الاتحاد

عربي ودولي

القبارصة يغزون الإسكندرية أثناء صلاة الجمعة


الإسكندرية ـ آمال حسين:
تمد الإسكندرية بصرها شمالاً كل صباح لمسافة أربعمائة كيلومتر نحو جزيرة قبرص الجبلية، بنظرة عتاب وألم، فالمدينة الساحلية لم تنس ـ رغم مرور ستمائة وأربعين عاماً ـ أطول ثلاثة أيام في تاريخها، وأكثرها وحشية وضراوة، عندما استقبلت القبارصة تجاراً، فانقضوا عليها بالسيوف والرماح، وقتلوا واغتصبوا وحرقوا·· ولم يتركوا المدينة الوديعة إلا خراباً ورماداً···
ففي مثل هذه الأيام من عام 767 هجري، كانت الإسكندرية تدافع بعناد عن أسوارها ضد القبارصة الغزاة، الذين خططوا للهجوم عليها، اعتقاداً بأنها مفتاح السيطرة على الدولة الإسلامية، ومن ثم استعادة مقدساتهم المسيحية التي كانت في ذلك الوقت بحوزة المسلمين! واليوم ـ بعد مضي أكثر من ستة قرون ميلادية على تلك المذبحة القاسية ـ تفتح الإسكندرية أبوابها للقبارصة اليونانيين والأتراك سياحاً ودارسين، كما تستقبل الجزيرة القبرصية الساحرة أكثر سياحها من الإسكندرية، لكن كلاهما لم ينس تلك الصفحة الدامية من تاريخ صراعهما الطويل!
تبدأ رحلة ذلك الصراع بين قبرص والإسكندرية منذ عهد الصحابة والخلافة الإسلامية، عندما كان معاوية ينظر بحذر إلى خطر الروم القابع بالقرب من جزيرة قبرص في أقصى شرق البحر المتوسط، والتي تعد من كبرى جزره، وكان يلح مراراً على الخليفة عمر بن الخطاب للقيام بغزوة بحرية تسعى للسيطرة على الجزيرة، فقد كانت تشكل تهديداً للوجود الإسلامي في تلك المنطقة، سواء في الشام ومصر وبلاد المغرب، أو في إقليم الأناضول بعد ذلك، كما كانت الجزيرة من الناحية الاستراتيجية عقبة في طريق التجارة الإسلامية في البحر المتوسط، وخطراً على قوافل الحجاج، ومحطة لأي هجوم صليبي ضد المسلمين، حيث تبعد عن الشواطئ التركية بأميال قليلة، وعن سواحل الإسكندرية بنحو أربعمائة كيلو متر، وكانت قريبة من سواحل الشام بحوالي مائة كيلو متر·
لكن أميرالمؤمنين عمر بن الخطاب لم يستجب لإلحاح معاوية في غزو الجزيرة، بسبب قلق المسلمين حينئذ من البحر والقتال فيه، فقد كانوا أهل بادية وصحراء ولم يكن لهم سابق خبرة بالبحر، غير أن معاوية ظل متمسكاً برغبته حتى ولي عثمان الخلافة، ووافق على طلبه، وبعث إليه برسالة قال فيها: (لا تنتخب الناس، ولا تقرع ـ أي تجري القرعة ـ بينهم، وإنما خيّرهم، فمن اختار الغزو طوعاً فاحمله وأعنه··)! ورحب بالغزو بعض الصحابة منهم أبو ذر الغفاري وأبو الدرداء وشداد بن أوس وعبادة بن الصامت، وشرع معاوية في بناء أول أسطول بحري في الإسلام، تولى قيادته عبد الله بن قيس، وبلغ الأسطول جزيرة قبرص في عام 649م، وسرعان ما وضع المسلمون قبضتهم عليها، وعقدوا مع أهلها معاهدة تنص على ألا يقوم أهل قبرص بغزو المسلمين، وأن يخبروا المسلمين إذا قام الروم بالسير لقتال أهل الإسلام، وأن يدفعوا جزية سنوية لبيت مال المسلمين قدرها سبعة آلاف دينار·· وهكذا صار البحر المتوسط بالكامل تحت سيطرة الدولة الإسلامية·
قاعدة ضد المسلمين
وعندما دبت الفتنة الكبرى بين المسلمين في حقبة الإمام على بن أبي طالب امتنع القبارصة عن دفع الجزية، فقام معاوية مرة أخرى بمهاجمتهم، وأبقى في الجزيرة عدة آلاف من الجنود المسلمين، ووطّن بها بعض سكان مدينة بعلبك، لكن صراعات الدولة الإسلامية التي صاحبت القتال بين عبد الله بن الزبير وعبد الملك بن مروان فيما بعد شجعت البيزنطيين على احتلال الجزيرة، وتكررت المحاولات الإسلامية لاستردادها أعوام 748م، و775م، و800م، و806م، لكنها فشلت، وهو ما شجع ملك بريطانيا ريتشارد قلب الأسد على الاستيلاء عليها عام 1191م، وجعلها قاعدة حربية للإمداد والتموين، وبعد رحيل الصليبيين عن بلاد الشام كانت قبرص هي المكان الذي تجمعوا فيه لإرسال حملاتهم على المسلمين مجدداً، كما دأب القبارصة على استهداف الموانئ الإسلامية في شرق البحر المتوسط بقراصنتهم·· لكن أقوى الحملات الصليبية التي قام بها القبارصة وأشدها ضراوة كانت تلك التي قضت على الإسكندرية في ثلاثة أيام···
ساعة الصفر·· أذان الجمعة!
عندما أراد بطرس الأول لوزجنان ملك قبرص أن يصوب هجماته الوحشية باتجاه المسلمين، تلقى النصح بأن يهاجم الإسكندرية في يوم جمعة، فيما المسلمون منهمكون في صلاة الجمعة بالمساجد، ونائب الإسكندرية في ذلك الوقت صلاح الدين خليل غائب لأداء فريضة الحج، وينوب عنه أمير ضعيف يدعى جنغرا، ليست لديه خبرة بشؤون الحرب، ولأن الملك الطموح بطرس الأول كان يخشى مهاجمة مثل هذه المدينة القوية، فقد أعجبته فكرة خداع المسلمين، وكان احتلال مصر عن طريق الإسكندرية يعني بالنسبة إليه بداية الطريق نحو تحرير الأراضي المسيحية المقدسة من الحكم الإسلامي، وبرغم السرية التي أحاط القبارصة بها أخبار حملتهم المرتقبة، فقد تسربت تلك الأخبار إلى المصريين، لكنهم لم يأخذوها بجدية، ظناً منهم أن القبرصيّ أضعف من أن يقدم على هكذا خطوة، وكل ما قام به نائب السلطنة في المدينة أن قام بتعلية سور المدينة القصير في بعض الجهات التي تواجه الميناء·
وانقض بطرس الأول ملك قبرص بجيشه الصليبي على الإسكندرية في مثل هذا الشهر الهجري محرم من عام 767 الموافق 1365 ميلادي، واعتقد السكندريون في البداية أن الأسطول قادم من البندقية ليشتري التوابل كالمعتاد، فأسرعوا لاستقباله، غير أنهم فوجئوا بعد أن رسا الأسطول على الشاطئ أن ركابه يشهرون سيوفهم، ولم يتمكن أحد من دحرهم، وهم يضرمون النار في كل ركن بالمدينة، ويدنسون المساجد ويعلقون عليها الصلبان، ويغتصبون النساء، ويقتلون الأطفال والشيوخ، وبلغ من وحشيتهم ورغبتهم في التشفي ـ كما يقول المؤرخ السكندري النويري ـ أنهم كانوا يقتلون المرأة ويذبحون ابنها على صدرها، ولم يفرقوا في النهب والتدمير بين المنشآت الخاصة بالتجار المسلمين أو تلك التي تخص المسيحيين، مثل فنادق أهل جنوة ومرسيليا··
ثغرة باب الديوان!
وفي صباح اليوم التالي أقبل مزيد من السفن القبرصية، واحتشد المقاومون السكندريون خلف أسوار المدينة للذود عنها ضد الزحف القبرصي·· وبالفعل لم ينجح المهاجمون في البداية في الاقتراب من تلك الأسوار بأبراجها المنيعة، بسبب سهام المدافعين القوية، لكن العدو اكتشف جانباً من السور بلا دفاعات، فنصب عليه السلالم الخشبية، وصعد عليها الجنود القبارصة المعتدون، وتوجهوا إلى أحد أبواب المدينة ويدعى (باب الديوان) فأحرقوه، وأربكت المفاجأة المدافعين، فيما تدفق القبارصة إلى داخل المدينة، وفزع الناس ففروا نحو بوابات المدينة هرباً، مما أدى إلى وفاة المئات من شدة الزحام! وبقي القبارصة بالمدينة ثلاثة أيام، قبل أن يغادروها عائدين إلى جزيرتهم، بالعديد من الأسرى، الذين بلغ عددهم نحو خمسة آلاف ما بين مسلمين ومسيحيين ويهود، رجال ونساء، علاوة على حمولة سبعين سفينة من الغنائم، حتى أن بعضها اضطر إلى إلقاء أجزاء من حمولته في البحر خلال الطريق، من شدة ثقلها، وترك القبارصة خلفهم حطام مدينة كانت رمزاً للحرية والانفتاح على العالم، وقد خلد المؤرخ السكندري النويري في كتابه (الإلمام) هذه الوقائع المؤلمة··· وفيما بعد دارت مفاوضات للصلح بين سلطان مصر وملك قبرص بطرس الأول، أسفرت عن تبادل للأسرى·
الهدايا··والانتفاضة!
ولم تنقطع غارات القبارصة عن موانئ المسلمين، وفشل المماليك في صدها، بل ووقعت طرابلس الشام فريسة لإحداها عام1393م، كما سقطت سفينة للمسلمين وأسر من كان بها في يد قراصنة القبارصة عام 1423م، وسقطت في العام التالي سفينة أخرى محملة بالهدايا كان السلطان برسباي قد بعث بها إلى السلطان العثماني مراد الثاني! عندئذ فقط انتفض برسباي المملوكي، وقرر أخيراً أن يلقن القبارصة درساً، فجهز ثلاث حملات لاستعادة جزيرة قبرص في ثلاثة أعوام متوالية
نجحت الحملة الأولى ـ وكانت صغيرة ـ في الهجوم على ميناء ليماسول، وأحرقت ثلاث سفن قبرصية كانت تتأهل للقرصنة، ثم عادت إلى القاهرة بغنائم كثيرة، ثم أوفد برسباي حملته الثانية لإعادة فتح قبرص في مايو 1425م، وكانت هذه المرة تتألف من أربعين سفينة، وأخذت طريق الشام، ومنها إلى قبرص، فدمرت تماماً قلعة ليماسول، واغتالت خمسة آلاف قبرصي، وعادت إلى القاهرة بألف أسير، علاوة على الغنائم، أما الحملة الثالثة فكانت أعظم من السابقتين، وضمت ثمانين سفينة، أقلعت من ميناء رشيد المصري عام 1426م، وذهبت رأساً إلى ليماسول، التي استسلمت سريعاً للمسلمين في الثاني من يوليو 1426م، ثم اتجهت شمالاً في جزيرة قبرص، فأسقطت ملك الجزيرة في الأسر، واحتلت نيقوسيا العاصمة، وهكذا عادت قبرص إلى المماليك، لكن البنادقة عادوا وأخضعوها لسيادتهم في عام 1490م !

اقرأ أيضا

مؤسس "ويكيليكس" يمثل أمام محكمة بريطانية