التاريخية التي أسهمت في وضع حد للمأساة الأميركية في الهند الصينية·
'باول' قال ذلك منذ أقل من عام، أما الرئيس جورج دبليو بوش فرد منذ مدة على سؤال عن العلاقات الراهنة بين الولايات المتحدة والصين بالقول: 'إنها معقدة جداً'، معقدة فعلاً الى درجة أن الطرفين لم ينجحا في التحضير للزيارة التي كان مفترضاً أن يقوم بها الرئيس الصيني لواشنطن·
بكين كانت تريد 'زيارة دولة' فيما أصرت واشنطن على أن تكون مجرد 'زيارة عمل مرفقة بترتيبات الزيارة الرسمية'، هذا قبل أن يهب إعصار كاترينا كمبرر مثالي لتأجيل الزيارة الى وقت آخر وبموافقة الطرفين·
الجميع يعرف أن مشكلة العلاقات الأميركية - الصينية لا تقتصر على موضوع الزيارة، فاللائحة طويلة جداً: هناك الصراع حول مسألة مبادلات النسيج، وحول إعادة تحديد سعر صرف العملة الصينية، إضافة الى الصراع حول 'يونوكلل'، وحول قضية الطاقة، وقلق البنتاجون من تنامي قوة الصين العسكرية، دون أن ننسى قضية حقوق الإنسان وقضية القضايا: تايوان!
الصينيون يمتلكون ذاكرة الفيلة وهم يستعيدون في كل مناسبة ما يعتبرونه 'تحريض' الرئيس بوش لرئيس الحكومة التايوانية كوازومو ضدهم ولرئيس الحكومة التايوانية شين شويبيان الذي أصبح أكثر جرأة في وجه (ومواجهة) البر الصيني·
إذا سحبت ودائعها··
في المقابل، ليس بإمكان واشنطن أن تغفر لبكين دعمها لطموحات كوريا الشمالية النووية·· ولا اصرارها على رفض تعديل عملتها الوطنية· الى ذلك، يمتلك بنك الصين المركزي مئات مليارات الدولارات من سندات الخزينة الأميركية، وعلينا أن نتصور ما يمكن أن يحصل إذا ما قررت بكين فجأة بيع أو سحب تلك الودائع، هذا يتسبب، حتماً، بكارثة مالية واجتماعية للولايات المتحدة·
كل ذلك لا ينفي 'حاجة' الصين الى الولايات المتحدة، ولعل هذا ما جعل الرئيس جنتاو يقترح، للمرة الأولى، على نظيره الأميركي، خلال لقائهما في نيويورك 'العمل معاً من أجل تحقيق السلام في مضيق تايوان' حتى مشكلات الصين الداخلية تحولت، في ذلك اللقاء، الى مادة بحث بين الجانبين· وبرغم استياء الرئيس الصيني من ذلك، لم يكن بإمكانه أن ينسى أن هذا الظرف 'المتدخل في شؤون غيره' إنما هو الولايات المتحدة·
خبراء العلاقات الدولية يجزمون بأن مستقبل العلاقات الأميركية - الصينية لن يكون محكوماً إلا بعدم الثقة والتوتر، وان ما يأمل به الأميركيون كمخرج هو حصول انهيار ما في قوة الصين الاقتصادية وغير الاقتصادية·
ومن هنا يجد العالم نفسه أمام سؤالين صعبين:
' هل تنجح الصين في اقناع الولايات المتحدة بأن التقدم المتسارع الذي تحرزه إنما هو لا ينطوي على اي تصورات استراتيجية على مستوى الكرة الأرضية؟
' هل تنجح الولايات المتحدة، من جهتها، بطمأنة الصين الى أنها لا تخفي تجاهها أية نوايا عدائية من أي نوع كان؟ البلدان يتقاربان، يتباعدان، هذه طبيعة الأمور حين يكون هناك عملاق، ويكون هناك عملاق آخر، مع التذكير بأن الفلكيين الصينيين 'هو' و 'تسي' أول من اجتاز مضيق بيرنج ووصلا الى العالم الجديد منذ 4640 عاماً، كانت الرحلة علمية لا استراتيجية· كما أميركا بحاجة الى الصين، الصين بحاجة الى السوق الأميركية التي تبتلع السلع الصينية هيستيرياً·
هذا لا ينفي التوجس هنا، التوجس هناك·إنه الرجل الأبيض في مواجهة الرجل الأصفر· أفضل مسافة بينهما: العقل، وإلا ما هو مصير الكرة الأرضية إذا انفجرت العلاقات؟

اقرأ أيضا

الأمن العام اللبناني ينفي ترحيل سوريين قسراً إلى بلادهم