الاتحاد

دنيا

القوامة مسؤولية للرجل·· وحماية للمرأة والأسرة

القوامة في الإسلام ليست تسلطاً وإنما وسيلة لتوحيد القيادة في الأسرة

القوامة في الإسلام ليست تسلطاً وإنما وسيلة لتوحيد القيادة في الأسرة

يمنح الإسلام المرأة حقوقاً أصيلة ويكفل لها الرعاية لتعيش مصونة العرض طيبة الخاطر عالية الشأن، بعد أن كانت مسلوبة الحياة مهضومة الحق تباع وتشتري كالسلعة، مع ذلك فإن المرأة هي المدخل الذي يحاول منه أعداء الدين الطعن في الإسلام وإثارة الشبهات حوله، يريدون أن يطفئو نور الله، مستغلين تغافل الكثيرين عن الحقوق التي يكفلها الإسلام للمرأة·
وقد استغل البعض خاصة في الغرب موضوع قوامة الرجل على المرأة لإثارة الرأي العام وجمعيات حقوق الإنسان وحقوق المرأة واعتبروها تمييزاً ضد المرأة وضياعاً لحقوقها وإهداراً للمساواة بين الرجل والمرأة، مع أن الإسلام شرف المرأة ورفع قدرها وشأنها وجعل الرجل خادماً لها، لأن القوامة مسؤولية وتكاليف وأعباء على الرجل·
يقول الدكتور محمد نبيل غنايم -أستاذ الشريعة بجامعة القاهرة- إن الشريعة الإسلامية بريئة من هذا الاتهام، موضحاً أن القوامة الزوجية في الإسلام هي قوامة مسؤولية ورعاية وعناية ووحدة كلمة·· فقوله تعالى في سورة النساء ''الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض ومما أنفقوا من أموالهم'' الآية: 34 ، يوضح ذلك المعنى ويؤكده لأن الآية الكريمة بينت سبب إسناد القوامة للرجل على أساس أن الرجل أقوى من المرأة بما أودع الله تبارك وتعالى فيه من خلق وتكوين منذ كانت البداية من آدم عليه السلام، وبما يقوم به الرجل من عمل وكد واكتساب للمال ليرعى الزوجة والأسرة، وكلا الأمرين رعاية وعناية وحماية تتمثل في الدفاع عنها بالعقل والجسد، كما تتمثل في الاتفاق على كل متطلبات الحياة الضرورية·
وأضاف الدكتور غنايم: ليست القوامة كما يظن بعض الناس من أبناء الإسلام أو أعدائه استبداداً ولا تمييزاً للرجال على النساء ولا مناصرة للرجال واضطهاداً للنساء، ذلك أن الإسلام بما وضعه من تشريعات في إقامة الحياة الزوجية واستمرارها يؤكد هذا المعنى· فالزواج كما يعلم الجميع آية من آيات الله - تبارك وتعالى - تؤدي إلى إقامة حياة آمنة تظللها السكينة بين الطرفين وتقوي أركانها أواصر المودة والرحمة كما قال تعالى ''ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون''·
ويتساءل الدكتور غنايم: أين الاستبداد أو التمييز أو التسلط الذي يدعيه الغرب؟ خاصة مع قول الرسول ''صلى الله عليه وسلم'': ''استوصوا بالنساء خيراً، فما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم''؟ وقوله ''صلى الله عليه وسلم'' لوافدة النساء ''أن حسن تبعل المرأة لزوجها يعدل الحج والعمرة والجهاد في سبيل الله''· وقال ''صلى الله عليه وسلم'': ''إنما النساء شقائق الرجال''، فلا مكان للاستبداد في القوامة الزوجية، إنما هي قوامة الرعاية والحماية والمسؤولية·
وأضاف: من خلال هذا الإطار الإنساني الكبير للقوامة الزوجية في الإسلام، يأتي حق الزوج في اتخاذ القرار والحرص على كيان الأسرة بما يتطلبه هذا الحرص من شؤون التأديب وحماية البيت من الانهيار أمام عواطف جياشة أو إسراف مادي أو تبذير في غير محله أو أي تهديد آخر لهذه الأسرة وهذا الكيان الذي صنعه ذلك الرجل من جهده وعرقه، وهذا يعطي التفسير الصحيح لقوله تعالى في هذا الإطار ''·· واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا، إن الله كان علياً كبيراً، وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما، إن الله كان عليما خبيرا'' النساء الآيتان ،34 ·35
تمنع انهيار البيت
أضاف د· غنايم: القوامة هي التي تحافظ على البيت وتمنع انهياره، وإذا حدث ما يهدد ذلك الاستقرار كان التدخل من هذا القيم لإصلاح هذا الخلل ومنع ذلك الخوف وتحقيق الأمن والسلامة والإصلاح عن طريق الموعظة الحسنة والهجر السري ''في حجرة النوم فقط'' والضرب غير المبرح للتخويف والتأديب كما يفعل الأب الراشد مع أعز الناس لديه أبنائه·· لصالحهم وسلامتهم، وكما يفعل ولي الأمر أو القاضي مع من يتعدى من الرعية أو يخل بأمن المجتمع، فيكون العقاب بألوان متعددة ترمي في عمومها إلى إصلاح الفرد والمجتمع وليس إلى اهانة فرد أو التمييز بين فردين·
ويقول الدكتور محمد الدسوقي -أستاذ الفقه وأصوله بجامعة القاهرة- إن قوله تعالى في سورة النساء ''الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم····'' الآية ،34 ويوضح أن للرجال حق القوامة وأن القوامة على النساء معناها التفاني والمسؤولية، وهذه المسؤولية ليست فقط محصورة في الإنفاق المادي، ولكنها تشمل الرعاية المادية والمعنوية، بل إن الإنفاق المعنوي يحتل مكانة مهمة في القوامة·
وأضاف: حينما قال الله تعالى ''بما فضل الله بعضهم على بعض''، فإن التفضيل لا يعني الإنقاص من كرامة المرأة ومكانتها وإنما هو تفضيل أشبه ما يكون بتفضيل اليد اليمنى على اليد اليسري، وهذا أمر اقتضته الحكمة الإلهية في النوع الإنساني، فالرجل بحكم تصرفاته وما خلقه الله عليه من طاقات ومشاعر وعواطف أقدر على القيام بمسؤولية القوامة لأن المرأة بمشاعرها وبما خلقه الله فيها وبما لها من رسالة في الحياة تختلف عن رسالة الرجل وهي الإنجاب، لم يجعل -الله تعالى- لها هذه القوامة، وبذلك كرمها وجعل الرجل كخادم لها، فهو مسؤول عنها ماديا ومعنويا· حتى أن الرجل قبل أن يقترن بالمرأة لابد أن يعبر عن رغبته فيها بتقديم الصداق الذي يرمز إلى المحبة والحرص، على أن تكون هذه المرأة شريكاً له في الحياة·
توحيد القيادة
وأكد الدكتور الدسوقي أن القواعد الأساسية في الفكر الإسلامي هي توحيد القيادة في أي مجتمع مهما كان حجمه صغيراً أو كبيراً، والأسرة مجتمع صغير يبدأ بالزوجين ثم يأتي الأبناء بعد ذلك وفي ذلك قال الرسول ''صلى الله عليه وسلم'': ''إذا كنتم ثلاثة فأمروا واحدا''، أي مسؤولاً في اتخاذ القرار حتى يمكن أن تسير الحياة، فالرجل لا ينبغي أن يستبد بالرأي والقرار، ولكن ينبغي أن يشارك في الرأي وفي اتخاذ القرار، ثم يتخذ القرار الحاسم ويتحمل ما ينتج عنه·
وأشار إلى أن الرجل مسؤول عن أن ينفق على زوجته بما يسر الله عليه، وقال تعالى في سورة الطلاق ''لينفق ذو سعة من سعته، ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما أتاه، سيجعل الله بعد عسر يسرا'' الآية ،7 ولو أن الرجل افتقر وكانت زوجته ثرية، فإن المرأة ليست مسؤولة عن أن تنفق على زوجها وأولادها وإذا أنفقت متطوعة فلا بأس، وإذا أنفقت على أساس أنه دين حتى ييسر الله للزوج، يجب هنا على الزوج أن يدفع هذا الدين عند الاستطاعة·
ويوضح الدكتور الدسوقي الجانب المعنوي في القوامة، مؤكداً أنه يتعلق باستقرار الأسرة واستمرارها، فمن ناحية الزوج، عليه أن يحسن عشرة زوجته وألا يترك حقاً من حقوقها، فلا يجوز له أن يتغيب عن المنزل فترات طويلة حتى لا تشعر الزوجة بالعزلة وعدم المؤانسة والإسلام يدعو إلى حسن العشرة حتى لو كره الزوج زوجته من أجل المحافظة على استمرار الحياة الأسرية، فيقول تعالى في كتابه العزيز ''يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف، فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً'' النساء آية ·19
ويروى أن رجلاً جاء إلى عمر وقال: إني أريد أن أطلق زوجتي، فقال له: لماذا، قال: لأنني لا أحبها، فقال له: ويلك ألم تبن البيوت إلا على الحب، أين الرعاية؟ -أي ما فرضه الله في رعاية أسرتك- ودعاه إلى أن يقاوم هذه المشاعر ويبقي على الحياة الزوجية، لأن عقد الزواج مؤبد والطلاق استثناء·
وليعلم الرجال أن القوامة لا تعني الغطرسة والاستعلاء وإهانة المرأة، وهي مسؤولية يُسأل عنها الرجل يوم يلقى الله، وأن على الرجل الحماية والإنفاق واحترام مشاعر المرأة·
خدمة ومسؤولية
تعرف الدكتورة سعاد صالح -أستاذ الفقه بجامعة الأزهر- القوامة بأنها خدمة ومسؤولية في نفس الوقت، لأنها خدمة للمرأة ومسؤولية، فالرجل مسؤول عن أهله أمام الله - عز وجل - كما قال رسول الله ''صلى الله عليه وسلم'': ''كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته''، فالزوج راع في أهله، وعليه أن يكون في خدمة أهله ويسهر على شؤونهم ويتفقد أحوالهم، ويجب أن نعلم أن من واجبات القوامة أيضاً على الرجل معاشرة زوجته بالمعروف·
وتضيف أن القوامة ليست إلغاء لحقوق المرأة وتهميش دورها، ولا هي تصريح للرجل بإيذاء المرأة والنيل منها، وإذا كانت القوامة تلزم الرجل بالقيام بما عليه وبما فرضه الله عليه، فهي في الوقت نفسه توجب الكثير من الأمور على المرأة تجاه هذه القوامة من طاعة لزوجها والقيام على شؤونه وحفظ ماله وعرضه، وكتم أسراره التي لا يأذن بنشرها بين الناس، قال ''صلى الله عليه وسلم'' عن الزوجة الصالحة ''إذا صلت المرأة فرضها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها قيل لها: ادخلي من أي أبواب الجنة شئت''·
وتؤكد أن القوامة في الإسلام ليست تسلطاً ولا قهراً أو سلباً لحقوق المرأة والإقلال من قدرها، بل هي تقدير وتشريف لها ورفعة لشأنها وفيها سعادتها واستقرار أسرتها، مشيرة إلى أن البيت الذي يقوم فيه الزوج بحق القوامة وتقوم الزوجة بواجباتها تظلله السعادة

اقرأ أيضا