الاتحاد

دنيا

المتاعب الأسرية والشأن العربي

الهموم جزء أساسي، وسمة تقترن بحياتنا اليومية، ويقال إن الدنيا ما هي إلا دار للهموم، لذا فنحن بني البشر نحن دائما على ما مضى، مهمومون بما يحمل لنا المستقبل، فالتعب، والمعاناة هما الأصل في طبيعة الحياة الدنيا التي يعيشها ويواجهها الإنسان في ظروفه وأحواله المختلفة، فلكل منا همومه التي يحملها بين جنبات صدره·
ويؤكد ذلك قول الحق تعالى: ''لقد خلقنا الإنسان في كبد''· والقلوب تتفاوت في الهم بحسب ما تحمل من مسببات تتباين فيما بينها، ومنها هموم شخصية وذاتية، وعلى الجانب الآخر نجد أيضا كثيراً من الهموم العامة التي ترتبط بشكل وثيق بالهموم الذاتية·
السؤال الذي يطرح نفسه: ''ما هو الهم الأول الذي يسيطر على حياتنا؟'' ما الذي يشغل الإنسان في حياته؟ ما الذي يفرحه أو يحزنه؟ وما الذي يغضبه؟ وما هي أمنياته؟

تقول رزيقة اللامي''معلمة'': ''ما من شك أن الهموم المادية تأتي في مقدمة الهموم التي تواجه الناس في هذه الأيام في أي مكان من العالم، حتى في أوروبا وأميركا، ولاسيما بعد التطورات والأزمات المالية المرتبطة بما حدث في أميركا وأوروبا، فالحياة أصبحت صعبة، والمادة سيطرت على الناس، ولم يعد بالإمكان مواجهة أعباء الحياة ومسؤولياتها كما كان في السابق، حيث إن الحياة كانت بسيطة للغاية، ومتطلباتها كانت تنسجم مع الإمكانات المتاحة، أما الآن فالوضع أصبح صعباً، فتطلعات الناس واحتياجاتهم تزايدت، والأسعار تضاعفت، ولم يواكب هذه الزيادة زيادة مناسبة في الدخول، وتطلعات الناس تغيرت وتزايدت وتنوعت بفعل العولمة والانفتاح على العالم من حولنا·
وتضرب اللامي مثالاً على ذلك وتقول: ''أصبح الناس يتطلعون إلى أشياء ومظاهر لم تكن موجودة من قبل، كذلك مثلاً الزواج واحتياجاته والبذخ الذي نراه، وتطلعات الشباب، مما أدى إلى تزايد الأعباء والقروض، وما يترتب على ذلك من مشاكل يومية، وهموم إضافية لم تكن موجودة، وهذا الكلام ينطبق على كل جانب من جوانب الحياة من حولنا، وفي اعتقادي أن معظم الهموم التي يواجهها الناس نتيجة الهموم المادية، والاحساس بعدم الرضا وعدم القناعة، والتطلعات والمظاهر الاجتماعية السلبية التي تشغل الناس أكثر من غيرها''·
ويضيف أحمد الزين ''مخرج'' سينمائي قائلاً: ''لقد فرضت المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية في العالم كله، وفي المجتمع الخليجي والإماراتي أنماطاً استهلاكية جديدة لم تكن موجودة من قبل، ولم يقابلها تطور أو زيادة مناسبة في الدخل الشهري لكثير من الناس، وأغلب الناس لا يستطيعون مواكبة هذه المتغيرات بتوازن، ويؤدي ذلك إلى الوقوع في مشاكل مالية، وقروض، ومصائب كان الإنسان في غنى عنها، ولعل ما نراه من ارتفاع في مستوى المعيشة، وارتفاع في الأسعار، وارتفاع في إيجار الشقق والمنازل وكافة العقارات تثقل كاهل أي إنسان، فضلاً عن الالتزامات اليومية التي تثقل كاهل رب الأسرة وتجعله في هم دائم يؤثر عليه وعلى حالته الصحية والمزاجية بل والانتاجية أيضاً''·
الهموم الأسرية
ترى راوية العلمي''المذيعة في قناة العربية'' أن الهموم الأسرية والاجتماعية تأتي في مقدمة هموم الناس لأن هذا النوع من الهموم يرتبط بمسؤولية الإنسان ذاته، وواجباته والتزاماته، وهذه الهموم ترتبط بشكل مباشر بالهم المادي حيث إن أغلب المشاكل الأسرية والاجتماعية سببها مادي، فعدم إشباع الحاجات والاحتياجات يولد عند الناس الإحساس بعدم الرضا وعدم القناعة والتطلع إلى الآخرين، ويولد مشاكل من نوع آخر، وغالباً ما تتمثل المشاكل الأسرية والاجتماعية في عدم التوازن بين الإمكانات والاحتياجات، لكن ليس معنى ذلك أن نهمل المشاكل الأخرى المرتبطة بالعلاقات الأسرية، وعلاقة الآباء بالأبناء، وعلاقة الزوج بزوجته، والمشاكل المرتبطة بجوهر العلاقات الإنسانية بين الزوجين، والمشاكل التي تسود بين الأبناء من فئة الشباب والمراهقين، وهي مشاكل ذات طبيعة خاصة·
وتقول نازك أحمد الصالح ''معلمة'': ''إن الهم الأكبر في حياة الأنثى سواء كانت متزوجة ''أم'' أم لم تتزوج ''كفتاة'' هي مشاكل أسرية واجتماعية، فالفتاة غير المتزوجة مشاكلها أو همومها معروفة، وتتمثل في علاقتها بمحيط الأسرة، أو في الدراسة أو العمل، وتطلعاتها لبناء حياة جديدة بعد الزواج، وهذا الهم مشترك بين جميع الفتيات، أما الأم فهمومها في الأساس هموم منزلية وأسرية واجتماعية تتعلق بالزوج، وعلاقتها بالأبناء وبمسؤولياتها والتزاماتها الأسرية تجاههم وقلقها وخوفها من المستقبل، وهي في الغالب اهتمامات ومخاوف وهموم طبيعية لأي أم''·
الهموم المهنية
تؤكد أحلام نايف ''مساعد مدير'' في إحدى شركات التوظيف في أبوظبي: أن الهموم المهنية التي ترتبط بالعمل ومشاكله ومتاعبه اليومية في مقدمة هموم الناس، حيث إن العمل يمثل مصدر الدخل الشهري لأي شخص، ومن ثم فإن الاستقرار المالي والمعاشي يرتبط بنوعية العمل والاستقرار الوظيفي· إلى جانب قلق الكثيرين من المستقبل المهني، وماذا سيكون عليه الشخص في الغد، إضافة إلى مدى توافق العمل وانسجامه مع المؤهل الأكاديمي أو التعليمي للشخص، وخبرته الشخصية، وتناسب العائد المادي من وراء هذا العمل أو ذاك، كما أن هناك كثير من المشاكل اليومية التي ترتبط بالعمل، ومعوقاته، والاستقرار فيه، والمتاعب المهنية والصحية وضغوط العمل وساعاته، وغير ذلك من مشاكل طبيعية·
وتضيف سميرة بن يحيى ''موظفة علاقات عامة'' قائلة: ''ربما تمثل المتاعب المهنية هموماً لقطاع كبير من الناس، ولاسيما صغار الموظفين والعمال والفئة النتجة التي تمثل عصب الانتاج، وذلك بسبب مناخ العمل، وساعات، ومشاكله، وقلة العائد المادي الذي لا يتناسب مع الجهد المبذول، أو عدم تناسبه مع طموحات وأحلام كثير من الشباب على العكس من أصحاب المراكز الوظيفية الكبيرة، أو بعض الاختصاصات أو الوظائف الأخرى التي لا تمثل هموماً لأصحابها''·
الهموم الصحية
يعلق مسعود الريامي ''أعمال حرة'' حول الهموم الصحية التي تنتاب البعض قائلا: ''ما من شك أن الصحة كما يقال - تاج لا يعرفه إلا المرضى - وأظن أن لا يوجد أهم من الصحة في حياة الإنسان، وإذا كان هذا الجانب يمثل مشكلة للبعض فما من شك أن ذلك يؤثر على باقي نواحي الحياة الأخرى، ولاسيما إن كان الهم الصحي يتعلق بحالة مرضية مزمنة تحتاج علاجاً صعباً أو نادراً أو مكلفاً يفوق طاقة المريض وقدرته المادية، فضلاً عن عدم إحساس المرضى بطعم الحياة، ويظل هذا الهاجس يقلقه ويزعجه سواء إن كان هو نفسه صاحب المرض، أو إذا كان الأمر يتعلق بأحد أفراد الأسرة أو من الأقارب، ومن ثم يصبح الهم الصحي، أو المرضي في مقدمة الهموم التي تثقل كاهل الناس، ولا نتمنى ذلك لأي شخص مهما كان، وأنا في اعتقادي أن الهم الصحي يفرض نفسه على باقي اهتمامات المريض إن كان هو نفسه أو إذا كان لأي طرف في الأسرة، وتتراجع بالضرورة بقية الهموم من حيث الأولوية، ويظل هذا الهم أشبه ''بالكابوس'' الذي يطارد صاحبه ويؤرق مضجعه دائماً''·
الهموم العاطفية
يقول حسين المريخي''19 سنة - طالب'': إذا كانت الهموم العاطفية تشغل الشباب، لا يعني ذلك أنها تأتي في مقدمة اهتماماتهم، هناك أمور أخرى تشغل بال الشباب وفي مقدمتها القلق على الغد والمستقبل المهني أو الوظيفي، فالمشاكل العاطفية تشغل المراهقين والشباب، وأنا أعتبرها نوعا فرعيا من الهموم''·
أما هالة عبيد طالبة - 18 سنة'' فترى أن مشاغل واهتمامات أبناء جيلها تتركز حول متاعبهم ومشاغلهم واهتماماتهم بالجنس الآخر، وحول علاقاتهم العاطفية، وقد تمثل للبعض على أنها نوع من الهموم، أو المشاكل، وهناك فتيات يعتبرن الهم العاطفي، ونجاح علاقتها بالطرف الآخر في مقدمة اهتماماتهن، ربما لأن الفتيات أكثر إخلاصاً ووفاءً من الشباب، فالشاب يستطيع أن يقيم علاقات متعددة مع أكثر من فتاة، بينما الفتاة التي تحب شخصاً ما، لا تفكر في غيره، ومن الطبيعي أن يصبح ذلك نوعاً من الهموم''·
وتؤكد صالحة شداد سعيد''موظفة'' أن الهموم العاطفية للشباب والفتيات تتمثل في إمكانية استمرار العلاقة القائمة، وإمكانية إنهائها بالزواج والارتباط الشرعي، وما يرتبط بذلك من موافقة الأهل من عدمه، وغالباً لا تأتي المشاكل أو الهموم، إلا إذا كان هناك أسباب للرفض من قبل الأهل، أو عند وجود تجاوزات معينة للشاب أو الفتاة، وغالباً ما تكون هذه الهموم وهمية، أو تتناسب مع المرحلة العمرمية للمراهقين''·
تؤكد فاطمة الهاشمي (موظفة) إن ما شهدته الساحة العالمية من هزة اقتصادية عالمية، وما تعرض له الاقتصاد العالمي من تراجع، وما صاحب ذلك من تراجع وتأثر سلبي في الأسواق المالية وحالة الركود الاقتصادي وتدهور كثير من الشركات العالمية، قد ألقى بظلاله وتأثيراته السلبية على الاقتصاد العالمي والمحلي، ويمثل أكبر هم أما رجال المال والأعمال، بل سيترك تأثيراته على جميع مناحي الحياة من حولنا، فالشأن الاقتصادي يمثل أكبرهم وأكبر تحد أمام العالم اليوم، وهو كذلك بالنسبة للحكومات والشعوب والأفراد، وإذا كانت الإمارات لم تتأثر كلياً بهذا التدهور، إلا أن التأثير لايزال محدودا، وربما ترى اثاراً أو انعكاسات سلبية عالمية في المستقبل ستؤثر بالضرورة على حياة الناس ونشاطهم وأعمالهم·







شيرين مهمومة بغزة ووحدة الصف العربي







تقول الفنانة شيرين عبدالوهاب: ''ما من شك أن الهموم الشخصية لا تنفصل بأي حال عن الهموم العامة، وحياة الإنسان والناس متشابكة، والعلاقات الإنسانية أمر في غاية التعقيد، ولا يستطيع أي إنسان أن يعيش بمعزل عن الآخرين، فأنا بنت بلد، ولقد ولدت ونشأت في حي القلعة، وأعرف جيداً هموم الناس البسطاء ومعاناتهم الصحية والمعاشية والمادية والاقتصادية والمشاكل الاجتماعية التي تلاحقهم، وهي جزء من هموم عامة، وهي همومي بالتأكيد ولا أستطيع أن أنسى أو أتجاهل هموم الآخرين''·
··· وتضيف شيرين: ''إذا كانت همومي الشخصية تتعلق بالفن والغناء ومشاكل الانتاج، وما استعد له من أعمال جديدة فهي هموم مهنية بحتة، إلى جانب ''الهم الجديد'' الذي أعتبره مسؤولية جديدة، وهي مسؤولية الأمومة بعد انجاب طفلتي الأولى، أما الهم الأكبر الذي لا أستطع تجاهله أو نسيانه همومي بالأشقاء في غزة، كما أن جزءا كبيرا من همومنا العربية سببها الهيمنة الأميركية، وإسرائيل وتعنتها وجرائمها وسياستها الإجرامية التي فرضتها على المنطقة العربية والعالم· والجزء الآخر جلبناه لأنفسنا بأنفسنا· فبعد فشل الخطاب القومي، والخطاب السياسي الإسلامي، حيث لم يهتم بمعالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية الفعلية للعرب والمسلمين· فبرامجنا التعليمية بحاجة إلى إصلاح، وكلنا يعلم ذلك ولكننا لم نتمكن حتى الآن من إصلاحها وتطويرها بالشكل المطلوب· وتكاملنا الاقتصادي يحقق منفعتنا جميعا وبالرغم من ذلك فما زلنا غير قادرين على تحقيقه، ونكتفي بالدعوة إليه من حين لآخر·








الأعباء الحياتية












في استطلاع للرأي أجرته ''الاتحاد''لعينة عشوائية قوامها ''مائة حالة''، جاءت الهموم المادية في مقدمة الأعباء الحياتية التي تشغل حيزاً كبيراً من تفكير الناس وقلقهم ومتاعبهم، وذلك بنسبة 51 في المئة من أفراد العينة، ثم جاءت الهموم الأسرية والاجتماعية بنسبة 30 في المئة، وهي الهموم المرتبطة بالمسؤوليات الأسرية من زوجة وأبناء، وهي بطبيعة الحال تتعلق بالمشاكل أو العلاقات الزوجية، واحتياجات الأبناء، ومشكلاتهم التربوية والسلوكية والتعليمية، فضلاً عن قلق الأسرة على مستقبل الأبناء، والمشاكل المرتبطة أيضاً بالمتغيرات الثقافية من حولهم· والمتاعب المهنية 7%·
أما الهموم الصحية فقد جاءت في المرتبة الثالثة بنسبة 9 في المئة، وهي هموم تتعلق بالحالة الصحية للفرد نفسه أو بأحد أفراد الأسرة أو الأقارب ممن يحظون بدرجة من الأهمية لدى هذه الفئة، وتمثلت هذه الهموم في وجود أمراض مزمنة أو أعراض طارئة، أو لوجود عدد كبير ممن يعانون من أمراض العصر الشائعة التي تتمثل في أمراض ضغط الدم والسكري، والأمراض النسائية المرتبطة بالحمل والولادة ومشكلاتها·
والملفت للانتباه هنا، أن الهموم العاطفية لدى أفراد العينة لم تنل نصيبا أكثر من 3 في المئة فقط من هموم الناس، ربما لأن العينة التي تم اختيارها بشكل عشوائي انحازت نسبياً إلى من هم فوق سن 20 سنة، وربما من أشار إلى هذا النوع من الهموم يعاني من مشكلة عاطفية ما، لكن الملفت للنظر أيضاً أن هناك 15 حالة من هم دون سن العشرين، من بينهم الحالات الثلاث التي يعاني أصحابها من الهم العاطفي، ويبدو أن هذا النوع من الهموم لم يعد يشغل حيزاً كبيراً، أو لا يمثل هماً ثقيلاً لدى الشباب كما كان متوقعاً، بل قفزت الهموم المادية، والاجتماعية، والقلق على المستقبل في مرحلة متقدمة عن الهموم العاطفية وهو مؤشر جدير بالتأمل والدراسة·
وعلى صعيد الهموم العامة، كان الملفت للانتباه أن يشغل الشأن العربي هموم الناس بقضاياهم القومية والمصيرية وفي مقدمتها قضية فلسطين، ولاسيما بعد الغزو الإسرائيلي الإجرامي الأخير على قطاع غزة، وما أثاره من غضب في الشارع العربي، فضلاً عن الحالة السلبية التي اتسم بها الموقف العربي، والانقسام الذي تشهده الساحة الساسية الفلسطينية، فضلاً عن ما يجري في العراق من تطورات وأحداث يومية، ومثلث الهموم المتعلقة بالشأن العربي 63 في المئة في مقابل 35 في المئة للهموم المرتبطة بالأزمة الاقتصادية العالمية، والانهيارات الكبيرة في أسواق المال، وقلق الناس من المزيد تدهور الحالة، وانعكاساتها على حياة الناس في الداخل، وانعكاسات الحالة على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، أما الهموم المرتبطة بالوضع الداخلي المحلي فلم تتجاوز 2 في المئة نظراً للحالة الايجابية التي ينعم بها مجتمع الإمارات من استقرار وأمن وانضباط، وتطور تشهده جميع مجالات الحياة، إلى جانب حالة الاستقرار التي تشهدها منطقة الخليج العربي بشكل عام

اقرأ أيضا