الاتحاد

عربي ودولي

الشعوب العربية تريد منحة ديمقراطية والحكام يهتمون بالشكل


القاهرة - زين ابراهيم:
نشر الديمقراطية في المنطقة العربية مرهون بالتضحيات التي تقدم من أجلها واقتناع القوى الحاكمة والنخب السياسية بتبني برنامج متكامل للتحول الديمقراطي ،ومستقبل المنطقة سيظل يتراوح بين النظم التسلطية التقليدية والنظم التسلطية التنافسية والاخيرة ستكون فيها مساحة من التوترات نتيجة تبني مؤسسات ديمقراطية شكلا مع ممارسات استبدادية مضمونا ، ورغم هذا فإن هذه السلطة التنافسية توفر فرصا جيدة لقوى المعارضة والمجتمع المدني متى اتحدت لكي تحقق نجاحات على طريق الاصلاح الديمقراطي··هذا ماجاء في دراسة أجراها 'د· المعتز بالله عبدالفتاح' -مدرس العلوم السياسية بجامعة القاهرة- والتي حدّد من خلالها شروطا للتحول نحو الديمقراطية في : خلق رأي عام ضد الوضع التسلطي يكون راغبا في تغيير هذا الوضع مع الاستعداد للتضحية ووجود معارضة متفقة على الحد الادنى من قواعد العمل المشترك تحت قيادة تحظى بالقبول الشعبي ووضع دولي وأقليمي مساند لتفكيك النظام القديم وتدعيم الجديد·
واوضح د· المعتز بالله انه اجرى استطلاع رأي مع فريق بحثي في 32 دولة عربية واسلامية حول قيم الديمقراطية وأهمية المشاركة السياسية كالتصويت في الانتخابات وحقوق المرأة والاقليات الدينية والبرلمان وتبين ان هناك تفاوتا شديدا في قبول المشاركين في الاستطلاع لقيم الديمقراطية ومؤسساتها حسب البلدان التي يعيشون فيها فهناك مجتمعات تتبنى موقف المتشكك من القيم الديمقراطية ومجتمعات أخرى لا تشكل ثقافتها عائقا ضد التحول الديمقراطي في حدود توجهات المواطنين تجاه قيم التسامح الديني واحترامهم لمؤسسات التنافس والتمثيل السياسي وبالتالي تكون الاولوية عند محاولة تفسير غياب الديمقراطية بها لعوامل أخرى غير الثقافة السياسية·
مطالب الشعوب
وكشفت الدراسة عن ان الشعوب العربية ترى المطالب الديمقراطية اقل الحاحا مقارنة بغيرها من المطالب الاخرى وهو ما يساعد النخب العربية على الا تصل عملية الانفتاح السياسي المحدود الى التحول الديمقراطي الليبرالي فالاستعداد للتضحية من اجل الحقوق السياسية في الدول العربية ضعيف اذا قورن بنظيره في المجتمعات غير العربية واكثر المواطنين العرب المستعدون للتضحية من أجل حقوقهم السياسية هم اللبنانيون والجزائريون وهم أبناء دولتين تتصفان بتشرذم واضح في الثقافة ونزعة تاريخية لتحدي السلطة الحاكمة ،ويقل هذا الاستعداد للتضحية نسبيا في الدول الخليجية·
والمفارقة التي توضحها الدراسة أن دولا مثل المغرب وتونس ومصر برغم انها الاكثر قبولا واستعدادا للقيم الديمقراطية ومؤسساتها فان مواطنيها لم يسجلوا استعدادا عاليا للتضحية من أجل حقوقهم السياسية بما يعني ان مواطني هذه الدول في انتظار منحة من الحكام دون استعداد حقيقي لدفع الثمن الباهظ للديمقراطية·
وأكدت الدراسة ان استمرار النظم التسلطية التقليدية والتنافسية يتوقف ضمنا على نجاحها في تدجين مواطنيها وتربيتهم على قبول الوضع الراهن كما ان نجاح قوى المعارضة الديمقراطية في الانتقال الى نظم حكم ديمقراطية ليبرالية يتوقف على ثقافة سياسية تحترم قيم الديمقراطية ومؤسساتها بل وتستعد لتحمل تكلفتها وتبعتها فمشاهد الطلبة المتظاهرين والعمال المضربين والمواطنين العاديين في كوريا الجنوبية وجورجيا وأوكرانيا وغيرها من الدول المستعدة للتضحية تؤكد ان للتحول الديمقراطي ثمنا وعناء ولن يأتي بانتظاره من النخب الحاكمة ،ولهذا فإن الاحتمال الأقرب للمجتمعات العربية هو التحول عن التسلطية ولكن ليس في اتجاه الديمقراطية وانما في اتجاه نظم تسلطية تنافسية ،ويمكن ان يفضي هذا على مدى زمني أطول إلى ديمقراطية حقيقية وهو امر ليس ببعيد لكنه يحتاج الى جهد·
وذكرت الدراسة ان معظم الحكام العرب يسعون لادخال تعديلات شكلية لا تغير حقيقة بنية الاستبداد السياسي ايمانا منهم باسكات الضغوط الاجنبية الخارجية وارضاء القوى المعارضة في الداخل ،الأمر الذي يؤدي الى نوع من السلطة التنافسية يختلف بشكل كبير عن السلطة التقليدية خاصة فيما يتعلق بالممارسة العملية للديمقراطية وخطورة السلطة التنافسية إنها بحكم التزامها الشكلي بالمؤسسات والاجراءات الديمقراطية تعطي انطباعا زائفا بالديمقراطية لكنها ليست كذلك وهي بهذا تضع نفسها في حالة توتر دائم مما قد يعجل بفنائها لاحقا إذا نجحت القوى المعارضة والمستقلة عن الحكومة في أن تقدم شرعية بديلة وهذا التوتر يتمثل من جانب هذه النظم في اساءة استغلال السلطة وعدم احترام نزاهة الانتخابات بالاعتداء البدني والمعنوي على المعارضين واساءة استغلال مؤسسات الدولة الرسمية مع غياب الشفافية عن عملية الاقتراع والتوتر الدائم بين النخبة الحاكمة والسلطة القضائية واحيانا تلجأ النخب الحاكمة الى تدجين القضاة برشوتهم او التخلص من المعارضين منهم ومع هذا فإن الاستقلال النسبي للسلطة القضائية يظل في وجه السلطة التنفيذية واحدا من أهم خصائص السلطة التنافسية وأخيرا التوتر الاعلامي الذي يتمثل في شراء الدول التسلطية للاعلاميين المؤيدين وتخويف المعارضين والتنكيل بهم ورغم وجود مؤسسات ديمقراطية قانونية شكلا داخل هذه النظم التنافسية الا ان النخب الحاكمة تنتهك هذه المؤسسات عندما تجد نفسها بحاجة لهذا مثل تمرير قانون او تعديل غير مقبول شعبيا او من المعارضة وتبقى مسائل مثل اجراء انتخابات حرة نزيهة وتعدد مراكز المساءلة وصنع القرار وحرية التعبير الفردي والجماعي ودرجة الالتزام بالقيم الديمقراطية مجرد ادوات في يد النخب الحاكمة وهو ما يفسر عدم حدوث تحول ديمقراطي حقيقي في عدة بلدان عربية بعد انفتاحها سياسيا حيث كانت ولا تزال قوى المعارضة أقرب الى أن تعارض بعضها أكثر من معارضتها للنظام الحاكم ،في حين انها لو اتفقت فيما بينها على ابدال النظام الحاكم بنظام ديمقراطي وتوحيد صفوفها والتمتع بمصداقية لدى الشارع العربي لكان التحول مثمرا·
ضد الديمقراطية
وأوضحت الدراسة انه في عام 1975 كانت الدول العربية تشكل 11 في المئة من الدول غير الديمقراطية في العالم اما في عام 2005 فانها تمثل حوالي 35 في المئة بما يعني ان موجة التحول الديمقراطي لم تنل من الدول العربية بالقدر الذي يجعل اي دولة تلبي خصائص النظم الديمقراطية الناشئة ناهيك عن الديمقراطيات الراسخة وانه من بين 121 نظاما تم تصنيفها من قبل الولايات المتحدة باعتبارها نظم حكم ديمقراطية لم توجد دولة عربية واحدة بل لا يوجد رئيس دولة عربية واحد ترك منصبه عبر صناديق الاقتراع خلال الخمسة والعشرين عاما الاخيرة·
ويؤكد الدكتور معتز ان عوامل كثيرة خارجية وداخلية ستؤدي الى مزيد من نشر قيم الديمقراطية في العالم العربي فضغوط الولايات المتحدة من أجل اصلاحات ديمقراطية في المنطقة العربية لا تتوقف ومن واقع خطب الرئيس بوش خلال الفترة من 2001 حتى 2005 نجده استخدم لفظ الديمقراطية 1012 مرة وببعض مشتقاتها مثل المجتمعات الحرة والحرية وشعوب تختار من يحكمونها حوالي 823 مرة··وقال هذه التعبيرات في سياق حديثه عن الدول الاسلامية والعربية في حوالي 1160 مرة بمتوسط 30 مرة كل شهر وكان هناك ذكر للعراق وافغانستان كثيرا باعتبارهما نقطة الانطلاق لشرق اوسط ديمقراطي ·
واللافت ان الادارة الاميركية الحالية كانت الاكثر ضغطا وانتقادا للاوضاع السياسية في الدول العربية 1160 مرة مقارنة بادارة الرئيس ريجان التي بلغت الانتقادات خلالها 231 مرة في حين بلغت جملة انتقادات الرؤساء الاميركيين لاوضاع حقوق الانسان وغياب الديمقراطية في الفترة من 1950 الى 1973 حوالي 127 مرة فقط ،والمشكلة التي تواجه الولايات المتحدة وأدت الى الضغوط على النظم الحاكمة العربية من أجل شرق أوسط ديمقراطي هي التخوف من ان تجلب الديمقراطية وجوها لا ترضى عنها الولايات المتحدة ،ولهذا فان التعويل على الضغوط الاجنبية لن يفيد لان الحقائق على الارض -كما يقول د·معتز- تجعل مصلحة الولايات المتحدة في عدم الضغط من أجل تغيير الصديق بالعدو المحتمل·
السلطة التنافسية
ويضيف ان ثمة تطورات حدثت في العشرين عاما الاخيرة في المنطقة العربية ترجح ان يكون مستقبل الاوضاع السياسية في الوطن العربي مختلفا عن الماضي والحاضر وتميل الى إحداث شروخ في بنية الاستبداد العربي وافساح المجال نحو السلطة التنافسية والتحول الديمقراطي ومنها عمليات الاحلال والتجديد في قمة هرم السلطة السياسية لأسباب قدرية ووجود قيادات أكثر شبابا نسبيا ربما تلعب دورا في مستقبل النظم السياسية العربية وفتح الافاق لتحولات ديمقراطية·
ويشير د· المعتز بالله الى أن التطور الآخر الذي وقع في المنطقة العربية يتمثل في انفتاح الجماعات الاسلامية المعتدلة وعلى رأسها جماعة الاخوان المسلمين على النظم السياسية وهو ما يدحض فكرة 'فزاعة الجماعات الاسلامية' التي حرصت النخب الحاكمة على استخدامها لتخويف الغرب من وصول جماعات إسلامية الى الحكم فهذه الجماعات قبلت بقواعد الديمقراطية ودخلت طرفا فاعلا في كيانات المجتمع السياسي وحضورهم أبرز بين قوى المعارضة الأخرى بعد ان تغيرت توجهاتهم وتبنوا الاجراءات الديمقراطية وهم مدفوعون الآن لتقديم رؤاهم المتكاملة في العديد من القضايا وبتواجدهم ستختلف الاوضاع السياسية في المنطقة العربية في المستقبل وهناك تكنولوجيا الاتصالات والفضائيات ومواقع الانترنت التي اتاحت نقل المعلومات والافكار بسرعة فائقة مع نقد الاوضاع الحالية والكشف عن الرغبة في مجتمعات اكثر ديمقراطية وهو ما ينعكس بدوره على مستقبل المنطقة العربية وهناك ايضا تراجع الايديولوجيات القومية العربية التي كانت تُعلي قضايا الوحدة العربية ومواجهة الاستعمار والصهيونية على قضايا الديمقراطية وحقوق الانسان وحدوث مراجعات فكرية تتصالح مع قيم الديمقراطية ومؤسساتها وآلياتها وهو ما سينعكس على مستقبل المنطقة العربية سياسيا·
وأكد أن كل هذا أدى خلال السنوات القليلة الماضية إلى تراجع السلطة التقليدية عن مكانها المعتاد وحدوث حراك سياسي افضى الى نوع من السلطة التنافسية التي اعتمدت على طرح انفتاح سياسي محدود ويتوقف الامر بعد ذلك اذا اردنا المضي في طريق التحول الديمقراطي على القوى المعارضة والمستقلة الجادة والفاعلة وايمان بقية افراد المجتمع باهمية الديمقراطية ودورها في تقدم المجتمعات سياسيا واقتصاديا·

اقرأ أيضا