الاتحاد

انصت بأذنك وبعينيك


أظهرت دراسة علمية على مهارات الاتصال بين الناس أن الناس يستغرقون ما نسبته 75 في المئة من يومهم في الانصات والتحدث فقط، 40 في المئة للإنصات و35 في المئة للتحدث، بينما يقضي 16 في المئة من أوقاتهم في القراءة و9 في المئة في الكتابة· وهو ما يؤكد أن الانصات يحتل نصيب الاسد من انشطتنا اليومية·
ويحب الناس المنصت لأنه المغناطيس الذي يلجأ إليه الناس لتفريغ همومهم واحزانهم وحتى أفراحهم· فهو الذي يشعرهم في كنفه بالاحضان والتقدير· فما أجمل أن ترى أذناً صاغية بهدوء ووقار لشخص يكاد يضيع بالغضب أو الحزن ذرعاً· إنها خدمة جليلة يقدمها إلينا من دون مقابل مادي·
كما يحبونه لقلة أخطاء لسانه· فمقارنة بعشاق التحدث فإنه أقل عرضة لزلة اللسان وأقل تصادماً معهم سواء في النقاشات أو المشادات الكلامية وغيرها· المنصت يفضل حبس لسانه ويرسل أذنيه إلى عالم المتحدثين الصاخب·
المنصت لا يعرف من بين الحضور الا عندما تكتشفه أعين المتحدثين وهو منزوي في هدوء وترقب فتتابعه بحرص، علماً بأنه لم ينطق ببنت شفة· وذلك لدليل على أن المنصت شخصية لا تقل أهمية في المجالس عن كثيري الاسئلة والمتحدثين، فانصاته يشعرهم بالقبول والمتابعة· كيف ترى مجلساً تتحدث فيه ولا أحد ينصت إليك!
ويزود الانصات المنصت بمعلومات كثيرة، فكلما زاد انصاته زادت معلوماته وبالتالي حاجة الناس اليه والأنس بوجوده·
كما يندر أن يجابه دخول المنصت إلى مجلس ما بالاشمئزاز أو التأفف فهو يحمل رصيدآً يكاد يكون خالياً من الصدامات او الاحقاد في المجالس التي يذهب اليها، لقلة حديثه·
وصدق القائل 'لسانك حصانك إن صنته صانك وان خنته خانك'· والمنصت معروف بانصاته لكل ما تأتي به ألسنة جلسائه، ويكفيه ذلك فخراً·
ومن أهم أسباب مشاكل الناس هي عدم إحسان الانصات إليهم· فكم من موضوع أسيئ فهمه سواءً كان مع أسرنا، أصدقائنا، زملائنا في العمل·· الخ وأدى إلى قطيعة أو خلاف بدأ صغيراً ثم أصبح كبيراً·
* كيف تكون منصتاً جيداً؟
- الانصات بالعينين: أن تكون منصتاً جيداً ليس معناه أن تنصت بأذنيك فقط، وإنما بعينيك أيضاً! هذه ليست دعابة فقد أثبتت دراسات عديدة أن تتبع المنصتين لأعين المتحدثين يزيد الفئة الأولى تركيزآً ومتابعة ويزيد الثانية راحة أكثر في الحديث· في مجتمعاتنا الشرقية يعود أطفالنا على عدم النظر إلى اعين الكبار، حيث يعتبرونها 'إمكاسر' أو نوعاً من أنواع عدم الاحترام، وفي الحقيقة هي نظرية ليست صحيحة·
- لا تقاطع أبداً· بل انتظر لحين انتهاء محدثيك فذلك من شأنه تعويدهم على أسلوبك والذي سيكون سبباً في ارتياحهم عند التحدث إليك·
- تفاعل مع ما يقال بصدق ومن دون تمثيل، وتذكر أن هناك أناساً كثيرين لديهم من الفطنة والبداهة ما قد يفوق توقعاتك· مرة أخرى، لا تتصنع المتابعة فيسهل على أي شخص التعرف عليها مما قد يفسد عليك جميع محاولاتك·
- إن اختيار الوقت والمكان هما في غاية الأهمية· فكيف يراد من شخص ما أن ينصت وهو مستغرق في متابعة برنامج تلفزيوني محبب لديه أو مستغرق في عمل يدوي ما أو أن يكون على وشك الخروج من منزله أو مكتبه· فمن يريد إنصاتاً يرضيه فليختر الوقت والمكان المناسبين·
يقول أبوحامد الغزالي في صفات المنصتين الجيدين 'أن يكون مصغياً إلى ما يقوله القائل، حاضر القلب، قليل الالتفات إلى الجوانب متحرزاً عن النظر إلى وجوه المستمعين وما يظهر عليهم من أحوال الوجد، مشتغلاً بنفسه ومراعاة قلبه، ومراقبة ما يفتح الله تعالى له من رحمته في سره، متحفظاً عن حركة تشوش على أصحابه···'·
ويضيف في كتابه ' احياء علوم الدين 'بل يكون ساكن الظاهر هادئ الاطراف، متحفظاً عن التنحنح والتثاؤب، ويجلس مطرقاً رأسه كجلوسه في فكر···' ويدعو الحذر من 'التصنع والتكلف والمراءاة' اثناء الانصات وأن يكون ساكتاً عن النطق في أثناء القول بكل ما عنده ، فإن غلبه الوجد وحركه بغير اختيار فهو فيه معذور غير مذموم' داعياً إياه إلى الرجوع إلى 'هدوئه وسكونه' وهو ينصت·
حكمة:
قال بعض الحكماء:
إذا جالست الجهال فأنصت لهم·
وإذا جالست العلماء فأنصت لهم·
فإن في إنصاتك للجهال زيادة في الحلم، وإن في انصاتك للعلماء زيادة في العلم·
نورة راشد

اقرأ أيضا