الاتحاد

دنيا

المدمن القاتل

في عام 1990 تخرج ''نور الدين'' في كلية الحقوق· لكنه لم يفكر في عمل يناسب مؤهله الجامعي· وترك مجال دراسته في القانون واتجه إلى الفن· التحق بمعهد السينما ليدرس الإخراج ويختلط بالنجوم والمشاهير ويدخل الأضواء وينغمس في هذا العالم الذي لم يعتده من قبل· وكان بالنسبة له مبهرا ومجهولا وجذابا وأمنية بعيدة المنال لكنها تحققت وأصبح مخرجا يتنقل بين البلاتوهات والاستديوهات ويلتقي بالممثلين المعروفين ووجد نفسه في عالم آخر غير الذي نشأ فيه· فهو من أسرة متوسطة في منطقة شعبية بالقاهرة· ولا يعرف عن عالم النجومية والفنون إلا ما يسمع ويقرأ في الصحف ويشاهد في التليفزيون والسينما· فلم يكن يصدق أنه أصبح واحدا من هؤلاء، بل وفي طريقه لأن يكون مخرجا مشهورا يشار إليه بالبنان يأمر وينهي ويتحكم في الممثلين ويوجه اليهم التعليمات· فينفذون ويطيعون لأنه صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في العمل الفني·
أتاحت له هذه المهنة رغم انه في بداية خطواته أن يتعرف على شقيقة فنانة مشهورة وتقرب اليها اكثر ونشأت بينهما علاقة حب كانت نتيجتها الارتباط والزواج سريعا· فقد استطاع أن يحصل على شقة في منطقة العمرانية بوسط مدينة الجيزة وانتقلت للاقامة معه لكن في الليلة الأولى اكتشفت المفاجأة وهي أن زوجها الشاب سكير ومدمن خمور· اعتقدت في البداية أن ذلك مجرد احتفال بزواجهما· ورغم رفضها هذا السلوك، فقد آثرت عدم الحديث معه في الموضوع فهي تسمع كثيرا عن أن العرسان يتناولون هذه المشروبات بل يتعاطى بعضهم المخدرات في ليلة العرس، واعتبرت ذلك من طقوس هذه الليلة وضمن الاحتفال· واكتفت بأن تستنكر ذلك بينها وبين نفسها· لكن مرت الليلة الأولى وتوالت الليالي وهو على نفس الحال ولا تمر ليلة دون أن يعاقر الخمر ويشرب حتى الثمالة ولا يكف إلا إذا فقد رأسه وعقله وقواه ويرتمي دون أن يشعر بشيء، اضطرت الزوجة إلى أن تضع حدا لهذه المأساة، فواجهته وطلبت منه أن يكف عن هذا الغي ووعدها بانه سيحاول، لكنه لم يفعل ولم ينل حتى شرف المحاولة، بل استمر في العبّ من هذه المشروبات وأصبح ينفق عليها كل دخله، وأهمل عروسه التي تكبلت معه بالقيود وأصبحت في ورطة لا تدري كيف تتخلص منها· وقد أصبح في أحشائها جنين منه اضطرها لأن تصير مكرهة وتتحمل هذه الأوضاع أملا في أن تنجح يوما في إصلاحه لكن كل محاولاتها باءت بالفشل، حتى بعد أن وضعت حملها لم تكن حاله أفضل من ذي قبل، فضاقت عليها الأرض بما رحبت وهددته بالرحيل من المنزل فلم يهتم ولم يبال· ووجدت نفسها في مفترق طرق ولابد أن تختار إما ان تبقى في ظل رجل مخمور لا يهتم بها ولا بابنهما ولا يعرف عنهما شيئا، وإما تحمل لقب مطلقة وينشأ ابنهما بعيدا عن ابيه· وبعد مشاورات ومداولات قررت أن تحتمي بظل حائط أفضل من ظل هذا الرجل الذي لا يفيق· وحصلت على الطلاق والشقة لأنها حاضنة فلملمّ ملابسه بعد عامين من الزواج وخرج عائدا الى أمه ليقيم معها بعد أن أصبح بلا مأوى·
وحتى في بيت أمه· لم يكن ''نور الدين'' أحسن حالا بل استمر في غيه وخمره· وجاء طوق النجاة عندما تزوجت مطلقته شخصا آخر فعادت اليه الشقة لأنها لم تعد حاضنة لولدهما وعاد الى وكره هذه المرة وحيدا وهو يريد ذلك كي يعيش حياته بلا رقيب ولا حسيب· بعيدا عن النصائح والمواعظ ولا يعنيه من العمل النجاح بل يعنيه ما يعود عليه من اموال تكفي لشراء مزاج رأسه الخرب· ومنذ 1993 حتى 2006 وهو تائه غارق في بحر الخمر، لا يدرى ولا يبحث عن طوق نجاة· بل لا يريد الخروج أصلا·
ومع إدمانه الخمر، أدمن ''نور الدين'' الانترنت والمحادثات مع الفتيات من كل الجنسيات· يضيع وقته، تارة يدعي أنه فتاة ويتحدث مع الرجال، وتارة يحادث الصبايا ليعرف مكنون النساء، الى ان تعرف على ''كارولين'' وكانت في ذلك الوقت عند الخامسة والاربعين من عمرها وهو نفس عمره تقريبا وتبادلا الصور وشعر نحوها بميل عاطفي نتيجة الفراغ الذي يعانيه منذ اكثر من ثلاثة عشر عاما· كأنه يريد ان يجد شاطئا ليستقر عليه، أو متنفسا لعواطفه المكبوتة والتي ربما لم تكن تأخذ الكثير من اهتماماته وتفكيره، فالخمر هي عشقه الاول وحبه وربما هوايته ولعبته أو هي كل حياته، إلا ان ''كارولين'' الهولندية الجنسية والتي كانت تعمل هناك موظفة في احد المستشفيات شغفها حبا، خاصة عندما علمت انه مصري· حيث انها مولعة بالمصريين كما قالت·
ارتبطت به بشدة واستطاعت ان تجذبه اليها بعنف حتى انه بدأ يشعر بأنه رجل ومن حقه بعد هذه السنين ان يكون له نصف آخر يحبه ويتزوجه ويشاركه همومه وأحلامه وأحزانه·
ستة أشهر كانت كافية لان تجمع بين ''نور الدين وكارولين'' فقد وجهت إليه الدعوة لزيارة بلادها، واستجاب فورا كأنه كان ينتظر تلك الخطوة· أعد جواز سفره، وحصل على التأشيرة وطار إلى هناك تسبقه احلامه وافكاره وكانت هي في انتظاره بالمطار· لم يكن صعبا أبدا ان يتعرف كل منهما على الآخر، فكثيرا ما تبادلا الصور خلال الاشهر الماضية، وعرف كل منهما عن الاخر كل شيء إلا قليلا مما يريد المحبون ان يخفوه من قبيل التجمل، وربما احيانا من قبيل الكذب الذي يرون انه لا يضر! خمسة أسابيع كاملة قضاها ''نور الدين'' مع ''كارولين'' في بلادها، كان أغلبها التنزه وزيارة معالم هولندا مع محبوبته التي سحرت عقله بجمالها وكلماتها ورقتها· فوجه اليها الدعوة لزيارة مصر ولم تصدق أنها ستحقق هذا الحلم الكبير وفي غضون اسابيع لحقت به في القاهرة·
وفي شقته حطت ''كارولين'' الرحال، وبعد أيام قليلة فاجأته برغبتها في إشهار إسلامها وان ذلك لم يكن قرارا متعجلا، بل وليد تفكير لشهور طويلة وهي تدرس الإسلام حتى قبل ان تتعرف على ''نور الدين'' لم يكن القرار يعني بالنسبة له شيئا فهذا امر يخصها وحدها وتوجهت إلى الأزهر والتقت بعدد من شيوخه لتعرف المزيد عن الدين الحنيف، ثم اعتنقت الإسلام· وقرر العاشقان الزواج بسرعة، لكن الإجراءات الكثيرة والبطيئة وقفت حائلا امام هذه السرعة بسبب اختلاف الجنسيتين، فقررا ألا يضيعا وقتا في هذه الاشياء، وتزوجها بعقد عرفي، وبدأت الحياة من جديد مع كل منهما·
لم يمض وقت طويل حتى تكشف المكنون وعرفت ''كارولين'' أن زوجها مدمن خمر· يعاقرها كل ليلة ولا يستطيع الحياة بدونها، وتتكرر المأساة معها كما وقعت مع زوجته السابقة وحاولت ان تصلحه لكن الوقت لا يسعفها، فهي تبقى معه اياما وتعود الى بلادها شهورا لأنها لا تريد ان تفقد عملها هناك، وفي كل مرة تأتي فيها الى القاهرة يتكرر المشهد والحوار وتطلب منه التوقف ولا يستجيب وتعبر عن استيائها ورفضها ولا يهتم وتدب المشاكل والخلافات، وتبدء طرد الحب والعشق، وتعكير الصفو·
وفي بداية شهر رمضان الماضي حضرت ''كارولين'' إلى القاهرة وهي تمني نفسها بالنجاح في مهمتها بتقويم زوجها وإصلاح حاله مع هذا الشهر الكريم لعله مع الصيام يستطيع ان يقلع ويتوب ويستقيم ووجدتها فرصة سانحة لتحقيق هدفها، لكنها صُدمت أكبر صدمة، عندما فوجئت به يغلق الحوار بكلمات حاسمة، بانه لا يفكر ولا ينوي الإقلاع عن الخمر، وليس لها الحق من الآن في أن تتدخل بهذا الامر وفشلت هذه المرة، كما فشلت في المرات السابقة، إلا أنها هددت بالرحيل نهائيا والانفصال والعودة الى بلادها لكن ذلك كله لم يحرك عنده ساكنا، وسافرت الى هولندا وتركته يسبح في بحر الضياع·
وفي نهاية شهر رمضان عادت ''كارولين'' إلى القاهرة للاحتفال بعيد الفطر المبارك مع زوجها وهي تمني نفسها بالفوز في هذه الجولة بعد أن خسرت جميع الجولات السابقة وكررت محاولاتها، لكن النتيجة كما هي وموقفه لا يتغير وأصابها اليأس وفقدت كل أمل وتأكدت من ان هذه هي نهاية جهدها·
ارتمت ''كارولين'' على سريرها تبكي وتنعي حظها العاثر وتفكر في طوق نجاة لكنها لم تجد، بينما جلس ''نور الدين'' على مقعد طوال الليل يكابد الأرق والسهر ويمر الوقت بطيئا ثقيلا إلى الفجر· ووجد نفسه لأول مرة في حياته ينهض ويخرج الى المسجد ويؤدي صلاة الصبح في جماعة عسى الله ان يفرّج كربه ويكشف همه، وما ان انتهى من الصلاة وخرج من المسجد حتى عرج الى المطعم القريب وتناول إفطارا خفيفا وحمل لزوجته ''ساندوتشين'' وعاد الى المنزل· واستيقظت ''كارولين'' على صوت الباب· نهضت وهي تتأفف وتستنكر تناوله الخمر في هذا الوقت، اخبرها انه لم يشرب لكنها لم تصدق· لاحقته بالتأنيب والتوبيخ، واستمرت في توجيه اللوم الحاد، والشتائم والسباب، بعدما فاض بها الكيل من النصح بالحسنى· لم تتوقف عند الكلام بل امسكت بتلابيبه محاولة ان تشم رائحة فمه ودفعها بقوة فعادت لتمسك به وهي تطلق الكلمات الخارجة واللعنات وتصب عليه جام غضبها· واستشاط غضبا وفقد أعصابه، دفعها ودفعته ونهرها وتعلقت به وهي تكيل له الكلمات الجارحة وتحاول ان تشل حركته، تخلص منها، وتحول الموقف الى معركة باللكمات والضربات من كل منهما وضاق صدره، فأمسك بسكين المطبخ وعاجلها بضربة في الصدر وثانية في البطن وثالثة ورابعة في الرقبة، كانت كلها كفيلة بأن تودي بحياتها وتلفظ آخر أنفاسها· وسقطت ''كارولين'' جثة غارقة في دمائها· قتيلة بعد أن فشلت في تقويمه لتدفع حياتها ثمنا لمحاولات الإصلاح وتروح ضحية لأم الكبائر·
ولم يكتف ''نورالدين'' بهذا بل أراد ان يخفي معالم جريمته، فسكب الكحول على الجثة وأشعل فيها النار وأغلق الباب وخرج ليوهم رجال المباحث بانها ماتت محترقة· ويكتشف الجيران الحريق، ويتم اطفاؤه ويعثر رجال المباحث على جثة ''كارولين'' ولم تكن الطعنات خافية في جسدها، ليتأكدوا ان وراء موتها جريمة، واختبأ ''نورالدين'' بجانب احد المساجد وجلس يبكي ويردد: ''قتلتها·· قتلتها''، ومر بالصدفة ضابط شرطة كان يتفقد الحالة الأمنية، وقبض عليه وتأكد من انه ليس مجنونا وانه ارتكب جريمة قتل بالفعل· وتتكشف كل الأسرار ويعترف ''نورالدين'' بالتفاصيل الكاملة· وتأمر النيابة بحبسه بتهمة القتل العمد· واكتمل ملف القضية بأدلة الثبوت والاعترافات وتقارير الطب الشرعي تمهيدا لإحالته إلى محكمة الجنايات

اقرأ أيضا