الاتحاد

تقارير

«مدرسة المعرفة».. بارقة أمل أفغانية

على الرغم من المكاسب التي حققتها «طالبان» وصعود تنظيم «داعش» في أفغانستان، تواصل مدرسة مثيرة للذهول في كابول تعليم 4 آلاف طالب (نصفهم من البنات) التفكير باستقلالية وتغرس فيهم قيم التسامح. هذه المؤسسة التعليمية، التي تسمى مدرسة «المعرفة» الخاصة، تشكّل إلى جانب مؤسسها «عزيز رويش» وعدد من الطالبات، موضوع كتاب «جيفري سترن» الجديد والمؤثر «الألف الأخيرة: أمل مدرسة في بلد في حالة حرب». الكتاب يثير أسئلة وجيهة وجديرة بالبحث من قبيل: هل يمكن أن تتجدر القيم الليبرالية وتترسخ في بلد مسلم محافظ يواجه تهديد المتشددين الإسلاميين؟ وما الذي سيحل بالأفغان الذين يتبنون تلك القيم بعد رحيل القوات الأميركية؟ والجواب على السؤال الأول هو نعم - ولكن بشروط.
عندما قام الجنرال جون آلان بتسليم قيادة القوات الأميركية في فبراير 2013، رحّب بطالبين يتيمين من مدرسة «المعرفة» وقال «آلن»، الذي كان التأثر واضحاً على محياه، إنهما يرمزان إلى المستقبل الذي يقاتل من أجله الجنود الأميركيون والأفغان.
ما حققه الطالبان اليتيمان سمية ومصطفى، وما بناه «رويش» – بمفرده، بدون مساعدة أميركية أو أجنبية – كان مذهلاً حقاً، فبعد أن انقطع عن التعليم بسبب الغزو السوفييتي، حرص هذا الأفغاني الطموح على إتمام تعليمه في مخيمات اللاجئين الأفغان في باكستان. وبعد سقوط نظام طالبان، عاد إلى كابول حيث أنشأ مدرسة تعلِّم طلابها التربية المدنية إضافة إلى حقوق الإنسان وتمكين الإناث.
واللافت أن هذا الأفغاني الهادئ وضعيف البنية استطاع التشبع بالقيم الإنسانية من خلال قراءاته الخاصة، ولكن المبهر أكثر هو كيف استطاع رويش – الذي ينتمي إلى أقلية الهزارى المضطهَدة - الفوز بثقة ودعم آباء (أميين في الغالب) بحي «داشت إيبرشي» الفقير المغبر في كابول حيث كانت كل المؤشرات تشير إلى احتمال فشله. والهزارة طائفة آسيوية تنحدر، حسب الأسطورة، من وحدة تتألف من ألف جندي تم التخلي عنها بعد غزو جنكيز خان (ومنها يقتبس الكتاب عنوانه). ولطالما تعرض أبناء هذه الطائفة للازدراء وسوء المعاملة من قبل البشتون الذين يمثلون أغلبية في أفغانستان.
ونظراً لتصميم أوباما في البداية على سحب كل الجنود الأميركيين من أفغانستان بنهاية 2014، كان «رويش» قلقاً باستمرار لأنه كان يخشى أنه يعلّم طلبته، وخاصة الفتيات، من أجل أن يصبن بالإحباط في نهاية المطاف، كما كان قلقاً بشأن ما سيحل بهم بعد رحيل الأميركيين. وهذه المخاوف هي التي شغلت بال «سترن» أثناء تأليف الكتاب.
وبالنظر للتقدم الذي حققته «طالبان» في الآونة الأخيرة، قرر أوباما الآن الإبقاء على نحو 9800 جندي أميركي في أفغانستان حتى نهاية 2016 و5500 جندي بعد أن يغادر الرئاسة، قرار يعتبره «رويش» بالغ الأهمية إذ قال لي عبر الهاتف: «إن مجرد وجود قوات أميركية يمثل مساعدة نفسية مهمة للشعب الأفغاني لأنه يُظهر لهم أنه لم يتم التخلي عنهم (لداعش) وأن المجتمع الدولي يراقب أفغانستان ويهتم بها».
ولكن ألا يخشى «رويش» أن يصاب طلابه، بعد أن علّموا حقوقهم، بالإحباط ويصطدموا بالواقع عندما يحاولوا ممارستها؟ «رويش» يقول: «إن التحدي بالنسبة لي يكمن في تسليحهم برؤية جديدة، وليس بفصلهم عن الواقع»، بيد أن «رويش» يؤمن بأن نشر عقلية مدرسة «المعرفة» ممكن، ولكن ذلك يتطلب مساهمة المثقفين في المناطق الأخرى وترويجهم لمفهوم المواطنة إذ يقول: «إنها مسألة إرادة!».
وفي الأثناء، يواصل طلاب «رويش» التعلم والمثابرة – ومن بينهم نساء راشدات يتعلمن القراءة والكتابة لأول مرة في إطار برامج محو الأمية – وينجحون في الحصول على منح من جامعات أفغانية ودولية، على غرار الطالبين اليتيمين اللذين التقاهما الجنرال «آلان»، حيث يدرس مصطفى في تركيا بينما تدرس سمية في قرغيزستان.

*محللة سياسية أميركية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «تريبيون نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا